سياسة رياضه ثقافه معلومات
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مذكرات المشير أحمد اسماعيل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Eid Al Said
Admin
avatar

عدد المساهمات : 690
النشاط : 1701
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: مذكرات المشير أحمد اسماعيل    الجمعة مايو 16, 2014 6:16 pm




«الوطن» تنفرد بنشر مذكرات المشير أحمد إسماعيل.. وزير حربية معركة الكرامة

الحلقة الاولى


[خير ما أبدأ به هذه المذكرات هو جزء من دعاء النبى (صلى الله عليه وسلم): «اللهم اجعلنى شكوراً واجعلنى صبوراً واجعلنى فى عينى صغيراً وفى أعين الناس كبيراً». كما أدعـوه أن يوفقنى فى تذكر الحقائق، لكى أؤدى الأمانة لأصحابها، وأصحاب الأمانة هنا هم أهل وطنى الذين يستحقون أن يقرأوا التاريخ كما حدث بالفعل وليس كما تلونه الأهواء والانحيازات والمصالح. وعلى الرغم من أن كتابة المذكرات لا تحتاج إلى تبرير، خاصة عندما يتعلق الأمر بالذين يعملون فى خدمة الوطن، فإننى أجد نفسى ملزماً بالتأكيد على أن ما دفعنى هو شعورى ويقينى بأننى أديت جزءاً من واجبى نحو بلدى فى تاريخ حياتى، ونظراً لأننى لم أكن مهتماً بالدعاية والإعلان عما فعلت، فوجئت أن الحقائق والوقائع طُمست، وأن التاريخ يتعرض للتحريف الذى يصل إلى حد التزوير، كما تعمد البعض أن ينسب أعمالى لغيرى، بل إن هناك من تعمد تشويه الدوافع النبيلة لتلك الأعمال.

بدأت كتابة هذه المذكرات بعد أن تركت الخدمة بأربعة أشهر، وقد تخوننى الذاكرة فى بعض الأحداث، ولكننى سأحاول جهدى تذكر تلك الحقائق، وأستعين فى ذلك بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.

لا يعلم الكثيرون التاريخ الحقيقى لبداية لجوء مصر للاتحاد السوفيتى لشراء السلاح منه والتحرر من قبضة الغرب فى هذا المجال.. فقد كان شُغل الرئيس عبدالناصر الشاغل منذ اندلاع ثورة يوليو، هو البحث عن مصدر جديد لشراء السلاح منه بدلاً من بريطانيا التى كانت تحتكر توريده لمصر، وقد حاول عبدالناصر كثيراً إقناع الولايات المتحدة ببيع السلاح لنا، ولكن كان الرفض دوماً موقف واشنطن. ومن هنا جاء التفكير فى الاتحاد السوفيتى. وجاءت البداية عام 1955 عبر أحد رجال الأعمال الوطنيين ويُدعى محمد أحمد فرغلى باشا الذى أممت الثورة ممتلكاته فيما بعد ووضعته تحت الحراسة حيث أبلغه سفير الاتحاد السوفيتى فى القاهرة باستعداد موسكو لبيع السلاح لمصر سراً عبر وسيط لإخفاء الأمر عن الولايات المتحدة. وهو الأمر الذى رحب به الرئيس عبدالناصر وكان يعلم أن التعاون مع الاتحاد السوفيتى لم يكن بالفكرة الجديدة، فقد سبق لرئاسة أركان الجيش المصرى التفكير فيه قبل قيام ثورة يوليو 1952 من خلال الفريق عزيز المصرى. هنا قرر الرئيس جمال عبدالناصر زيارة الفريق عزيز عثمان وكان قد أُحيل للتقاعد وأقنعه بتولى مهمة التفاوض مع السوفيت وتوطيد علاقة مصر بهم عبر تعيينه سفيراً لمصر فى موسكو. والحقيقة أن ثمار تلك الخطوة كانت شديدة الأهمية لمصر وهو ما أثبتته الأيام، حيث أعلن المسئولون السوفيت للسفير المصرى استعداد موسكو لمساندة مصر ودعمها اقتصادياً وعسكرياً لتحقيق استقلالها عن الغرب. وهكذا وصلت مصر أول شحنة سلاح سوفيتى فى النصف الثانى من عام 1955 عبر تشيكوسلوفاكيا التى تم اختيارها كوسيط لصفقات السلاح بعيداً عن أعين الولايات المتحدة، وقد أحاطت بالصفقة السرية التامة، والتكتم الشديد من قِبل الحكومتين المصرية والسوفيتية. ووقتها وقع اختيار الرئيس جمال عبدالناصر علىَّ لتدريب الجنود والضباط فى الجيش المصرى على الأسلحة الجديدة.

بالطبع لم نستطع إخفاء أخبار ما استقدمه الجيش المصرى من سلاح جديد، وهو ما أزعج العدو الإسرائيلى الذى كان يكنُّ الكراهية لعبدالناصر. ولعل هذا كان بداية تفكير إسرائيل فى توجيه ضربة للقوات المسلحة المصرية لوأد تقدمها.

ومن هنا كان قرار إسرائيل المشاركة فى العدوان الثلاثى على مصر فى عام 1956، رداً على قرار الرئيس عبدالناصر بتأميم قناة السويس بعدما رفضت الولايات المتحدة الأمريكية تمويل بناء السد العالى، وتأثيرها على البنك الدولى هو الآخر لرفض التمويل. وجاء يوم 29 أكتوبر عام 1956 ليبدأ القصف الجوى لطائرات الدول الثلاث المعتدية على مصر: إنجلترا فرنسا إسرائيل. كنت وقتها قائداً للواء الثالث مشاة برتبة عقيد، وكان مقر وجودى هو شرق قناة السويس، وبالتحديد فى القنطرة شرق. كانت مهمتنا الدفاع عن بورسعيد ومنع قوات الدول الثلاث من أى عملية إنزال فيها، سواء كانت براً أو بحراً أو جواً وذلك لمنع احتلال المدينة. كانت إسرائيل قد نجحت فى عملية إنزال جوى عند ممر «متلا» بسيناء وصدرت أوامر القيادة لى بالتعامل مع تلك القوات، مع الانسحاب لغرب القناة لإفشال خطط القوات البريطانية فى احتلال بورسعيد. وهكذا اشتبكنا مع القوات الإسرائيلية فى عدة معارك قتالية، ولكننا لم ننجح فى منع تسلل القوات البريطانية لبورسعيد، فقاومنا باستبسال حتى نجحنا فى تحرير المدينة بعد انسحاب القوات البريطانية منها فى 23 ديسمبر عام 1956.

أتوقف للحديث عن خدمتى العسكرية منذ تخرجى فى الكلية الحربية عام 1938، لقد قضيت نحو 35 عاماً من حياتى العسكرية بين القنطرة والعريش والإسماعيلية؛ ولذا كنت أحفظ سيناء وأرضها بشكل دقيق ولذا وبعد انتصار أكتوبر المجيد، أهدانى أهل سيناء وقواتنا فى تلك المنطقة، أول علم رفعه الجنود على الضفة الشرقية للقناة بعد العبور لها يوم السادس من أكتوبر، تقديراً منهم لخدمتى فى هذه المنطقة لسنوات طويلة، وعرفاناً بعلاقتى الطيبة مع شيوخ القبائل هناك.

أعود لحرب 1956 وأقول إن مسار الحرب أكد فشل المشير عبدالحكيم عامر كقائد عسكرى، وكذلك قائد سلاح الطيران الفريق صدقى محمود، وتوقعنا كضباط إقالتهما لعدم إدراكهما حقيقة المعركة التى كنا نخوضها، وكذلك عدم فهمهما لأبسط الأمور العسكرية المتعلقة بالمعارك. ولكن الرئيس عبدالناصر لم يُقل المشير عامر الذى عارض من جانبه أيضاً إقالة الفريق صدقى أو محاسبته.

كان أعضاء مجلس قيادة الثورة يرون فى عبدالحكيم عامر مجرد صديق للرئيس عبدالناصر، بل إنهم عارضوا تعيينه عام 1954 قائداً عاماً للقوات المسلحة، وكانوا يرون أن الأكفأ والأجدر لتولى هذا المنصب، هو زكريا محيى الدين، ولكن عبدالناصر كان له رأى آخر، حيث أصر على تولية عبدالحكيم عامر رغم إمكانياته المتواضعة كقائد عسكرى.

«عبدالناصر» حاول إقناع الولايات المتحدة ببيع السلاح لنا.. ولكن الرفض دوماً كان موقف «واشنطن»
فتوجهنا للاتحاد السوفيتى

الغريب فى العدوان الثلاثى على مصر، كان موقف الاتحاد السوفيتى. فنحن لم نكن قد حصلنا على كل احتياجاتنا من السلاح السوفيتى عبر تشيكوسلوفاكيا عند اندلاع الحرب، وبالتالى لم تستطع موسكو إمدادنا بالمتفق عليه وفق الجدول الزمنى المحدد لظروف العدوان، وقد أتفهم هذا. ولكن الأمر الذى لم أتفهمه هو عدم قيام موسكو بتقديم أى دعم عسكرى لنا بعد صدور قرار وقف إطلاق النار وانسحاب القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية من القناة!! ولم تكتف بذلك وحسب ولكنها قامت بنقل المستشارين العسكريين التشيك والسوفيت الذين كانت قد أرسلتهم لمصر والسودان بمجرد اندلاع الحرب! كان السوفيت يخشون الظهور العلنى على ساحة المشهد وبالتالى التورط بأى شكل من الأشكال فى مواجهة مع الغرب، خاصة الولايات المتحدة. وكان خوف موسكو أن تطلب القاهرة منها السماح لهؤلاء المستشارين بقيادة الطائرات «ميج 15» بأنفسهم لعدم إتمام تدريب الطيارين المصريين عليها حين اندلاع الحرب وبدء العدوان. واكتفت موسكو فى دعمها لمصر فى ذلك العدوان بإصدار بيان فى 5 نوفمبر 1956 تطالب فيه الولايات المتحدة بالقيام بعمل مشترك معها للعمل على وقف القتال، وزادت عليه توجيه تهديد لبريطانيا وفرنسا بالقيام بعمل انتقامى فى حال عدم الانصياع لقرار وقف إطلاق النار. ومع قبول كافة الأطراف قرار الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار، سارعت موسكو لإصدار بيان تهدد فيه بإرسال جنود متطوعين لإجبار إنجلترا وفرنسا وإسرائيل على الانسحاب من الأراضى المحتلة، وهو ما أجبر الدول الثلاث على الانسحاب.

وليبدأ الاتحاد السوفيتى بعدها فى إعادة دعم مصر عسكرياً لتعويض خسائر الجيش المصرى فى تلك الحرب ولكن كان هناك إصرار غير معلن من قِبل موسكو على أن يقتصر ما تمنحنا إياه من سلاح على الأسلحة الدفاعية من دون الهجومية، فلم تستجب لطلبات القاهرة بتزويد قواتنا المسلحة بأسلحة تزيد من قدراتنا الهجومية. وهو ما استمر حتى قبل نكسة يونيو عام 1967. ليس هذا فحسب بل كان هناك تباطؤ من قبل الإدارة السوفيتية فى تدريب قواتنا على السلاح الوارد لنا منهم، فكان يتم تجاهل مطالبنا فى هذا الشأن.

فى الثانى من يونيو عام 1967، عقد الرئيس عبدالناصر اجتماعاً عسكرياً سياسياً فى إحدى القواعد الجوية، وكان على رأس الحضور فى ذلك اليوم كل من حسين الشافعى، وزكريا محيى الدين، وعلى صبرى، وأنور السادات، والفريق أول صدقى محمود، وأعلن فيه أن مصر لن تكون البادئة بإشعال فتيل الحرب للعديد من الأسباب والظروف الدولية، على الرغم من حالة الحشد العسكرى التى كانت القوات المسلحة قد أعلنتها، وحالة التعبئة الشعبية لدى المصريين الذين شعروا أن مصر على وشك إعلان الحرب. كان عبدالناصر يومها يئن تحت وطأة ضغوط سياسية من جانب الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتى، الذى أرسل رئيسه كوسيجين رسالة إلى عبدالناصر، عبر السفير السوفيتى فى القاهرة، يطالبه بضبط النفس وعدم بدء الخطوة الأولى للحرب. وهو ذات المعنى الذى أعلنه الرئيس الفرنسى، شارل ديجول، من أن بلاده ستقف ضد الدولة البادئة بالعدوان. وفى هذا الاجتماع أعلن عبدالناصر توقعه أن تشن إسرائيل عدواناً على مصر فى غضون أيام قليلة، وطلب من الحضور، خاصة الفريق صدقى محمود، الاستعداد لذلك، والأكثر الاستعداد لتقليل خسائر الضربة الجوية الإسرائيلية الأولى.

وتوقع صدقى أن تتراوح تلك الخسائر من 20٪ إلى 30٪. وكان تقديراً مجافياً لحجم ضربات العدو بكل المقاييس. بالنسبة لى، فقد استقبلت يوم 5 يونيو عام 1967، وأنا بصحبة الفريق أول عبدالمحسن مرتجى، قائد جبهة سيناء، وكنت وقتها رئيس أركانه، كنا نقف فى الثامنة والنصف صباحاً فى مطار تمادا العسكرى فى انتظار وصول طائرة المشير عبدالحكيم عامر لتفقد أحوال الجبهة. كان قادة التشكيلات العسكرية بسيناء موجودين فى المطار معنا ليكونوا فى استقبال المشير عامر الذى لم يأت، وبدلاً من هبوط طائرته، فوجئنا بالطائرات الإسرائيلية تدك المطار على ارتفاعات منخفضة، بينما مدافع الطائرات المصرية لا تستطيع دفع أى شىء عن المطار، حيث إن أوامر كانت قد صدرت لها منذ الصباح الباكر بتقييد نيرانها انتظاراً لطائرة المشير عامر!! وهكذا سارع كل القادة المحتشدين بالهرب من نيران الطائرات والقاذفات الإسرائيلية والذهاب إلى مقار قيادتهم، وسارعت أنا بالعودة إلى مقرى فى جبل الميثان بوسط سيناء، وأنا أراجع أحداث الأشهر القليلة السابقة على ذلك اليوم الذى تتابعت نكباته. وأدركت صدق حدسى فى السابق من أننا اندفعنا فى مغامرة عسكرية وسياسية غير محسوبة وغير متوازنة، وأنها لم تُبن على معلومات وخطط دقيقة، والأكثر كارثية، أنه لم يكن هناك تكامل بين الرؤيتين العسكرية والسياسية. لقد كان كل منهما يسير فى اتجاه رغم الدفع بالحشود العسكرية لسيناء. ولكم أن تتخيلوا حجم الغموض والكارثية حينما أعترف أننى كرئيس أركان لقوات جبهة سيناء، لم أكن أعلم على وجه اليقين مهام القوات التى تم حشدها فى سيناء!! وهل ستقوم بالدفاع أم الهجوم؟! ووجدت أننا لم نبدأ الضربة القتالية فى ساحة المعركة العسكرية، لكننا كنا البادئين سياسياً وبشكل يوحى لإسرائيل والعالم أننا بصدد المبادرة بتوجيه ضربة عسكرية لها، وذلك باتخاذ عدد من القرارات ومنها قرار عبدالناصر لقوات الطوارئ الدولية بترك المنطقة العازلة بيننا وبين إسرائيل منذ عام 1956، فى الوقت الذى لم تحل محلها قوات عسكرية مصرية. وبين المشهد السياسى المندفع فى قراراته، وبين المشهد العسكرى المرتبك فى رؤيته وأهدافه، تعرض المقاتل المصرى لأسوأ عملية عسكرية لم تتح له فيها حتى فرصة الدفاع عن نفسه وسمعته القتالية، والدليل ما قامت به القوات العسكرية بالعريش التى لم تتوقف عن قتال العدو إلا بعد صدور الأمر السياسى لها من القاهرة بالانسحاب أثناء عملية القتال.

كان الانسحاب ذاته كارثة أخرى. فقد أصدر المشير عبدالحكيم عامر قراراً بانسحاب القوات، دون توفير حماية جوية تضمن سلامتها أثناء عملية الانسحاب، التى صدر القرار بها فى الثانية صباح يوم السادس من يونيو. وكان على القوات المصرية السير مسافة 200 كيلومتر بدون أى خطة معدة سلفاً لتنظيم عملية الانسحاب.

توقعنا إقالة عبدالحكيم عامر بعد حرب 56 لعدم إدراكه حقيقة المعركة وعدم فهمه لأبسط الأمور العسكرية.. ولكن الرئيس عبدالناصر رفض
انسحبت القوات المصرية من صحراء سيناء إلى خط المياه عند الضفة الغربية للقناة، دون أى نظام، حيث رُفضت كل اقتراحات قادة الجيش التى قدموها للمشير عامر بأن يتم الانسحاب خلال 72 ساعة. فسارت القوات شاردة فى كل اتجاه، لا هدف للجميع سوى الوصول للضفة الغربية للقناة للابتعاد عن ضربات العدو الإسرائيلى التى لم ترحم تلك القوات، بل طاردتها فى صحراء سيناء، كلما تمكنت من ذلك، وباستخدام قنابل النابالم؛ فاُستشهد من استشهد، وأُسر من أسر؛ ولذا أقول وبحق، لم يُهزم الجندى المصرى فى يونيو 1967، ولكنه لم يُمنح فرصة القتال والدفاع عن أرضه، ودفع ثمن عدم كفاءة القيادة العسكرية للقوات المسلحة التى لم تدرك حجم عددها، ولم تخطط مع القيادة السياسية لفهم أبعاد الموقف، وتحديد المهام المطلوبة من أى عملية عسكرية، فخسرنا حجماً كبيراً من المعدات والأسلحة العسكرية التى اضطرت القوات لتركها وراءها لخطة الانسحاب، ودفع الجميع الثمن؛ من أخطأ ومن لم يخطئ.

ففى صباح يوم 14 يونيو 1967، أى بعد النكسة بتسعة أيام، اتصلت تليفونياً من الإسماعيلية بالفريق أول محمد فوزى، القائد العام للقوات المسلحة، وسألته عن الموقف الحالى، فأجابنى باقتضاب، طالباً منى أن أتوجه إلى القاهرة لمقابلته.

تحركت على الفور من الإسماعيلية إلى القاهرة، وتوجهت مباشرة إلى منزلى حيث استبدلت ملابسى الميدانية التى لم أستبدلها طوال أسبوعين، ثم انتقلت إلى مقر القيادة، لكننى لم أجد القائد العام فى مكتبه، وتجولت على بعض الزملاء فى مكاتبهم، وكانت مقابلتهم لى تشى بأن هناك أمراً يحاول الجميع إخفاءه عنى، حتى أعز الأصدقاء، شعرت فى حواراتى معهم بشىء غامض، وكانوا وقتها فى مؤتمر فى العمليات يناقشون حسم مسألة ما إذا كان يجب أن تستمر القوات البرية فى تشكيل الفرق، أم تنقسم إلى مجموعات عمليات مثلما يحدث فى الجيش الإسرائيلى، واشتركت فى المناقشة معهم وكنت مصمماً على الاستمرار فى تشكيل الفرق، وكان تركيزى أساساً على إقناعهم بأن هذا التنظيم أفضل بكثير من حيث التسليح والتدريب وتكوين القادة، وكان رأيى مستنداً إلى خبرتى السابقة كقائد فرقة.

وخلال المناقشات، تأكد لى إحساسى بأن هناك سراً يخفيه عنى الجميع ولا يجرؤ أحدهم على مكاشفتى به، وكان أول ما خطر ببالى أن هناك قراراً سريا ًصدر بإحالتى إلى التقاعد، فعدت إلى مكتبى فى القوات البرية وطلبت اللواء محمود القاضى، الذى كان قد تسلم أعمال «كاتم أسرار»، ودار بيننا الحوار التالى:

- هل هناك شىء بخصوصى؟

- نعم.

- هل صدر قرار بإحالتى إلى المعاش كباقى الضباط؟

- نعم.

- شكراً.


عدل سابقا من قبل Admin في الجمعة مايو 16, 2014 6:40 pm عدل 5 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin
avatar

عدد المساهمات : 690
النشاط : 1701
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: رد: مذكرات المشير أحمد اسماعيل    الجمعة مايو 16, 2014 6:20 pm

انتهى الحوار القصير، وغادرت سريعاً، وطلبت من سكرتيرى جمع أوراقى، ثم توجهت إلى منزلى، وعلى الرغم من أننى كنت أتوقع القرار، فإننى لم أجد له تفسيراً. استرجعت جميع تصرفاتى قبل وأثناء وبعد المعركة، فلم أجد ما يشيننى فيها جميعاً، لكننى كنت أشعر بخجل شديد أمام أسرتى وإخوتى، ولم أستطع إخفاء عصبيتى حتى إننى انفجرت غاضباً فى ابنى أثناء حواره معى وقلت له: «أبوك لم يخطئ ولم يكن جباناً، بل أدى واجبه كاملاً وأكثر وستثبت لك الأيام ذلك».

لم أتوقف عن التفكير فى أسباب إحالتى للتقاعد، وفى اليوم التالى، فكرت فى إرسال خطاب للرئيس جمال عبدالناصر، أشرح له فيه موقفى وصدمتى فى قرار استبعادى، وهو ما حدث، كتبت الخطاب وأرسلته ولم أنتظر طويلاً.

فبعد 10 ساعات من إرسال الخطاب، فوجئت باتصال تليفونى من الفريق أول محمد فوزى، وطلب منى أن أزوره فى مكتبه فتوجهت إليه دون تردد بملابسى المدنية، وفور دخولى عليه، بادرنى بالقول إن «الرئيس أمر بعودتك إلى الخدمة وستتولى رئاسة هيئة التدريب». فقلت له إننى أشكر السيد الرئيس، لكننى قبل عودتى أريد معرفة سبب القرار السابق بإحالتى إلى التقاعد، فكان رده: «هذا الموضوع انتهى ويجب عدم الخوض فيه».

عدت إلى الخدمة، محملاً بآمال وطموحات كبيرة فى أن يكون لى شأن ودور فى المعركة المقبلة، اقتناعاً منى بأن القوات المسلحة فى حاجة إلى كل جهد وكل علم فى هذه المرحلة الحاسمة من تاريخها. وخلال الأيام العشرة الأولى من رئاستى هيئة التدريب، كان أهم ما ركزت عليه هو إنشاء ما يُسمى «مدارس المعركة المتحركة»، وهى باختصار تعتمد على إرسال ضباط وفنيين من إدارة التدريب المركزية إلى الجبهة لتدريب الضباط وضباط الصف فى فرق تعليمية قصيرة مركزة، وكان لهذه المدارس المتحركة دور كبير فى ذلك الوقت، لأن الظروف لم تكن تسمح بعودة الضباط وضباط الصف للتدريب فى القاهرة وتغيبهم عن مواقعهم.

وأثناء رئاستى هيئة التدريب، أتيحت لى فرصة أن أرافق كبير الخبراء العسكريين السوفيت، جنرال لاشنكوف فى المرور على الجبهة، ولا أنكر أن شخصية هذا الجنرال وعلمه ومعلوماته كان لها تأثير كبير فى نفسى، وأقولها صراحة بأنه قائد بارع من جميع النواحى، وأننى حصلت من خلال مصاحبتى له واجتماعى به عدة مرات بعد ذلك على معلومات لها قيمتها.

وفى يوم 25 يونيو 67 استدعانى القائد العام وأبلغنى بقرار سيصدر بتعيينى قائداً للجبهة خلفاً للفريق صلاح الدين محسن اعتباراً من 1 يوليو 1967، وأمرنى بالاستعداد لذلك، كما نبه علىّ بضرورة المرور عليه لمقابلته قبل أن أتسلم العمل.

أعترف كرئيس أركان لقوات جبهة سيناء: لم أكن أعلم على وجه اليقين مهمة القوات التى تم حشدها فى 67 بشبه الجزيرة
عدت إلى مكتبى وأنا أفكر فى هذا المهمة الصعبة فى ذلك الوقت، فقد كنت عائداً من الجبهة قبل أيام قليلة، وكنت أشارك الفريق صلاح محسن أحلك الأوقات، كما سبق لنا التعاون معاً فى إعادة تنظيم القوات وتسكينها غرب القناة، وحين صدرت لى الأوامر، كان الموقف على الجبهة يتلخص فى الآتى: القوات مهلهلة تفتقد القيادات والتنظيم، وحالة المعدات سيئة للغاية ومعظمها تالف، وبعض الأسلحة تنقصه الذخيرة، والدبابات معطلة، بما فى ذلك طرازات T34، T55، T54، GS، والروح المعنوية منخفضة للغاية، خاصة أن كثيراً من هذه القوات عاد من سيناء سيراً على الأقدام دون طعام أو مياه، وكان الأسوأ من ذلك أن الجنود فقدوا الثقة فى ضباط الصف، وضباط الصف فقدوا الثقة فى الضباط، والضباط فقدوا الثقة فى قادتهم، والقيادة فقدت الثقة فى هذه القوات.

كانت هذه الصورة الواضحة بالنسبة لحال القوات، أما الحالة الاستراتيجية، فيمكن تلخيصها فى: رقعة من أرض الوطن يحتلها العدو، وجبهة قتال مكشوفة، وسيطرة جوية كاملة للعدو على غرب القناة، وقوات ضئيلة جداً ومبعثرة وأسلحة غير صالحة للعمل، وروح معنوية منهارة نتيجة الصدمة العصبية التى جعلت اليأس يسيطر على تفكير البعض.

كنت أتأمل الجبهة، فأرى جنوداً فى ملابس مهلهلة، لم يغتسلوا منذ أيام طويلة، حتى وصل الأمر إلى أن الضبط والربط الذى هو عقيدة أساسية للقوات المسلحة تحول إلى قرار اختيارى، باختصار كان الموقف ميئوساً منه تماماً، خاصة أن العدو كان أمامنا يتباهى بقوته وانتصاره على مرأى من أعين جنودنا، ووصل إلى درجة أن أفراد جيش الاحتلال كانوا يسبحون فى قناة السويس، وإذا أطلق أحد جنودنا طلقة واحدة، يردون علينا بالعشرات، وكان مجموع القوات عند تسلمى الجبهة كالآتى: الفرقة السادسة بقيادة اللواء سعدى نجيب والفرقة الثانية بقيادة اللواء عبدالسلام توفيق، رئيس أركانه وتشمل الكتيبة 120 واللواء الرابع واللواء أول مدرع الذى كان مجموع دباباته يوازى كتيبة مدرعة، أى أنها كانت بقايا الفرقة المدرعة.

أصررت على اختيار اللواء محمد عبدالغنى الجمسى، والعميد حسن الجريدلى؛ لإنجاح المهمة التى كُلفت بها، وليتحملا معى مسئولية إعادة تنظيم الجبهة. وقتها رفض الفريق أول محمد فوزى طلبى هذا بحجة الأقدمية. لكننى أصررت على الموقف حتى صدر قرار رئاسى بذلك.

انشغلت فى تلك الفترة بإجراء تقدير موقف سريع ووضعت لنفسى أهدافاً محددة، أهمها: إعادة تنظيم القوات وشئونها الإدارية وتدريبها وإعادة الضبط والربط إليها، وإعادة الثقة فى نفوس الأفراد وبث الروح القتالية، والمحافظة على أمن القوات، ومنع العدو بجميع الوسائل والإمكانات المتيسرة من عبور قناة السويس، والرد بعنف على اشتباكات العدو الخاطفة.

وطوال الشهور الثلاثة التالية، عملت على رفع الروح المعنوية للقوات من خلال بعض الإجراءات والعمليات، كان أهمها معركة رأس العش، وتدمير المدمرة إيلات وإغراقها، وتسلم الأسلحة والذخائر والمعدات الجديدة وتكثيف الفرق التعليمية وإعطاء الثقة للجنود والضباط فى أسلحتهم والمرور المستمر على الوحدات يومياً.

كان رفع الروح المعنوية للجنود يتمثل فى خوض معركة قتالية ناجحة ومنها معركة رأس العش، بعد أن اعتقد الشعب المصرى والعالم بأكمله أن القوات المسلحة المصرية انتهت بنكسة 5 يونيو، ولكن يشاء الله أن يوفَِّق الجنود المصريين فى تحقيق نجاح منقطع النظير خلال معركة رأس العش بفضل التخطيط الدقيق، فعندما انسحبت القوات المسلحة أصبحت كل مدن القناة خالية من القوات، عدا مدينة واحدة هى بورفؤاد التى كان بها قوة عسكرية بسيطة، وكان هدفنا أن نمنع سقوط مدينة بورفؤاد فوضعنا فيها قوة بسيطة جداً تؤمّن الدخول إليها من جنوب شرق القناة. على الجانب الآخر كانت القوات الإسرائيلية تجهز للوصول إلى بورفؤاد هى الأخرى عبر هذا الجزء الضيق للغاية الذى يشبه الرأس، وكان يطلق عليها اسم طريق البركة، وقامت معركة رأس العش وانتصرت قوة الجيش البسيطة الصغيرة وبقيت بورفؤاد سالمة وارتفعت الروح المعنوية للجنود.

الطريف فى معركة رأس العش، أنها تم تصويرها بعدسات كاميرات محطات التليفزيون الأمريكية التى سمحت لها القيادة الإسرائيلية بالوجود مع القوات لتصوير احتلالها لمدينة بورفؤاد.

ولم تكن معركة رأس العش وحدها التى رفعت الروح المعنوية للجنود المصريين، بل توالت المعارك الصغيرة الناجحة، ففى يوم 14 يوليو طلبت من الفريق مدكور أبوالعز، قائد القوات الجوية، قصف العدو الإسرائيلى لرفع الروح المعنوية وتوصيل رسالة للعالم مفادها أن الجندى المصرى لم يفقد القدرة على القتال برغم تفوق العدو، وبالفعل ارتفعت نسورنا إلى سماء سيناء وقصفت قوات العدو بعنف، الأمر الذى فاجأ القوات الإسرائيلية وأذهل العالم.

وفى 21 أكتوبر 1967 سجلت البحرية المصرية حدثاً فريداً فى تاريخ الحروب البحرية على المستوى العالمى، ففى ذلك الوقت تقدمت المدمرة الإسرائيلية إيلات فى غرور، ووصلت إلى مياهنا الإقليمية أمام مدينة بورسعيد، وانطلقت لنشاتنا الصاروخية تسبقها لتطلق صواريخ بحر لأول مرة فى الحروب البحرية لتسكن المدمرة إيلات التى تمثل نصف القوة البحرية الإسرائيلية فى ذلك الوقت قاع البحر وتغرق معها آمال المؤسسة العسكرية وغطرستها.

وكنت أتوقع من إسرائيل رداً عنيفاً على الجيش المصرى عبر ضرب ميناء السويس الذى كان مكدساً بالمراكب وخزانات البترول؛ الأمر الذى يجعل من الميناء صيداً ثميناً جداً للعدو، وكان الأمر سيتحول إلى كارثة فعلية لمصر فى حالة ضرب إسرائيل ميناء السويس، وأرسلت تقريراً للرئيس جمال عبدالناصر استعرضت فيه خطورة الموقف والتوقعات المحتمل حدوثها، فأمر بإخلاء ميناء السويس فوراً من البواخر ونقلها إلى خليج السويس بعيداً عن الميناء، كما أمر وزارة البترول فى القاهرة بإخلاء خزانات البترول، وبعدها مباشرة حدث ما توقعته حين شن العدو غارات على السويس، لكن الخسائر لم تكن كبيرة بعد أن استبق جمال عبدالناصر الغارات بقرار إخلاء القناة من المدنيين، وكان هذا بداية التهجير.

وتوالت العمليات الاستنزافية والقتالية لكنها كانت فترة عصيبة؛ لأن الجبهة كانت واسعة وتحتاج إلى سيطرة أكبر، وقتها رأيت ضرورة تقسيم الجبهة إلى جيشين ميدانيين، والعمل على إعادة تنظيم القيادة، وهو ما حدث بالفعل، وتوليت أنا قيادة الجيش الثانى، فيما تولى اللواء عدلى حسن سعيد قيادة الجيش الثالث.

طوال تلك الفترة، كنت أعانى قلقاً شديداً، حتى إننى قبل نومى كنت أحرص على وضع التليفونات إلى جانب السرير، ولا أستطيع النوم إلا بعد اطمئنانى على عودة جنودنا من الضفة الأخرى فى الأيام التى كنا نكلفهم فيها بعمليات خاطفة ضد العدو، وإذا أصيب أو استُشهد جندى أشعر بينى وبين نفسى بالذنب والمسئولية، وكثيراً ما كانت زوجتى تحاول التخفيف عنى، خاصة عندما أتحدث أمامها عن أى شهيد وأقول لها إننى كنت السبب فى يُتم أبنائه.

وأذكر أننى حينما ذهبت للجبهة بعد النكسة، وأصررت على أن أكون مثل الجنود فى كل شىء، حتى إننى كنت أنام فى كشك من الصاج، وأمارس عملى فى حجرة خشبية أسفل شجرة، وظللت هكذا حتى سقطت مريضاً بفعل الرطوبة والبرد الشديد، فتم بناء حجرة لى تحت الأرض بعيدة عن نيران العدو فى حال قصف الموقع الخاص بقائد الجبهة.

والحقيقة أننى لم أكن أهتم إلا بشىء واحد، كان هو هدفى الأساسى، وملخصه إعادة بناء وتنظيم الجبهة والدفاع عن عمق مصر، وتوجيه ضربات عسكرية موجعة للعدو الإسرائيلى كلما أمكن ذلك، وكان هناك العديد من الأبطال المصريين الذين سطروا معجزات فى تاريخ العسكرية المصرية ومن بينهم العميد الشهيد إبراهيم الرفاعى والذى أدى العديد من المهام الوطنية، ومنها على سبيل المثال تفجير إحدى المناطق الإدارية لنا فى سيناء التى كان العدو قد استولى عليها بعد انسحاب القوات المصرية، وخزن بها ما تم جمعه من سلاح وذخائر وعتاد عسكرى تركه الجنود دون أن يتمكنوا من العودة به. كانت المعلومات قد وصلت لى من بعض البدو الوطنيين، بموقع هذه المنطقة الإدارية فى شمال «الشط». وزاد إصرارى على تفجير الموقع لحرمان العدو من الاستفادة منه، فعهدت لمجموعة من خمسة رجال من أبطال الصاعقة بتلك المهمة بقيادة إبراهيم الرفاعى، فعبروا القناة فى قوارب صغيرة، وقاموا بتلغيم المركز كله، ثم عادوا سالمين إلى غرب القناة، ولن أنسى ما حييت مشهد النيران وهى تأكل المركز بالكامل، وعلمت أن القائد الإسرائيلى الذى كان مسئولاً عن هذه الذخائر قد قُتل فى هذه العملية، كما أذكر لإبراهيم الرفاعى عملية أخرى لا تقل عن الأولى فى عظمتها، حيث رصدنا عام 1968 أنواعاً جديدة من الصواريخ المثبتة على الضفة الشرقية للقناة، فكان لا بد من الحصول على أحدها لمعاينتها وفحص إمكانياتها، فأصدرت أوامرى لمجموعة من أمهر المقاتلين يتقدمهم إبراهيم الرفاعى بإحضار أحد تلك الصواريخ، فتسللوا بملابس الضفادع البشرية لموقع العدو فى الشط، وهم لا يحملون سوى خناجر وقاطعات أسلاك.. واستولوا على عدد من الصواريخ التى عادوا بها رغم الحراسة الإسرائيلية الشديدة. ولكنهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وأقسموا على حماية الوطن..

كنا كلنا فى الجيش المصرى عقب نكسة يونيو 1967 نعلم، قادةً وجنوداً، أن يوم الثأر آتٍ لا ريب فيه؛ ولذا كان كل منا يعلم مهمته ويسارع لأدائها. وضعنا خطة دفاعية عن جبهة القناة، وعملنا تجهيزات دفاعية ممثلة فى حفر الخنادق والمواقع الدفاعية، وزدنا من ساعات التدريب الشرس بما هو موجود بالفعل بين أيدينا، وازدادت مدفعيتنا قوةً وثباتاً، فأصدرت أوامرى بإلحاق خسائر بالعدو عبرتوجيه ضربات مباشرة له وكان ذلك فى سبتمبر من عام 1968، فدمرنا بطاريات الصواريخ الإسرائيلية أرض/ أرض، التى كان العدو يقصف بها مدينة الإسماعيلية، ولعل ما قمنا به فى تلك الفترة كان الدافع الأساسى للعدو للبدء فى إنشاء خط تحصينات قوى يغطى خط المواجهة بأكمله، فكان خط بارليف.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin
avatar

عدد المساهمات : 690
النشاط : 1701
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: رد: مذكرات المشير أحمد اسماعيل    الجمعة مايو 16, 2014 6:28 pm

الحلقة الثانية

المشير أحمد إسماعيل يكشف خلافات «الرئيس والمشير».. ورغبة «عامر» فى الإطاحة به خارج الجيش

تواصل «الوطن» انفراداتها، وتعيد رصد وتسجيل تاريخ حرب أكتوبر 1973، وفى الحلقة الثانية من مذكرات المشير أحمد إسماعيل، وزير الحربية فى حرب أكتوبر، يروى القائد العسكرى الفذ كواليس المحاولات المستميتة من جانب المشير عبدالحكيم عامر للإطاحة به خارج القوات المسلحة بأى ثمن. «عامر» اعتمد فى ذلك على إغرائه بالمناصب المدنية ذات العائد المادى الكبير، خاصة أن المشير إسماعيل كان فى ذلك الوقت يعانى أزمة مادية طاحنة، غير أنه رفض ترك العسكرية التى يرى نفسها واحداً من رجالها المخلصين الذين يمكنهم خدمة الوطن -فى محنته الكبرى- من خلال موقعه «على جبهة القتال». أيضاً يكشف المشير أحمد إسماعيل أسرار علاقته المتوترة بالفريق محمد فوزى حينما كان الأخير وزيراً للدفاع، بينما كان يتولى هو رئاسة الأركان، وهى العلاقة التى انتهت بالإطاحة به من منصبه وإحالته للتقاعد، رغم أنه كان المرشح الأول لخلافة وزير الدفاع فى منصبه.. وإلى نص الحلقة الثانية من «مشير النصر»



أقيم حفل زواج ابنتى فى نوفمبر 1966 بنادى القوات المسلحة بالزمالك وقد شرفنى الرئيس جمال عبدالناصر بالحضور ومعه كبار رجال الدولة فى ذلك الوقت، ورغم أن الرئيس كان فى هذا اليوم موجوداً بمجلس الأمة مع الرئيس الجزائرى بن بلا، وكان كما ذكر لى يعانى ارتفاعاً فى درجة الحرارة، فإنه رأى تكريمى بحضوره عقد القِران وشهد على العقد وحضر جزءاً من الحفل ثم غادر ومعه المشير عبدالحكيم عامر بعد حوالى ساعة تاركاً السيد أنور السادات والأخ زكريا محيى الدين حتى نهاية الحفل.
«عامر وشمس» عزما على الإطاحة بى منذ أن حضر الرئيس حفل زواج ابنتى لأنهما اعتقدا أن هناك علاقة مستترة بينى وبين «ناصر»

كانت مفاجأة للجميع من أول المشير حتى قادة القوات المسلحة أن يحضر الرئيس هذا الحفل علماً بأن الرئيس كان دفعتى فى الكلية الحربية وزميلى كضابط فى «منقباد» كما كنا مدرسين زميلين فى كلية أركان الحرب وقت قيام الثورة وكلفنى بالرقابة على الصحف فى أحلك أيام الثورة وهو الأسبوع الأول منها.

وقتها بدأ شمس بدران والمشير عبدالحكيم عامر يشعران أن هناك علاقة مستترة بينى وبين الرئيس ناصر ولكن، أقسم بالله، لم أطلب من الرئيس من أول يوم فى الثورة حتى ذلك الوقت أى طلب خاص أو عام ولم يكن هناك بيننا سوى صداقة بريئة ومحبة متبادلة ولم أكن أعلم بالخلافات التى كانت قائمة بين المشير والرئيس خلال الفترة بين عامى 1962 و1965، وعلى الرغم من ذلك كانت هناك نية مبيتة للتخلص منى وإبعادى عن القوات المسلحة. فى إحدى زيارات الرئيس ناصر إلى الجبهة، وكنا فى سيارة «جيب واجن» نتنقل بين المواقع، جلس الفريق فوزى إلى جواره وأنا إلى جوار السائق. وقال لى: إن زكريا محيى الدين يعتقد أن الحالة ميئوس منها ويجب أن نغير الاتجاه تماماً؛ فالحالة السياسية والعسكرية والاقتصادية لا أمل فى إصلاحها، على عكس ما كان الرئيس يرى. وأوضح أن هذا كان محور اختلاف الرأى بينهما، لذلك قبل استقالته.

جمال عبد الناصر والمشير عبد الحكيم

أذكر أن الرئيس خلال هذه الزيارة حدثنى أيضاً عن المشير عبدالحكيم عامر. وسألته «ألم تكن تعلم أن المشير تزوج من برلنتى عبدالحميد؟» فأجابنى: علمت ذلك فى عام 1965 حيث إن البندارى أخبر هيكل بأن هناك شائعات قوية تفيد أن المشير متزوج منها وأنها حامل فى شهرها السادس، فطلبت المشير وحضر إلىّ وكان هناك خلاف على السلطة ومراكز القوى فى ذلك الوقت، فسألته عن حقيقة ما يتردد فقال إنه بالفعل تزوجها وإن هذه أمور شخصية يعفينى من التحدث فيها، فقلت له «وسُمْعتك يا عبدالحكيم وأولادك؟»، فقال إن هذا شأنه الخاص وإنه مستعد لتقديم استقالته إذا كنت أنا أرى أن هذا به مساس بالحكم. وكانت هناك أزمات وانقسامات فى القوات المسلحة وخوف من قيام حرب أهلية، تغاضيت عن ذلك واستمر عبدالحكيم فى منصبه. وقد كنت فعلاً أشك فى ذلك لأننى كنت أحياناً أطلبه فى التليفون فيقال لى إنه يتمشى فى الحديقة فى عز الشتاء وفى منتصف الليل، وبعد قليل يطلبنى هو فأعلم أنه لم يكن فى المنزل طبعاً ولا الحديقة.

فى إحدى ليالى رمضان كنا فى حفل إفطار أقامته إدارة المدفعية، ودعت إليه ضباط المدفعية القدامى. وكان الوزير محمد فايق وزير الإرشاد القومى فى ذلك الوقت مدعوّا معنا. ونادانى وطلب منى أن أزوره فى مكتبه صباح اليوم التالى. ولما زرته أخبرنى أنه متعب فى وزارة الإرشاد ومسئولياتها كبيرة وتحتاج لأشخاص حاسمين يعاونونه فى العمل وعرض علىّ إدارة هيئة التليفزيون وهى وظيفة أعلى من منصب وكيل وزارة ومرتبها مُجزٍ فكان ردى: «وهل السيد الرئيس والمشير موافقان على ذلك»؟، فقال لى: «اترك لى ذلك فأنا كفيل بالحصول على التصديق المناسب».
«هيكل» أخبر «ناصر» بزواج «عامر» من برلنتى عبدالحميد.. والمشير قال للرئيس: «هذه أمور شخصية».. ومستعد لتقديم استقالتى

عندما عدت إلى منزلى، ظللت مشغولاً بالتفكير فى الأمر. كيف أترك وظيفتى العسكرية وأنتقل إلى العمل المدنى بعد هذه السنوات الطويلة التى قضيتها فى الخدمة، وكيف أضحى بالخبرة والعلم والفِرَق والدروس والقيادات، وأكثر ما كان يؤلمنى هو السؤال الصعب: هل بهذه السهولة يُستغنى عنى؟ وتذكرت ما حدث عندما صدر قرار فى السابق بتعيينى سفيراً لمصر لدى الكونغو، وقتها طلبنى المشير وقال لى: «نحن نعانى نقصاً فى الرجال وسوف تتولى قيادة فرقة». وكان ردى عليه «أنا مجند لخدمة القوات المسلحة»، وبالفعل تم إلغاء تعيينى سفيراً بالخارجية. وبعد تفكير طويل، قررت رفض العرض الذى نقله لى محمد فايق، وعرضت الموضوع على الفريق أول عبدالمحسن مرتجى الذى كان وقتها قائداً للقوات البرية، وكنت أعمل معه رئيساً لأركان القوات البرية. وكان على موعد مع المشير فقلت له: «بلِّغ السيد المشير بأننى لا أرغب فى تولى منصب التليفزيون». وعلمت بعد ذلك أنه أبلغ المشير بالفعل. وكان رد المشير ثميناً بالنسبة لى؛ حيث قال: «لا نترك الضباط الأكفاء إلا إذا كانوا هم يرغبون فى ذلك».

انتهى الموضوع على ذلك ومر شهران. وفى أحد أيام شهر يناير 1967 فوجئت باتصال من عبدالمحسن أبوالنور، وزير الزراعة، وأبلغنى أنه يرغب فى رؤيتى فى صباح اليوم التالى فى مكتبه بالوزارة، فتوجهت إليه وكانت دهشتى عظيمة إذ فوجئت به يعرض علىَّ منصباً كبيراً هو «رئيس مؤسسة تعمير الصحارى» براتب مرتفع يصل إلى 4000 جنيه سنويّا، ويعد هذا الرقم راتباً ضخماً بين موظفى الدولة فى ذلك الوقت. ودار بيننا حديث قصير بدأه بالقول: لقد اخترتك من بين ضباط القوات المسلحة للعمل معى فى قطاع الزراعة كرئيس لمؤسسة تعمير الصحارى.

وكان ردى: «أنا لا أملك فى نفسى شيئاً لأننى رجل عسكرى وأنفذ الأوامر.. وعموماً دعنى أفكر فى الموضوع».

لم يمض على هذا العرض أكثر من أسبوع، حتى فوجئت بأن شمس بدران يطلبنى، وكان وزير الحربية فى ذلك الوقت. وقال لى: «هل أبلغك عبدالمحسن أبوالنور بالمنصب الجديد؟ وما رأيك فى الأمر.. المشير يريد معرفة ردك». فقلت له: «لو إنت مكانى يا شمس وعرض عليك هذا العرض هل تقبل؟»، فقال لى «بدون تردد أقبل فأنا سأنفذ ما يأمر به الريس أو المشير».

وانصرفت وقابلنى فى الخارج اللواء عبدالحليم عبدالعال، وقصصت عليه ما دار فى مقابلتى مع شمس بدران، فكان تعليقه صريحاً دون مواربة حيث قال لى: «يبدو أنك غير مرغوب فى وجودك فى القوات المسلحة». فاجأنى كلامه، خاصة أننى لا أعرف سبب ما يحدث، ولا أعرف لماذا أصبح صناع القرار لا يرغبون فى أن أكون قائداً بالقوات المسلحة. لم يخطر على بالى أى تفسير، فأنا ضابط معلم وكنت أول دفعتى فى كلية أركان حرب، وفى الأكاديمية شغلت مناصب قيادية وكنت ناجحاً فى كل منها، والأهم من ذلك أن المشير نفسه فى عام 1960 لم يقبل أن أعمل سفيراً، فما هو التغيير الذى طرأ؟

مر أسبوع آخر على هذه المقابلة، واستدعانى المشير عامر إلى منزله بالجيزة فى الساعة الثانية عشرة ظهراً، وقابلنى فى غرفة مكتبه، وقال لى: «أنا مسئول عن قطاع الزراعة وتحملت هذه المسئولية ولى رغبة فى أن نتعاون فى ذلك فما رأيك؟»، فقلت له: «لن أبدى رأياً مهما طال الحديث بيننا بمعنى أننى لن أجيب بنعم أو لا فأنا مجند وأنت أدرى بقدرتى فى أى الميادين أصلح».

الشاذلي

لم يتوقف المشير عن محاولة إقناعى، وقال لى إنه سيمنحنى 4000 جنيه سنويّا وسيعطينى رتبة «الفريق»، فقلت له باستياء: «أنا مدين بحوالى 1500 جنيه لبنك الائتمان وفى حاجة شديدة لهذه المهيّة، ولكن المادة لا تمثل الأولوية فى حياتى»، فعرض علىَّ مشكوراً أن يسدد الدين نيابة عنى، لكننى شكرته وصممت وأقسمت على ألا يقوم بذلك، فاقترح علىَّ أن يقرضنى المبلغ من ماله الخاص، لكننى رفضت ذلك أيضاً، فقال: «سأقرضك من مال الدولة وتسدده وقتما تشاء»، ومجدداً رفضت العرض.

الخلاصة أننى فهمت من حديثه معى أن موضوع تعيينى فى المؤسسة محسوم، وقبل خروجى قلت له: «هل اطلعت سيادتكم على نتيجة الدراسة فى الأكاديمية؟»، فأجابنى «لا» فقلت له: «لقد كنت الأول فى الترتيب بعد دراسة سنة ونصف السنة فى العلوم العسكرية»، وتركته وخرجت.

فى اليوم التالى، فوجئت بأن جريدة الأهرام نشرت خبراً عن أن المشير قابلنى فى منزله، وأدركت على الفور أن هذا تمهيد للتعيين وإعلان الأمر على الرأى العام، حيث كانت التعيينات فى المؤسسات والشركات تصدر يوميّا فى الجرائد. وبعد أقل من شهر على هذه المقابلة وتحديداً فى 20 مايو، فوجئت بالهيئة العامة للقوات المسلحة تعلن قرار تعيينى رئيس أركان الجبهة مع الفريق أول عبدالمحسن مرتجى.
بنيت الجيش حتى استعاد قوته من جديد.. و«عبدالناصر» كان دائم الاتصال بى.. وكنت مرشحاً لمنصب الوزير ففوجئ الجميع بإحالتى للمعاش

لم أعرف الحقيقة إلا بعد أكثر من عام ونصف العام، ففى نوفمبر 67 حين كنت قائداً للجبهة قام الرئيس جمال عبدالناصر بزيارته الأولى للجبهة، بعد النكسة، وقال لى باسماً: «هل تفهم فى الزراعة؟»، فقلت له: «أبداً.. ولا حتى أعرف البرسيم من الذرة، ولم أكن مزارعاً ولا فلاحاً فى يوم من الأيام»، فقال الرئيس: «أمّال ليه كانوا عايزين يعينوك فى مؤسسة تعمير الصحارى.. وحياتك قرار تعيينك لسه عندى فى الدرج لغاية دلوقتى».

وشرح لى الرئيس الخلافات السابقة التى كانت بينه وبين المشير عبدالحكيم عامر، وهنا بدأت أعيد ترتيب الأحداث، وعلمت أن شمس بدران أدرك متأخراً العلاقة القوية بينى وبين الرئيس، والأكيد أنه كان يرى خطراً من تصعيدى خاصة أننى فى منصب كبير ولدىَّ من المؤهلات ما يجعل إبعادى عن القوات المسلحة أمراً مستحيلاً، إلا بإغرائى من خلال تعيينى فى منصب مدنى كبير، من هنا كانت المحاولات المتتالية. بصرف النظر عن هذه المؤامرات، كنت مشغولا منذ عودتى للخدمة فيما أطلقنا عليه «حرب الاستنزاف» التى لم تتوقف يوما. وفى يوليو 1969، بدأ العدو فى استخدام قواته الجوية بشراسة فى منطقة بورفؤاد ورأس الوزة «الشريط الممتد من القنطرة حتى بورسعيد»، وهى شريط عرضه لا يزيد على 800 متر، وطوله 30 كيلومتراً، ويقع الطريق على الشاطئ الشرقى لقناة السويس ثم طريق القناع ثم الترعة الحلوة ثم السكة الحديد، أى أنها منطقة مكدسة تحدها المياه شرقاً وغرباً خصوصاً فى فصل الشتاء.

توجهت إلى غرفة عمليات الدفاع الجوى، وكان على يمينى قائد الدفاع الجوى وعلى يسارى قائد القوات الجوية، وكانت قاذفات العدو المقاتلة وعدد كبير من المقاتلات على ارتفاعات مختلفة، فقررت إدخال طائراتنا لإذاقة العدو قسوة حرب الطيران، ووقتها لم نكن نجرؤ على هذه الخطوة؛ نظراً لحالة قواتنا الجوية وعدم استعدادها الكامل، فأصدرت الأوامر بتجهيز أهداف للقاذفات المقاتلة «سوخوى» على شاطئ القناة، وكانت محطات الرادار من ضمن تلك الأهداف. وقررت الضرب قبل الغروب مباشرة حتى إذا ما أراد العدو التدخل يكون الليل قد خيم على الجبهة ليفسد عليه محاولة الرد.

وبالفعل، وجهت قواتنا الجوية ضربات للعدو بحوالى 16 قاذفة مقاتلة فى تمام الساعة السادسة وقت الغروب. وعادت قواتنا سالمة عدا طائرة أصيبت فى أثناء عودتها. وكانت المفاجأة كاملة للعدو وكبدته خسائر جسيمة، وأذاعت وكالات الأنباء خبر تدخل قواتنا الجوية فى المعركة، وهللت له، حتى إننى فى اليوم التالى فوجئت بصورة للفريق فوزى ومعه قائدا القوات الجوية والدفاع الجوى، يتلقون التهنئة من الرئيس عبدالناصر على الشجاعة والخبرة والقدرة، وكأننى لم يكن لى أى دور فى تلك الضربات.

وبهذه المناسبة، يجب أن أشير إلى أننى حينما عرضت على الوزير اقتراح توجيه هذه الضربات، طلب منى أن أنتظر، ثم استأذن القيادة، وعاد ليعطينى التصديق وقال لى: «على مسئوليتك»، فقلت له: «نعم على مسئوليتى»، ونفذنا الضربات ووفقنا الله فيها، ومن يومها أصبح العدو يعمل لقواتنا الجوية ألف حساب.

ومن أبرز محطات حرب الاستنزاف، معركة الجزيرة الخضراء، وهى جزيرة صخرية صغيرة مساحتها 1 كيلومتر فى نصف كيلومتر تقريباً، أرضها صخرية تتوسط خليج السويس فيما بين بورتوفيق ورأس المسلة، وتبعد حوالى 3 كيلومترات عن الساحل الغربى و4 كيلومترات عن الساحل الشرقى، وهى جزيرة منعزلة تتحكم فى مدخل قناة السويس من الجنوب، كما أنها تتحكم فى السويس وبورتوفيق على الشاطئ الغربى، وتتحكم فى منطقة الشط وعيون موسى وراس مسلة على الشاطئ الشرقى. استخدمها البريطانيون أثناء الحرب العالمية الثانية كموقع للمدفعية المضادة للطائرات، واستخدمناها نحن أيضاً لنفس الغرض. وعندما كنت قائداً للجبهة كان هذا الموقع يشغلنى دائماً؛ لأنه منعزل تحيط به المياه من جميع الاتجاهات والاتصال به يتم بواسطة القوارب أو اللنشات. وقد أعيد تخطيطه تماماً ضد نيران المدفعية والطيران، وكان مفيداً دائماً، ويعتبر من النقاط الصعبة التى طالما أعطيتها اهتمامى، وأوصى القادة المحليين بالاعتناء به واليقظة له.

وفى ليلة 19 يوليو 1969، وكنت رئيس أركان القوات المسلحة تم إبلاغى بأن قوات العدو اقتربت من الجزيرة فتحركت فوراً إلى هيئة العمليات وفى غرفة العمليات سمعت تعليمات لقائد الجيش جاء فيها: احتل اليهود الجزيرة، وآخر إشارة وصلت أن حامل الجهاز يرى أمامه ضابطاً يعطى أوامره للجنود اليهود فى الجزيرة ويطالب بالنجدة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin
avatar

عدد المساهمات : 690
النشاط : 1701
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: رد: مذكرات المشير أحمد اسماعيل    الجمعة مايو 16, 2014 6:43 pm

لم تكن أمامنا وسيلة فى ليلة حالكة الظلام حيث لا يمكن تحريك لنشات ولا توجد قوات يمكن استخدامها، كما أن البحرية لم تكن جاهزة لمثل هذه العملية، فأمرت قائد الجيش بضرب الجزيرة وقصفها بنيران مركَّزة ثم الضرب على المياه حول الجزيرة وفعلاً تم ذلك، وأُخذ اليهود على غِرة حيث تناثرت شظايا المدفعية وأسرع العدو إلى قواته تلاحقه المدفعية، ثم أخذنا نضرب عليهم فى أثناء انسحابهم وهنا عاد الاتصال ثانية، وأخطرنا قائد الموقع بأن اليهود انسحبوا عائدين إلى الشاطئ الشرقى وكان الوقت فجراً.

تعتبر هذه المعركة ناجحة من نظرنا وفاشلة من وجهة نظر العدو، إلا أن العدو فى محاولة لرفع معنوياته أخذ يطنطن بأنها عملية غير جريئة أو شجاعة، ولكنه اعترف صراحة أن خسائره 9 قتلى و6 جرحى، وهى أعلى نسبة خسائر يعترف بها فى معركة، وفى تقديرى وتقدير الخبراء أنه تكبد ما لا يقل عن 40 بين قتيل وجريح.

واعترف موشيه ديان، وزير دفاع العدو، بقدرة قواتنا فى حرب الاستنزاف، بعد أن كبدنا جيشه خسائر فادحة حين كنت فى منصبى بالقوات المسلحة. وقال ديان فى كلمة ألقاها يوم 4 أغسطس 1969 خلال المؤتمر العام لحزب العمل الإسرائيلى (حزب الأغلبية):

«إننا نقف أمام حرب تحاول أن تنهك قوات سلاح المشاة، وتدمر التحصينات، وتصيب خطوط المواصلات الخاصة بنا، وتضمن سيطرة جوية مصرية حتى يتمكن المصريون من عبور القناة عندما يأتى اليوم المناسب لذلك، وهدف إسرائيل هو عبور هذا الصيف والحصول على نصر فى معركة تلو الأخرى حتى لا نصل إلى معركة حقيقية. وبلغ عدد إصاباتنا منذ حرب الأيام الستة على الجبهة المصرية 1365 مصاباً و323 شهيداً، ولكن ما يدعو للقلق أنه منذ شهر مارس ارتفع متوسط المصابين لدينا فى كل شهر، فقد كان هناك 65 مصاباً فى أبريل، ثم 74 فى مايو و91 فى يونيو و140 فى يوليو، وهذا رقم يفوق الضعف لأعداد الشهور الأكثر سخونة واشتباكات فى الماضى».

كانت هذه شهادة العدو فى فترة قيادتى وهى خير دليل وشاهد.

لقد حققت عمليات العبور للضفة الشرقية نتائج أجهدت العدو، ونجح رجال الصاعقة والمشاة وسلاح المهندسين فى اصطياد الدبابات والمدرعات الإسرائيلية، وزرع الألغام على طرق تحركات قوات العدو، وشيئاً فشيئاً تطورت العمليات الفدائية، وباتت تتم فى كل وقت من اليوم، ليلاً ونهاراً. فألحقت بالعدو خسائر يومية فى العتاد والأفراد.

وفى أغسطس 1969، انعقد مؤتمر قمة لدول المواجهة، واختير الفريق أول محمد فوزى ضمن وفد مصر، وتم تجاهلى، على الرغم من أن رؤساء أركان بقية الدول بل إن مديرى العمليات أيضاً وُجدوا مع الوفود، وكان المؤتمر على جانب كبير من الأهمية؛ لأنه كان يهدف إلى إزالة العقبات والتخطيط للمستقبل.

وفى أول أيام المؤتمر، كنا فى دعوة على العشاء فى قصر القبة حيث نُجْرى المباحثات، وخرجت الوفود والتقيت عدداً منهم، وكثير منهم كان يتساءل عن سبب غيابى، وتحدثوا عن بعض ما دار فى الجلسة الأولى، وقال أحدهم صراحة: «كيف تغيب وتسمع أخبار المؤتمر من الخارج؟»، والأغرب من ذلك أن الفريق أول محمد فوزى طلب منى أن أجهز ما يطلب المؤتمر لليوم التالى، وفعلت ذلك دون علمى بتفصيلات ما دار.

وقتها لم أكن أعرف هوية المسئول الذى يتولى تحديد أعضاء الوفود فى مثل هذه الظروف. وقابلت الوزير فوزى وقلت له: إننى أشعر بحرج كبير؛ لأن نظرائى رؤساء أركان الدول الأخرى أعضاء فى وفود دولهم، بل وصل الأمر إلى حضور بعض «المقدمين» فكيف لا أمثل بلدى فى هذا المؤتمر ضمن الوفد، فكانت إجابته:

- هذا خطأ لقد دخل الضباط خطأ، وكان يجب منعهم واضطررنا إلى إحضار كراسى إضافية، ولم يكن هذا ضمن الترتيبات.

- إذن كان هؤلاء الضباط زيادة.. لكن رؤساء الأركان أعضاء أصليون فى الوفود.

- أنا لا أعرف كيف تم ذلك.

- أنا النائب الأول لك، ويجب أن أعلم كل ما تعلمه، حتى أستطيع أن أحل محلك فى غيابك، وحتى يمكننى إعطاؤك المشورة المخلصة. لقد لاحظ معظم القوات المسلحة عدم تعيينى فى الوفد وكان موضع تعليق لهم..

ولكنه لم يعلق، وآثرت الصمت، ولكننى استشعرت شيئاً غير عادى. فقد كنت أدرك أن الفريق فوزى لا يطيق وجودى بجواره.

فى عصر يوم 12 سبتمبر 1969، قرر الوزير أن يفتتح مركز القيادة الميدانى للقيادة العامة للقوات المسلحة (10)، وهو مركز لا يُفتح إلا فى حالة العمليات أو المناورات، فتوجهت إلى مقر العمليات وتوليت قيادتها، وسبقنى هو إلى مبنى القيادة العامة بمدينة نصر وهو وضع غير عادى.

وفى ذلك اليوم أدرنا العمل بشكل جيد، حيث أسقطنا 3 طائرات للعدو، إضافة إلى أَسْر طيار إسرائيلى للمرة الأولى. وكانت فرحة كبيرة لا تُقدر بثمن؛ لأننا سنتمكن من الحصول على معلومات عن القوات الجوية الإسرائيلية التى قامت بالدعاية لنفسها حتى أصبحت خرافة، ولا أنكر مطلقاً أن قوات العدو الجوية على درجة كبيرة من الكفاءة والقدرة، إضافة إلى أن طياريها ممتازون بمعنى الكلمة.

ولن أنسب لنفسى دور البطولة، لكن من المهم التنويه بكل تواضع بأنه كان لى شرف النجاح فى الحصول على الكثير من أسرى ومعدات القوات المسلحة الإسرائيلية، ففى معارك يونيو 67 -ورغم أن الهزيمة كانت تخيم على صدورنا- نجحنا فى الحصول على بعض معدات وأسلحة العدو خاصة فى معركة رأس العش. وفى يوليو 67 وأثناء معركة «لانشات العبور» بالقرب من بورتوفيق نجحنا فى أسر ضباط بحريين، وأمرت بالقبض عليهم من وسط الماء وإرسالهم للقاهرة فوراً، كما تمكنت دورية تابعة للجيش الثالث من اعتقال أسير تابع لقوات العدو البرية. ونجحت القوات الجوية فى أسر اثنين من الطيارين اللذين سقطا فى أيدينا فى سبتمبر 69 وهو نفس شهر إحالتى للتقاعد.

فى تلك الفترة، زاد العدو من ضرب طيرانه على شاطئ البحر الأحمر حتى أصبحت الغارات بشكل يومى بعد عملية الزعفرانة. وفى يوم 12 سبتمبر، طلبنى الوزير فى التليفون وكان فى مكتبه بمدينة نصر، بينما كنت أنا فى القيادة الميدانية، ودار بيننا الحديث الآتى:

- هل ضرب العدو الزعفرانة مرة ثانية صباح اليوم؟

- نعم.

- ولماذا لم تبلغنى؟

- لسببين، الأول أن مدير المخابرات يبلغكم أولاً بأول، وثانياً لأن المفروض أن توجد سيادتكم معنا هنا.

وكنت أقصد بذلك استفزاز الوزير لمعرفة ما يدور فى الخفاء، وسبب قراره بإبعادى عن القيادة، خاصة أننى كنت أشعر أن هناك حركات مريبة تجرى فى القيادة، وصدق ظنى. وتابع الوزير كلامه:

- طيب تعالَ لى المكتب أنا عايزك.

وهنا علمت تماماً من تجربتى السابقة ما سيسفر عنه الأمر، فذهبت إليه ودار الحديث الآتى:

- لقد قرر رئيس الجمهورية تنحيتك عن وظيفتك.

- هذا الخبر ليس مفاجأة لى فقد كنت أتوقعه منذ عشرين يوماً.

- لماذا؟

- من معاملتك لى.. وهذا يحتاج إلى شرح.

- لا بد أن تنحيتك لأسباب عامة وليست لأسباب خاصة.

- لا أحد دائماً فى مركزه وسيأتى اليوم الذى ينهى كل منا عمله.

- نعم. هو هذا.

- أتمنى للوطن وللقوات المسلحة النصر ومعركة النصر آتية، وستجدنى مستعدّا للعمل فى أى وقت وأى وظيفة حتى لو كانت قائد رأس العش.

- أتمنى لك التوفيق.

- اسمح لى أن أودع زملائى بالوزارة.

- لا داعى.. يُستحسن ألا يتم هذا.

- المسألة ليست سرية وستُنشر بالجرائد غداً.

- لا لن تُنشر غداً سننشرها فى الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة.

طلب لى كوباً من الليمون ورفضت أن أشربه وقلت له: «سأشربه فى منزلك يوم النصر إن شاء الله». وذهبت إلى سكرتيرى وطلبت منه أن يرسل لى أوراقى الخاصة إلى منزلى. وذهبت إلى المنزل وأمرت الحرس وكشك الحراسة بالعودة إلى القيادة.

وفى أحد لقاءات السيد أنور السادات بمؤتمر الاتحاد الاشتراكى فى القاهرة، سُئل عن سبب خروج رئيس الأركان اللواء أحمد إسماعيل من الخدمة فأجاب: اللواء أحمد إسماعيل رئيس أركان حرب القوات المسلحة قام بتحريك قوات فى البحر الأحمر للتدريب، أكرر وأقول للتدريب، دون علم الوزير الفريق أول فوزى.

ويعلم الله أن هذا الكلام لا أساس له من الصحة فأنا لم أحرك ولم أعرف أن قوات تحركت إلا فى مساء يوم الاعتداء بعد أن تم. وكان المسئول عن التدريب الفريق صلاح محسن، ولم تكن هناك قوات فى الزعفرانة نفسها بل كانت فى رأس غارب وبعد أن تم الاعتداء أخبرنى اللواء عباس عوض الله أن قائد المنطقة هو الذى حرك القوات ويبدو أن «العمليات» وافقت له دون علمى. ولكن يبدو أن السيد الوزير أخطر سيادة الرئيس أننى حركت القوات دون علمه وهذا ظلم وافتراء، وكان يجب أن يتحرى الدقة فى الإبلاغ إلا إذا كانت مقصودة.

وطوال سنوات عملى فى القوات المسلحة لم يخطر ببالى، أبداً، أنه سيأتى اليوم الذى أُحال فيه إلى التقاعد دون معرفة السبب، ودون أن أرتكب فعلاً شائناً يستوجب إبعادى بهذه الطريقة غير اللائقة.

لم أستطع إخفاء حزنى، وحاولت قدر جهدى توضيح الموقف لأسرتى الصغيرة، لكننى بالطبع لم أستطع توضيح الأمر لزملائى أو معارفى، ولم يكن أمامى سوى اختيار العزلة المؤقتة، تفرغت خلالها للقراءة والكتابة فقط.

تدرجت فى جميع مراحل السلم الوظيفى كما خضت حروباً كثيرة ومعارك حربية صغيرة وكبيرة ولم أكن أبداً قلقاً أو خائفاً، وتوليت رئاسة أركان حرب الجيش فى 1969 وبعدها بستة أشهر فقط خرجت من الجيش. وكانت فترة إحالتى إلى المعاش لمدة عام ونصف العام فى المنزل، لم أرد على أى تليفون من زملائى فى الجيش أو خارجه خوفاً عليهم من أن يعاقَبوا أو أن أتسبب فى ضرر لأى شخص منهم، وجاء إلى منزلى بعد إحالتى للتقاعد أصدقاء رفضت مقابلتهم خوفاً على مصلحتهم.

كنت أشعر بحالة لا توصف من الظلم والحزن، وعلى النقيض من ذلك كان أبنائى وكل الموجودين حولى يتوقعون أن المحنة ستنتهى، بل إنهم زادوا فى توقعاتهم بأننى سأصبح وزيراً، خاصة محمد، ابنى الأكبر، الذى كان يردد لى دائماً أن دورى لم ينته بعد، ولأننى كنت واقعيّا كنت أحطم تلك الآمال التى لا يمل منها، وكنت أؤكد له دائماً أن دورى انتهى بإحالتى إلى المعاش.

كان محمد يقول لى: إن توقعاته ليست مجرد إحساس فقط، ويذكرنى بأننى فى عام 1967 كنت قائد الجبهة فى مواجهة العدو تماماً، وكنت حسب التسلسل القيادى قائد الجيشين، تأتينى المعلومات مباشرة من كوبرى القبة ومن الوزير أو رئيس هيئة العمليات، بمعنى أننى كنت القائد فى الجبهة الشرقية، وبنيت الجيش حتى استعاد قوته من جديد، كما كان جمال عبدالناصر دائم الاتصال بى لمعرفة أحدث التطورات ولم يكن بجانبى سوى الفريق عبدالمنعم رياض وبعد وفاته توليت رئاسة الأركان، وكنت مرشـحاً لمنصب الوزير حتى فوجئ الجميع بإحالتى إلى المعاش.

عشت الأيام الأولى بعد إحالتى إلى التقاعد بشكل روتينى، مفضلاً العزلة. وكنت أقضى يومى بين غرفَتَيْ النوم والمكتب التى كنت أستغرق فيها أوقاتاً طويلة. وقررت بعد الشهر الأول من إحالتى إلى المعاش أن أكتب مقالات صحفية وأنشرها فى جريدة الأهرام، وهو الأمر الذى شجعنى عليه أبنائى وزوجتى. وبالفعل بدأت فى كتابة مقالى الأول وكان بعنوان «الحدود الآمنة»، حاولت فيه عرض كيفية تفكير إسرائيل فى قناة السويس، حيث تعتبر أنها من الحدود الآمنة بالنسبة لها، لذلك فكرت فى السيناريوهات الممكنة لاختراق الحدود الآمنة، ومنها مثلاً «إغلاق خليج العقبة» ليصبح خليج السويس غير ذى قيمة؛ وبالتالى لو اخترقت مصر قناة السويس وخط بارليف وأخذنا جزءاً من الضفة الشرقية، سنكون قد كسرنا الحدود الآمنة التى يحتمون فيها؛ وبالتالى يصبح الجندى المصرى فى مواجهة مع الجندى الإسرائيلى وجهاً لوجه.

وبعد انتهائى من كتابة المقال، وجدت أنها فكرة عسكرية ولا يجوز أن تُنشر لكننى رأيت كتابتها بالتفاصيل وتبييضها بخط أفضل. وفى البداية كنت أعتزم إرسال هذه الخطة العسكرية إلى الرئيس جمال عبدالناصر لكننى ترددت خوفاً من أن يقال إننى وضعت تلك الخطة كمحاولة لإعادتى إلى القوات المسلحة مرة ثانية، كما خشيت أن تُنفذ هذه الخطة بطريقة تختلف عن تصوراتى.

وكان الخطاب الذى كتبته لإرساله إلى الرئيس جمال عبدالناصر عبارة عن خمس أوراق من الفلوسكاب القديم. وكان نص الورقة الأولى كالتالى:

«السيد الرئيس جمال عبدالناصر..

احترامى وتحياتى

هذه مجموعة أفكار وردت على خاطرى من خلال تتبعى للموقف من الجرائد والإذاعات، أردت أن أضعها بين يدى سيادتكم للتكرم بالاطلاع عليها لعلها تكون ذات قيمة فى ظروفنا الحالية. وإننى دائماً وفى كل الظروف المخلص لشخصكم المؤمن بمبادئكم ووطنيتكم داعياً لسيادتكم دائماً بالنصر والتوفيق.

ووقعت باسمى فى آخر الصفحة ثم بدأت صفحة جديدة كتبت فيها خطتى، على النحو التالى:

«مذكرة مختصرة عن فكرة عملية محدودة»

«مقدمة»

إن موقفنا الحالى مع استمرار العدو فى استخدام قواته الجوية يوميّا تقريبا سيؤثر بالضرورة على معنويات القوات المسلحة والشعب تدريجيّا، وقد يستمر ذلك لفترات طويلة نتلقى فيها ضربات العدو الجوية دون أن نتمكن من الرد عليه بنفس القوة وتكبيده الخسائر المناسبة.

إذن لا بد أن نتحرك ونبحث عن موقف آخر يتناسب مع إمكاناتنا وقدراتنا للرد عليه، وأن تكون تحركاتنا محسوبة وتتناسب مع قدراتنا، ولا تختلف كثيراً فى تأثيرها علينا عن موقفنا الحالى، بل إنها تحسن موقف قواتنا فى الجبهة وتسمح لها بالعمل بجدية أكبر وباستخدام أسلحتنا التى تتفوق على العدو وهى المدفعية والقوات الخاصة باستخدامها على نطاق أوسع من استخدامها الحالى.

ومع ذلك أرى تحليل الموقف كالآتى:

أهداف إسرائيل:

إن هدف إسرائيل حاليّا هو الضغط على «جمهورية مصر العربية» باستخدام سلاحها الذى يمكنها من التفوق وهو قوتها الجوية كذراع ممتدة تقصف بها فى أماكن متفرقة وفى توقيتات مختلفة كنوع من الحرب الوقائية، كما أنها تنفذ عمليات مشتركة جوية برية بحرية، أحياناً، ضد أهداف متعددة يصعب حصرها بغرض التأثير النفسى والدعاية للإيحاء أمام العالم بأن إسرائيل لا تزال وستظل متفوقة علينا. باختصار يهدف العدو من هذه الاعتداءات إلى فرض الواقع الآتى:

1 - أن يفقد الشعب ثقته فى قيادته وقواته المسلحة.

2 - أن تفقد القوات المسلحة ثقتها فى نفسها وقدراتها.

3 - تأخير الجدول الزمنى للهجوم نتيجة لإيقاف التدريب وخاصة بالنسبة للقوات الجوية والبرية؛ وذلك بضرب الأهداف العسكرية ووضع القوات تحت تهديد الغارات الجوية باستمرار، وكذا اضطرارنا إلى حماية جميع الأهداف فى الجمهورية؛ وبذلك تتشتت قواتنا المسلحة.

4 - محاولة استدراج قواتنا الجوية إلى معارك غير متكافئة؛ وبذلك تكبدها خسائر كبيرة تمنعها من متابعة التقدم.

5 - إرغام القيادة السياسية على قبول حل سلمى غير عادل وعلى ذلك ينتظر أن يستمر العدو فى محاولاته هذه مع اختيار أنسب الأهداف التى تحقق له أغراضه بقصف وسائل الدفاع الجوى ثم المدفعيات ثم الدبابات مع زيادة التصعيد تدريجيّا واحتفاظه بزمام المبادرة.

قواتنا

إن موقف قواتنا الحالى رغم تقدمه المطرد من ناحية التفوق الجوى والتدريب والتسليح لا يسمح ولفترة مقبلة بتنفيذ هجوم شامل لتحرير جميع الأراضى المحتلة كما أن تفوقنا فى القوات البرية أصبح أيضاً طبقاً للأوضاع الحالية غير ذى تأثير من حيث تكبيد العدو خسائر تؤثر عليه وتستنزف قواته بالقدر الذى ترغبه؛ وذلك نظراً لأن قواته الرئيسية سحبت للخلف وخارج نيران المدفعية وأسلحة الضرب المباشر والدوريات قصيرة المدى كما أنه وضع تحصينات كثيرة فى موقفه هذا بالإضافة إلى وجود قناة السويس عقبة فى حرية العمل ضد العدو.

ولكى نستخدم تفوقنا فى المدفعية والقوات الخاصة يحتاج الأمر إلى تلاحم مع العدو حتى يمكن استنزاف قواته.

فكرة العملية:

الاستمرار فى العملية الدفاعية مع دفع النطاق الدفاعى الأول شرق القناة، أى إجراء عملية عبور وإنشاء رءوس «كبارى» بثلاث فرق وثلاثة لواءات مدرعة شرق القناة على مسافة تتراوح بين 10 - 15 كيلومتراً حسب طبيعة الأرض، والتشبث برءوس الكبارى هذه مع دفع النطاق الثانى إلى الشاطئ الغربى للقناة مباشرة بدلاً من النطاق الدفاعى الأول الحالى على أن تتم هذه العملية باستخدام المفاجأة الكاملة للعدو من حيث التوقيت والحشد وأن تتم المواجهة ليلاً.

مزايا العملية:

1- رفع الروح المعنوية لدى الشعب العربى والقوات المسلحة.

2- تكبيد العدو خسائر فادحة فى الأفراد والمعدات.

3- الانتهاء من أغلب عملية العبور وإجراءاتها فى وقت لا يتوقعه العدو وفى وقت لا يحشد فيه قواته على الشاطئ الشرقى للقناة.

4- وجود قواتنا فى مواجهة مباشرة مع العدو يمكننا من استخدام أسلحتنا التى تتفوق على العدو بكفاءة وتأثير وهى المدفعية والقوات الخاصة، وبذلك يمكن استمرار استنزاف العدو بتأثير أكبر.

5- إمكانية تحسين المواقع تدريجيّا شرقاً بعمليات صغيرة متتالية على مراحل.

6- إجبار العدو على حشد عدد كبير من قواته فى سيناء فى مواجهة قواتنا، وبذلك يمكن إرهاقه عسكريّا واقتصاديّا.

7- دفع الدول الكبرى لوضع حل عادل للموقف بصورة جدية ونحن فى وضع مشرف لنا سياسيّا وعسكريّا.

صعوبات العملية:

1- تفوق العدو جويّا فى الفترة الحالية، ولكن بمجرد استقرار الوحدات فى أوضاعها الدفاعية لن يصبح الموقف الجوى كما هو الآن بل يتحسن موقفنا نحن من ناحية إمكان استخدام المطارات الأمامية بأمان مثل أبوصوير وفايد والقطاية وقد يكون كبريت أيضاً، وبعدها يمكننا زيادة مدى طائراتنا إلى حوالى 80 - 100 كيلومتر.

2- قيام العدو بالهجمات المضادة السريعة ولكن بما أن العبور سيكون على طول المواجهة سيحتاج ذلك إلى قوات كبيرة من العدو غير منتشرة حاليّا فى سيناء، هذا بالإضافة إلى إمكان استخدام مدفعيتنا فى معاونة قواتنا من شرق وغرب القناة مع عمل ستارة كثيفة فى رءوس الكبارى من الأسلحة المضادة للدبابات.

كما أن وجود رءوس الكبارى على مسافة 10 - 15 كيلومتراً من القناة سيحرم العدو من حرية المناورة والالتفاف فى ضرباته المضادة وسيصبح معظمها إن لم يكن كلها فى المواجهة.

3- صعوبة عملية العبور وخصوصاً بالنسبة للمعدات الثقيلة، وهذه يمكن التغلب عليها بالمفاجأة والعبور على طول المواجهة والتمهيد العنيف بالمدفعية واستخدام عبور المعدات من أماكن عبور متفرقة ليلاً يصعب ضربها جميعاً.

4- صعوبة إعاشة القوات عبر القناة وفى هذه الحالة يمكن نقل الإعاشة ليلاً من أماكن عبور متفرقة، مع تغطيتها بالمدفعية المضادة للطائرات.

ملاحظات عامة:

1- تحتاج هذه العملية إلى فترة تتراوح من 3 إلى 4 أشهر يتم فيها تدريب القوات التى ستقوم بالعملية، كلّ على واجبه فقط، إضافة إلى التركيز على أعمال الاستطلاع بحيث يمكن الحصول على معلومات دقيقة عن أوضاع ودفاعات العدو، كما يجب أيضاً حشد القوات وأدوات العبور ومدافع الهجوم تدريجيّا بشكل لا يلفت النظر بل يبدو كأنه تحسين لمستوى الدفاعات.

2- يجب أن تتم العملية تحت ستار كثيف من نيران المدفعية ويحميها أكبر قدر ممكن من وسائل الدفاع الجوى.

3- من الضرورى أن ننتخب توقيت العملية بحيث نضمن مفاجأة العدو أى أن تكون أوضاعه كما هى الآن مع إعطاء العملية أكبر قسط من السرية وعدم معرفة الأفراد إلا بواجباتهم فقط فى آخر وقت ممكن.

4- لتنفيذ العملية وتحقيق الأهداف المرجوة منها، يجب اللجوء إلى الخداع الاستراتيجى والتنفيذى المتكامل، ونخطط له مع وضع الخطة على مراحل.

5- يمكن تغطية هذه العملية بالاشتراك مع عمليات محدودة بالجبهة الشرقية لتمكين موقفها الدفاعى، أو عمليات مُنفصلة.

وفى النهاية وضعت توقيعى مجدداً، وبعد أن استقر بى التفكير إلى عدم إرسال الأوراق إلى الرئيس جمال عبدالناصر كخطة للحرب، بسبب مخاوفى التى أشرت إليها سابقاً، وضعت الأوراق فى درج مكتبى ولم أرسلها إلى عبدالناصر.

وظللت طوال عام ونصف العام أقرأ فى كتب كان ابنى الأكبر محمد يحضرها لى، وعادة كنت أحتفظ فى مفكرة ببعض النقاط من الكتب المترجمة إضافة إلى تصريحات المسئولين الإسرائيليين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin
avatar

عدد المساهمات : 690
النشاط : 1701
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: رد: مذكرات المشير أحمد اسماعيل    الجمعة مايو 16, 2014 6:55 pm

المشير أحمد إسماعيل يكشف فى مذكراته: تفاصيل هزيمة «مراكز القوى».. وانتصار المخابرات المصرية على الموساد

الحلقة الثالثة

تواصل «الوطن» انفراداتها، وتعيد رصد وتسجيل تاريخ حرب أكتوبر 1973، وفى الحلقة الثالثة من مذكرات المشير أحمد إسماعيل، وزير الحربية فى حرب أكتوبر، يكشف القائد العسكرى فى مذكراته تفاصيل هزيمة «مراكز القوى»، بعد توليه المسئولية، وكيف اتخذ الرئيس الراحل أنور السادات قراراً حاسماً بالقضاء على هذه المراكز، وهو ما عُرف بـ«ثورة التصحيح» 15 مايو 1971، فخلص الإنسان المصرى من قبضة أساطير الاستبداد التى كانت تتحكم فى مصيره. وروى تفاصيل المؤامرة التى تم تدبيرها لـ«السادات»، وكيف تولى منصبه كمدير للمخابرات العامة بعد تلقيه اتصالاً من مدير مكتب الرئيس السادات يطالبه بالحضور لمقابلة الرئيس فوراً. وذكر المشير أحمد إسماعيل تفاصيل قضية الجاسوس «راندوبولو» التى قال عنها: «هى من القضايا المهمة فى المخابرات؛ حيث كان صاحب مزارع عنب وعلى اتصال بسلطات عالية جداً فى الدولة، وكان من أهل البيت كما يقال، وقبض عليه، والسفارة الأمريكية التى كان يعمل لحسابها قلبت الدنيا عليه، لكنه اعترف، وكان يرسل معلومات عسكرية وسياسية لإسرائيل، هذا غير العديد من القضايا فى أوروبا، ونجحنا فيها بفضل الضباط المصريين فى جهاز المخابرات».. وإلى نص الحلقة الثالثة من «مشير النصر»:

حرصت منذ قيام ثورة يوليو عام 1952 على تحاشى الرئيس جمال عبدالناصر، رغم حبى وصداقتى له قبل قيام الثورة. وزاد الأمر مع توليه إدارة شئون البلاد؛ حيث زاد إصرارى على الابتعاد عنه هو ودائرته المقربة منه. كانت نفسى تأبى إتيان ما يفعله البعض من رياء ومداهنة، إلا أن هذا لم يقلل من احترامى وثقتى فى زميل الدراسة وصديق العمر الذى كنت أقدّر فيه حسّه الوطنى، ونظافة اليد. كنت أراه فقط حينما يستدعينى لأمر ما، أو يلتقى بى فى زيارة أو مناسبة عسكرية، فكان يسألنى ويستفسر منى عن أى أمر يود السؤال عنه لأنه كان يعلم أننى سأصدقه القول.

كان شعورى دائماً نحو الرئيس جمال عبدالناصر هو المحبة والثقة والزمالة والصداقة، وقد تكون هذه الأمور التى كنت أتعامل معه على أساسها سبباً فى خروجى من القوات المسلحة، فكثيراً ما كنت أناقش الرئيس وأعارضه فى أفكاره بحثاً عن المصلحة الوطنية وعلى أساس أنه مدرّس بطبيعته؛ حيث كان مدرساً فى الشئون الإدارية فى كلية أركان الحرب وكان يحب المناقشة والإقناع، لكنه على ما يبدو رأى أن هذه الفترة والظروف التى تحيط بالوطن لا تحتمل المناقشة والجدل، حتى إنه فى أول اجتماع رسمى للقادة عندما هممت بالـرد على أحد المواضيـع، استشعر موقفى وقال لى قبل أن أتكلم: «لا أريد مبررات يا أحمد إسماعيل».

عموماً، كنت أرى أنه فعلاً رئيس الدولة وله مركزه العالمى والدولى، ولكننى أيضاً لى فكر وعقل وكنت أرى أنه من حقى أن يسمع رأيى، وله الحق فى أن يأخذ به أو يتجاهله فهو صاحب الشأن والقرار والمسئولية.

السادات والمشير احمد اسماعيل

كنت أؤمن بأنه لا يمكن لمخلوق أو بشر أن يقوم بمثل ما يقوم به هذا الرجل. لقد كان يبدى قرارات وآراء فى كل ما يمس الدولة داخلياً وخارجياً، ويمتلك من الثقة بالنفس ما يمكّنه من إصدار قراراته فى كل ما يتعلق بالدولة حتى فى بعض الأمور التى لا تحتاج إلى رئيس الجمهورية. وكنت ألاحظ أن الجميع يبعدون المسئولية عن أنفسهم ويستشيرون الرئيس فى كل أمر من أمور الوزارات؛ الأمر الذى زاد الأعباء عليه وقد ذكرت له ذلك كثيراً ولكنه لم يكن يسمع لأحد. ورغم أننى خرجت من الخدمة بموافقته الشخصية سواء كان بأمر أو بما عُرض عليه، سواء كان لأسباب حقيقية أو لأسباب مفتراة علـىّ، وسواء كان نتيجة مناقشاتى أو آرائى المختلفة، أو سواء توهم الوزير أننى غير متعاون معه.. كل ذلك لم يغير شيئاً من شعورى نحو الرئيس، وأكتب هذا الآن بعد مضىّ نحو شهر على وفاة الرئيس وما زلت أحبه وأقدّره وأحترمه وأثق به مثلما كنت أشعر تجاهه وأنا فى الخدمة.

وبعد خروجى من الخدمة كثيراً ما كنت أسمع من أشخاص كثيرين يظنون أننى قد تحولت عن محبة الرئيس بسبب إحالتى إلى التقاعد، فسمعت كلاماً كثيراً لم أكن أسمعه وأنا فى الخدمة خوفاً منى أو حفاظاً على شعورى أو لثقتهم بأننى أدافع عن الرئيس بحكم وظيفتى. ولكن الحقيقة أن دفاعى عن الرئيس كان كما هو وكان ردى دائماً أنه ليس لدينا لا فى مصر ولا فى الدول العربية من يحل محل الرئيس جمال عبدالناصر، فهو رجل موهوب فذ، وهبه الله من صفات الزعيم والقائد ما لم يمنحه غيره، وقضى 18 عاماً كلها آمال وآلام ومعارك.

لا أذكر عاماً واحداً مرّ دون مشاكل داخلية أو عالمية أو خارجية، لكن عبدالناصر كان رجلاً ذا خبرة وحنكة، وليس لدينا شبيه له، فهو يوضع أولاً ثم بعده بمراحل يأتى من يليه؛ لذلك عندما علمت بوفاته تصورت أولاً أنه اغتيل ثم علمت أنه مات بانسداد الشريان التاجى فبكيت. بكيت الصديق وبكيت على مصر وحظ مصر. بكيت لأن الله لم يمهله حتى يحل مشكلة مصر وهو الوحيد الذى كان بمقدوره أن يحلها محافظاً على كرامة البلاد وكرامة القوات المسلحة، فالمشكلة الآن إما أن تُحلّ عسكرياً، وهذا موضوع يحتاج لباب منفصل للحديث عنه، وهل ستسمح لنا الولايات المتحدة بالنصر عسكرياً؟ وهل سيوافق الاتحاد السوفيتى على أن يمدنا بالأسلحة التى تسمح لنا بالنصر؟ أو أن يكون الحل سياسياً مشرفاً، وهذا يحتاج إلى مناورات عديدة وشخصيات فذة قادرة لتتمكن من التأثير عالمياً حتى تضغط على إسرائيل وتجبرها على الانسحاب. ولم يكن فى مصر أحد سوى جمال عبدالناصر يستطيع القيام بذلك.

بعد علمى بخبر الوفاة، فى حوالى العاشرة مساء، لم أتمكن من النوم؛ لأن جمال عبدالناصر زميلى ودفعتى وصديقى. وكان السؤال الذى يؤرقنى: كيف سنعوضه؟ وأخذت بعض المهدئات والمنومات، الأمر الذى أثار قلق زوجتى لأننى كنت وقتها فى طور النقاهة من مرض انسداد شريان بالقلب واتصلت بمستشفى المعادى فأخبرونى أن جميع الأطباء هناك يبكون جمال عبدالناصر، ونصحونى بالبقاء بالمنزل. يومها لم أستطع وقف تداعى ذكريات تلك الأيام التى جمعتنا منذ زمن بعيد، منذ تزاملنا فى الكلية الحربية. ولا أملك إلا أن أقول: رحم الله الأخ والصديق والرئيس الذى لم يتوانَ لحظة عن أن يحلم للوطن بكل خير.

بعد توليه المسئولية، كان الرئيس السادات قد اتخذ قراراً حاسماً بالقضاء على مراكز القوى فى مصر، وهو ما عُرف بثورة التصحيح فى 15 مايو 1971، فخلص الإنسان المصرى من قبضة أساطير الاستبداد التى كانت تتحكم فى مصيره، وفى نفس العام أصدر السادات دستوراً جديداً لمصر.

كنت فى منزلى أشاهد على التليفزيون مع زوجتى البيان الذى أصدره أنور السادات للتخلص من المؤامرة التى كانت تُدبَّر له، وقبل أن ينتهى البيان رن جرس التليفون، ولأنى لم أكن أرد على أى مكالمة تليفونية منذ أُحلت إلى المعاش، قامت زوجتى بالرد على التليفون، وفوجئت بمدير مكتب الرئيس السادات يتصل طالباً أن أذهب إليه على الفور، كان الوقت متأخراً، وكانت الساعة الحادية عشرة ليلاً، كنت عائداً من المستشفى وما زلت فى فترة النقاهة وأمرنى الطبيب بعدم قيادة السيارة، والوقت متأخر، فعرضت زوجتى قيادة السيارة بدلاً منى، وأن تنتظرنى لحين الانتهاء من المقابلة عند أحد أقاربها، وعند خروجنا من باب الفيلا وجدت بالصدفة سائقى الخاص فى القوات المسلحة لسنوات طويلة، جاء ليزورنى، وبلهفة ممزوجة بفرحة قال السائق مصطفى سليم: «البلد مقلوبة.. سمعت خطاب الرئيس أنور السادات؟»، فقلت: «أيوه يا مصطفى وسأذهب إليه الآن»، فأعطت زوجتى مفتاح السيارة للسائق، وذهبنا لمقابلة الرئيس أنور السادات، لأعود مرة ثانية إلى الخدمة، بعد عام ونصف فى المنزل، بسبب إحالتى للمعاش على يد الرئيس جمال عبدالناصر.

ولمصطفى سليم هذا قصة؛ فهو سائقى منذ أن كنت برتبة مقدم، وظل معى طوال خدمتى فى الجيش منذ عام 1955 حتى رئاسة الأركان عام 1969، وعندما خرجت من رئاسة الأركان إلى المنزل، رفض مصطفى سليم أن يبقى فى الجيش ولو للحظة واحدة، وعندما حاولت معه كى يبقى فى الجيش مراعاة لمستقبله، خاصة أنه أصيب إصابة جزئية أيام حرب 1956، وليس معه رخصة تاكسى، وبذل المساعى للخروج منذ فتره طويلة، لكنه قال: «لو هاموت من الجوع لن أسوق لضابط آخر بعد سيادة اللواء»، وكنت أحاول إقناعه لمصلحته ولأننا مادياً لا نستطيع أن نعيّنه فى منزلنا كسائق للعائلة، وندفع له راتباً شهرياً، لكنه خرج دون أن يبقى لحظة واحدة، بعد ذلك ساعدته كى يحصل على معاش معقول بسبب الإصابة، وأن يستخرج رخصة قيادة أجرة، وفعلاً عمل على سيارة تاكسى، وظل يحضر بها من وقت لآخر لزيارتنا، ويسأل إذا كنا نحتاجه فى أى مشاوير، فيترك التاكسى ويقود سيارتنا الملاكى فيات 1300 الخضراء.

أعود بكم لتلك الليلة التى أعلن فيها الرئيس السادات عن التخلص من كل رموز مراكز القوى، فعند متابعة تطور الأحداث من خلال الراديو، فوجئنا بقرار استقالة سامى شرف وشعراوى جمعة ومحمد فوزى ومحمد فايق وباقى المجموعة. قبل خروجى من المنزل اتصلت زوجتى بابننا الأكبر محمد، فى منزله، كانت علاقتى به بعد إحالتى للمعاش قد أصبحت أكثر قوة، وسألته بصوت منخفض عما إذا كان سمع بالأخبار، فنفى لها ذلك، فطلبت منه الاستماع للراديو مؤكدة له إعلان شعراوى جمعة وسامى شرف استقالتهما وأن الرئيس السادات طلبنى وأننى ذهبت له.

المشير يتفقد جنودة

وصلت لمنزل الرئيس السادات وقابلته فأخبرنى أننى سأعود للخدمة مرة ثانية، وسأتولى رئاسة المخابرات العامة. لحظتها عدت بالذاكرة إلى الخلف، متذكراً علاقتى بالرئيس السادات التى بدأت منذ كنا فى البكالوريا، وكان أنور تربطه علاقة صداقة قوية بأبناء خالى، وكان يذهب إليهم فى حى شبرا الذى كنا نسكن فيه. وتواصلت العلاقة بيننا عبر تزاملنا فى الكلية الحربية، وتعمقت جداً ما بين الكلية وقيام ثورة يوليو 1952، إذ كان السادات وقتها مطلوباً من الأمن القومى؛ لذلك كان يأتى إلى منزلى متخفياً مرة كتاجر فاكهة وأخرى كسائق سيارة نقل، إلى أن تمت الثورة، وتغير حال البلد، وكان السادات يقدر كفاءتى وعلمى ومشوار تدرُّجى فى الجيش، وكان يعلم أيضاً أن السبب الحقيقى فى إحالتى للمعاش وإزاحتى من دائرة جمال عبدالناصر، هو شلة عبدالحكيم عامر والفريق محمد فوزى؛ لذلك وبمجرد أن قام بإعادة هيكلة الحكومة والجيش، طلبنى لتولى قيادة المخابرات العامة التى لا تقل أهمية عن مهامى فيما بعد فى القوات المسلحة.

عدت من رحلة الذكريات التى لم تستغرق لحظات، ووجدت الرئيس يقول لى: «أنت تذهب يا أحمد للمخابرات العامة وتأخذ مجموعة من الحرس إذا اقتضى الأمر، وتتولى رئاسة المخابرات وتخطرنى تليفونياً عند إتمام هذه المهمة»، فقلت له: «حاضر يا افندم» فقال لى الرئيس ضاحكاً: «انت عارف المخابرات العامة فين؟» فرددت: «طبعاً يا افندم، محمد ابنى يعمل بها منذ 5 سنوات».

تركت الرئيس السادات وتوجهت لمنزل ابنى الأكبر محمد الذى كان يسكن بجانب مستشفى العجوزة، كان يقف فى شرفة شقته ومعه زوجته يستمعان للأخبار فى راديو ترانزستور، حين وجدا سيارتى تقف أمام المنزل لم يصدق عينه وظن أنه يحلم، فرك عينيه مرة ومرتين وثلاثاً، وإذ به يجد والده ينزل من السيارة، فلم يتمالك محمد نفسه وودع زوجته، وأخبرها أنه سينزل لى وسيتصل بها تليفونياً، وإذا لم يتصل فلا تقلق. كان محمد يعمل ضابطاً فى المخابرات العامة، ومن شدة تأثره لم ينتظر المصعد ونزل على السلم من الدور التاسع، وهو يرتدى بنطلوناً وقميصاً وبلوفر، وسألنى «وزير حربية؟» فقلت «لا، عندكم فى المخابرات». فصاح: «ألف مبروك، دا أحسن من وزارة الحربية»، فضحكت وسألته: «هل أحضرت معك شيئاً ثقيلاً لتلبسه؟»، فقال: «لا، كده كويس».. كانت المرة الأولى التى أتكلم فيها معه فى عمله، وقد أحس وقتها بثقتى فى رأيه وتقديره للأمور، ودار بيننا هذا الحوار.. «شوف بقى يا محمد، إحنا سنذهب للحرس الجمهورى لنأخذ قوة لنذهب بها للمخابرات العامة، ولكننى أفكر أن أقوم بعملية الذهاب معاً دون قوة من الحرس الجمهورى، أنت طبعاً عارف إيه اللى حصل فى الساعات الأخيرة، ولكن وجود قوة سيضر أكثر مما يفيد»، فقال محمد: «تقريباً وبالنسبة لدخولنا دون حراسة هذا أستطيع أن أضمنه بصفتى ضابطاً بالجهاز»، فقلت: «إحنا سنذهب للحرس أولاً». اتجهنا بالسيارة إلى كوبرى القبة، وتوجهنا لمكتب اللواء الليثى ناصف لإخباره باستغنائى عن الحرس وذهابى بصحبة ابنى محمد، فمعظم الناس هناك من أصدقائه، فوجدنا عند الليثى اللواء عادل جبريل الذى كان نائباً لرئيس هيئة الأمن القومى بالمخابرات العامة، وأصبح بعدها رئيساً للهيئة بدرجة وكيل لرئيس المخابرات العامة، وهو منصب يستحقه بالفعل لكفاءته، وفوجئ به ابنى محمد عندما رآه وانتابه قلق غير متوقع؛ خوفاً من أن يكشف هذا الشخص الموقف ويتنبه لفكرة ذهابنا إلى المخابرات، لكن سرعان ما وجدنى آخذه بالحضن، فقد كان صديقاً لليثى، وفى نفس الوقت تلميذاً سابقاً لى، وأحد عشاقى -كما قال- وكان يعمل تحت قيادتى بعد تخرجه من الكلية الحربية.

تنفس محمد ابنى الصعداء عندما وجد اللواء «عادل جبريل» يعانقنى، وعلمنا منه أنه كان لدى اللواء الليثى ناصف عند سماعه بيان الرئيس، فأخبره بأننى قد عُيّنت مديراً للمخابرات العامة، فانتظر عادل جبريل فى مكتب الليثى الذى كان مجهزاً بقوة لتصحبنا للمخابرات، ولكننى رفضت ذلك، وأيّدنى عادل فى هذا الرأى وطلب أن يذهب معنا على أن ندخل من باب الأمن القومى، لكن محمد صمم على الدخول من الباب الرئيسى، ووافقنا على رأيه، وكان يجلس بجوار السائق.

أثناء وجوده معى فى السيارة تذكر محمد، ابنى الأكبر، كيفية دخول المخابرات العامة، فشرح لى نظام الحراسة بالكامل وشرح لى أنه، بصفته ضابطاً صغيراً هناك يمسك نوبتجية، فإن كل الحرس يعرفونه جيداً، فضلاً عن أنهم يلعبون معه كرة القدم مرتين فى الأسبوع فى الصباح، ويعرف كلا منهم باسمه. وإذا طلب منهم أى شىء سيُنفَّذ، كما أن الضباط النوبتجية زملاؤه، وغالباً ما سيكونون إما دفعته أو يعملون معه، وقال محمد لى: «سأطلب منهم (الماستر) بتاع حجرة المدير».

كنت أعرف أن زملاء ابنى يحبونه حباً غير عادى، فقلت له: «لما نشوف يا سى محمد»، فرد علىَّ: «المهم أننى لا بد أن أستدعى كافة القيادات وأبلغهم وتتم عملية السيطرة». وقفنا أمام الباب الرئيسى، فدقق الحارس فينا وتردد فى فتح الباب، فقال محمد له بصوت حاد: «افتح يا محفوظ»، فكان رده: «مساء الخير يا افندم»، وفتح الباب وأدى التحية العسكرية كاملة لى، خاصة أنه تصادف أن محمد كان فى اليوم السابق الضابط المناوب على جهاز المخابرات العامة بأكمله، وأثناء مروره قبل الفجر مروراً مفاجئاً وجد محفوظ ومعه الراديو مفتوح بصوت عالٍ، فنهره عن ذلك، ولم يكن يعرف إذا كان سيشير إلى ذلك فى تقريره عن المناوبة فى الصباح، وبالتالى معاقبته أم لا.
ليس لدينا من يحل محل «عبدالناصر» فهو رجل موهوب فذ وهبه الله من صفات الزعيم والقائد ما لم يمنحه لغيره

صعدنا إلى مكتب المدير وتركنا محمد، الذى ذهب للضابط النوبتجى فحصل منه على الماستر، وكان صديقاً لمحمد فقال له: «مبروك يا ابوحميد»، فرد عليه: «لست على استعداد لتلقى أى تهانى إلا بعد أن تستقر الأمور»، وفتحت المكتب وبدأ السيد عادل جبريل يستدعى القيادات، وبعضها حضر من نفسه دون استدعاء، خاصة أنهم كانوا يتوقعون حدوث ذلك بين لحظة وأخرى، ومنهم الوكيل محمد ياقوت، ومنهم الشخص الذى كان يتولى التسجيل لمراكز القوى -على صبرى ومجموعته- والذى روى لى أن أحمد كامل رئيس الجهاز السابق استدعاه فى أحد أيام شهر أبريل 1971 بعد مقابلته للرئيس السادات، وبعد أن استشعر من خلال المقابلة أن التسجيل يتم دون علم الرئيس، وطلب منه حرق كافة الشرائط وإعطاءه «تمام» بذلك، فأعطاه التمام لكنه لم يحرقها، وقدم لى الشرائط كلها عند تولى رئاسة الجهاز، وقال إنه فعل ذلك بدافع وطنى، ولحرصه على الشرعية، ولتقديره أن ما حدث كان لا بد أن يحدث.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin
avatar

عدد المساهمات : 690
النشاط : 1701
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: رد: مذكرات المشير أحمد اسماعيل    الجمعة مايو 16, 2014 7:09 pm

اتصلت بالرئيس أنور السادات حوالى الساعة 1 صباحاً، وأعطيته التمام، وصعد محفوظ، مسئول الأمن الذى فتح لنا باب الجهاز حوالى الساعة 5 صباحاً إلى محمد، ربما بعد أن علم من السائق مصطفى سليم أو من صعود قيادات الجهاز لمكتب المدير الجديد بما حدث، ليقول له وهو يضحك: «مبروك يا افندم خلاص التيم بتاعنا مش هيقدر يكسب التيم بتاع سيادتك»، فرد محمد عليه بالقول: «أبداً يا محفوظ، إذا كان دا هيحصل أنا هاعتزل الكورة وأسيب الجهاز خالص». وفعلاً قرر محمد منذ الخامسة صباحاً بعد استقرار الأمور لى فى إدارة الجهاز ترك عمله والانتقال لعمل آخر؛ إذ كيف يعمل مع والده فى مكان واحد؟ وطلب منى ذلك فيما بعد ووافقت، لأننى كنت مقتنعاً بوجهة نظره تماماً، وفعلاً نُقل للعمل فى وزارة الخارجية، لأنها كانت أقرب الجهات إلى عمله؛ حيث كان يعمل فى مجال المعلومات والتقديرات، وبدأ يشق طريقه من جديد معتمداً على نفسه.

ودارت أيام العمل فى الجهاز بكل التفاصيل والأحداث التى شابت تلك الفترة، وبعد ستة أشهر، قضيتها فى رئاسة المخابرات العامة، طلبنى الرئيس السادات، ودار بيننا هذا الحوار..

السادات: ما رأيك يا أحمد فى الوضع الحالى لمصر والجيش وما الحل من وجهة نظرك عسكرياً؟

إسماعيل: لا نستطيع أن ندخل فى حرب استنزافية ولا نستطيع أن نقوم بعملية عسكرية ضخمة، لكن من الممكن القيام بعملية تحرير لسيناء على مراحل، نعبر القناة ونقتحم الساتر الترابى، نتشبث بالأرض ونأخذ قطعة أرض ونبدأ مفاوضات.
التقيت الفريق الجمسى بالمصادفة فى مطار القاهرة وقلت له هامساً: «متى ستحاربون؟» فكان رده «سنحارب عندما تصبح أنت وزيراً للحربية»

السادات: مين ينفع يتولى هذه المسئولية؟

إسماعيل: هناك من القادة المتميزين من يصلح لهذا الدور الصعب.

ومرت الأيام ولم يتجدد هذا الحوار بيننا مرة ثانية، وكان السادات مشغولاً بعدة قضايا هامة اكتشفتها أثناء إدارة المخابرات العامة، منها قضايا التجسس على مصر، وتجنيد مصريين فى إسرائيل دون علمهم، ونجحنا فى العديد من هذه القضايا، ورغم قصر الفترة التى عملت بها فى المخابرات العامة، فإن الضباط الذين عملوا معى ألقوا القبض على العديد من المتورطين فى القضايا الهامة والكبيرة، التى كان لها أثر إيجابى فيما بعد على حرب أكتوبر. منها قضية هبة سليم، الجاسوسة التى كلفتنا الكثير، ولو لم يتم القبض عليها قبل الحرب كانت ستحدث فارقاً فى حرب أكتوبر بشكل كامل، خاصة أنها كان لديها أحد المصادر الهامة داخل الجيش، وجاءت إلى مصر بمعجزة؛ حيث قمت بإحضار ضابط المخابرات المسئول عن قضية هبة سليم، وقلت له: «مخول لك سلطات رئيس الجمهورية، وهبة لن تأتى إلا عن طريق والدها لأنه نقطة ضعفها الوحيدة». فجعلنا والدها يمثل أنه مريض، وأنه فى المستشفى فحضرت لرؤيته، رغم أن المخابرات الإسرائيلية حذرتها من السفر إلى مصر، وقالت لها إن مرض والدها مجرد خدعة، إلا أنها رفضت تماماً، وقالت إنه أبوها ولابد من أن تذهب لرؤيته، وكان لديها من الغرور والثقة بنفسها لدرجة أن تعتقد أن السلطات المصرية لن تستطيع القبض عليها. لقد كانت المعلومات التى ترسلها هبة سليم على مستوى عال جداً من السرية والأهمية، وكانت فارقة فى مكسب أو خسارة حرب أكتوبر 1973 حال استمرار تدفقها.

القضية الثانية التى كشفنا عنها قضية «راندوبولو» وهى من القضايا الهامة فى المخابرات، حيث كان صاحب مزارع عنب وعلى اتصال بسلطات عالية جداً فى الدولة، وكان من أهل البيت كما يقال، وقُبض عليه، والسفارة الأمريكية التى كان يعمل لحسابها قلبت الدنيا عليه، لكنه اعترف، وكان يرسل معلومات عسكرية وسياسية هامة لإسرائيل. هذا غير العديد من القضايا فى أوروبا، ونجحنا فيها بفضل الضباط المصريين فى جهاز المخابرات.

كانت البداية على بُعد بضعة أميال جنوب غربى الإسكندرية فى منطقة اسمها جاناكليس حيث كان يوجد بها مزرعة كبيرة مخصصة كلها لزراعة العنب وإنتاج النبيذ تملكها شركة تحمل ذات الاسم «جاناكليس»، وكان يملكها واحد من أكبر رجال الأعمال وينتمى لأسرة بيراكوس. وكان من بين موظفى المزرعة الكبار رجل ينحدر من أبوين كانا هاجرا إلى مصر وأقاما فيها وحصلا على الجنسية المصرية، كان اسمه «طناش راندوبولو»، وحين صدرت القرارات الاشتراكية فى يوليو سنة 1961. طُبقت قوانين التأميم على المزرعة وتقرر أن يبقى راندوبولو فيها كمدير لها. وكان راندوبولو فى نحو الستين من عمره، على قسط كبير من الجاذبية والمقدرة وانتُخب مرتين عضواً فى مجلس الأمة عن الدائرة التى تقع فيها المزرعة والتى كانت بالفعل إقطاعية لتلك الشركة، وكان يقيم معظم الوقت فى استراحة جميلة فى المزرعة، مثالاً لرجل العلاقات العامة الناجح بما يوزعه على الجهات المختلفة من النبيذ والبراندى والفواكه. إلى أن كان العام 1970 حين اكتسب جاراً جديداً على حدود المزرعة مباشرة، حيث خُصص المطار القائم هناك للطائرات السوفيتية للدفاع عن الأسطول السوفيتى فى البحر الأبيض المتوسط وعن المواقع المصرية فى العمق.

واستطاعت المخابرات الأمريكية أن تصل إلى طناش راندوبولو وتقنعه بأن يبلغها بكل أوجه النشاط السوفيتى فى القاعدة الجوية، وكان مرد نجاح المخابرات الأمريكية فى إقناعه أن له ابناً هاجر إلى الولايات المتحدة وكان شديد الاهتمام إلى حد كبير بمساعدته وقد تم اتصال المخابرات الأمريكية به عن طريق فتاة اسمها «مس سوين» كانت تعمل فى الظاهر كسكرتيرة فى قسم التأشيرات فى القنصلية الأمريكية، فى ذات الوقت الذى حامت فيه الشبهات من قبَل رجال المخابرات المصرية حول راندوبولو وبدأوا يراقبونه والتقطوا ثلاث رسائل مكتوبة بالحبر السرى تتضمن معلومات عن القاعدة وألقوا القبض عليه فى منطقة العجمى وكان معه يومها أمريكى قدم بطاقته الدبلوماسية فأُخلى سبيله.

أما مس سوين فكانت لا تحمل جواز سفر دبلوماسياً، وبالتالى ليست لها حصانة. وكانت على وشك الهروب إلى خارج مصر بعد القبض على طناش راندوبولو، لكن خلال عودتها من منزل صديق لها، وبينما كانت تتجه نحو منزلها، بعدما تركت سيارتها، تقدم منها رجلا مخابرات بالملابس المدنية فحاولت الهروب لكنهما تمكنا من القبض عليها واصطحابها إلى إدارة المخابرات العامة وتفتيش شقتها. وحرصتُ كمدير للمخابرات العامة على أن يتم تصوير العملية كلها بآلة سينمائية حتى لا يكون هناك مجال للمناقشة بشأن حقيقة ما حدث وأسلوب القبض على «سوين» من قبَل السفارة الأمريكية التى أقامت الدنيا ولم تقعدها بعد القبض على مواطنة أمريكية، واتهمنى «دونالد بيرجس»، مندوب المخابرات فى السفارة وقتها، بأننى قدمت للرئيس السادات معلومات خاطئة، ولكن كان كل شىء مثبتاً باعتراف المتهم راندوبولو بالصوت والصورة.

وبذل الأمريكيون كل الأساليب الممكنة لإطلاق سراح سوين، وقد تم ذلك بعد شهور عدة. وأما طناش راندوبولو فقد كان فى حالة انهيار تام منذ اللحظة الأولى لاعتقاله ومات بأزمة قلبية.

من القصص الغريبة التى واجهتها فى بداية عملى بالمخابرات، أنى وجدت لزاماً علـىّ استبعاد العناصر القريبة جداً من مراكز القوى، ولأنهم كانوا متميزين جداً، قلت لهم: اختاروا المكان المناسب الذى تريدون أن تنتقلوا إليه. ومن ضمن الحالات الإنسانية التى لا أنساها أن قانون المخابرات العامة وقتها كان يمنع أن يكون أى ضابط على علاقة قرابة أو نسب بأى من الشخصيات الكبيرة أو الضباط الكبار فى نفس المكان، وكان يوجد ضابط اسمه حسن حفنى كان محل تقدير جدا بالنسبة لكل العاملين معه، وكان مرتبطاً بابنة شعراوى جمعة، فقاموا بتخييره بين أن يترك خطيبته ليظل فى عمله، أو الانتقال إلى مكان آخر غير المخابرات العامة، لكنه اختار التمسك بخطيبته فاستدعيته وقلت له: أنا معجب بك لأنك تمسكت بخطيبتك.

لقد ساعدنى فى عدم القيام بعملية تطهير فى جهاز المخابرات، وجود عدد من تلاميذى عملوا معى فى الجيش، وكنت أعرفهم جيداً؛ ولذا لم أستبعد أياً منهم، واكتفيت باستبعاد رئيس الجهاز السابق وثلاثة من القيادات لعلاقتهم بمراكز القوى.

فى تلك الفترة، كانت أعيننا على جبهة القتال، ونصحت المسئولين باصطحاب الأسرى الإسرائيليين فى العمليات فى جولات على الأهرامات والمتاحف المصرية، وكان القصد منها كسر الروح المعنوية لدى الجندى الإسرائيلى وأن يعرف أن الشعب المصرى من أرقى الشعوب.

بعد عام من عملى فى المخابرات التقيت الفريق محمد عبدالغنى الجمسى بالمصادفة فى مطار القاهرة الدولى، وكان كل منا يودع أحد المسئولين الأجانب، وأثناء خروجنا معاً من المطار قلت له هامساً: «متى ستحاربون يا جمسى؟» فكان رده: «سنحارب عندما تصبح أنت وزيراً للحربية وقائداً عاماً للقوات المسلحة وعندما تتولى هذه المسئولية ستعلم لماذا لم نحارب كل هذه الفترة السابقة والحالية».

وقتها كنت ما زلت رئيساً للمخابرات العامة، وألتقى الرئيس السادات بشكل مستمر بحكم عملى، وكان لا يملّ من سؤالى عن أوضاع الجيش والبلد كله، وكنت أرد بنفس الإجابة التى كان مقتنعاً بها دائماً: «مصر لا تستطيع أن تحارب بشكل كامل، لا بد من خطة مختلفة».

وكان أن عرضت على الرئيس أنور السادات أن يزور المخابرات، وكانت المرة الأولى فى تاريخ مصر التى يزور رئيس الجمهورية فيها المخابرات العامة، لرفع الروح المعنوية للضباط، ويومها قال السادات كلمة للضباط، وزار غرفة العمليات وبدأ يؤكد على العمليات التى تخدم الحرب.

ونشطت فى تلك الفترة دراسات الحدود الآمنة وباب المندب، التى تولتها المخابرات العامة، كما أن دراسة الأعياد اليهودية لاختيار اليوم قامت بها المخابرات العامة أيضاً، وساعتها علم الجميع معى أن مصر ستخوض الحرب ضد إسرائيل.

قبلها كان يراودنى شك فى محاولة عمل انقلاب على السادات، لكن انقطع الشك باليقين بعد أن استمعت لتسجيلات المؤامرة وقتها، وعلمت أن الرئيس كان على حق فيما فعل.

كنت أومن بأن مهمة المخابرات الأولى هى حماية المصريين من العدو، وأن أول ما ينبغى القيام به هو إعادة الثقة بين الجهاز والناس، ومن هذا المنطلق بدأت خطوات من قبيل تبديل الصورة المرسومة عن المخابرات فى أذهان الناس، وأعلنت أنه يجب أن نمسح مصطلحات غسيل المخ وإدارة التعذيب من قاموس المخابرات. بالطبع لم يكن الأمر بالسهل، لكنى كنت دائم التأكيد على أن جهاز المخابرات العامة لن يكون فى يوم من الأيام سيفاً مصلتاً على رقاب الشعب المصرى أو العربى، لكنه سيكون الند والصديق المخلص لكل مواطن فى الداخل وفى الخارج.

واستطعنا توظيف الخبرة فى تحقيق العديد من أهم إنجازات عهد الرئيس السادات، مثل القضاء على الحالة المتوترة، التى وصلت إليها العلاقات العربية المصرية بسبب الأنشطة التى كانت المخابرات المصرية تمارسها داخل دول عربية، وكنت ألقن الضباط ضرورة الإيمان بالحرية الفردية والمجتمع المفتوح.

كان رجال المخابرات يسابقون الزمن، لا لكشف عمليات التجسس التى تحاول إسرائيل من خلالها اختراق الجبهة المصرية سياسياً وعسكرياً وحسب، ولكن أيضاً كانوا يواصلون الليل بالنهار لجمع أكبر كمّ من المعلومات عن العدو وتحركاته وعتاده الحربى، والموقف على الجبهة الداخلية له؛ ولذا أنشأنا فى جهاز المخابرات إدارة أطلقنا عليها اسم «إدارة الخداع» كانت مهمتها تزويد العدو بمعلومات مضللة عن مصر عبر عملائنا المنتشرين على خط المواجهة. وربما لن أكشف سراً إن قلت: إنه كان لدينا قبل نشوب حرب أكتوبر أكثر من عشرة عملاء نجحنا فى تجنيدهم من بين القوات الإسرائيلية المتمركزة فى خط بارليف. ولم يستطع «الشين بيت» أو إدارة الأمن العام المختصة بمكافحة التجسس داخل إسرائيل اكتشافهم، أو معرفة أن من بين جنودها وضباط جيش دفاعها فى حصون بارليف من يتجسس لصالح مصر، ولا أخفى سراً آخر إن قلت: إن نحو 85 ٪ مما حصلت عليه إسرائيل من معلومات عسكرية وسياسية عن مصر تم تسريبه لها من جهاز المخابرات العامة. كنا نعلم أنه، وبعد نكسة يونيو 1967، قد وقع فى يد إسرائيل الكثير من الخرائط والمعلومات والبيانات عن وحدات قواتنا المسلحة، وكان ذلك نتيجة الانسحاب المتسرع غير المخطط له؛ ولذا كان علينا مضاعفة المجهود المخابراتى لجعل تلك المعلومات لا قيمة لها، أو على الأقل تقليل أثرها. لقد حصلت المخابرات المصرية على معلومات عبر عملائنا على الجانب الإسرائيلى فى غاية الخطورة، منها خرائط حقول الألغام التى زرعتها القوات الإسرائيلية حول مواقع المدافع الثقيلة ومرابض الدبابات، وخرائط أخرى سرية لمولدات الكهرباء فى خط بارليف، وأماكن خزانات النابالم، ومواقع غرف الضباط والجنود فى خط بارليف ونظام الحراسات الليلية على الجبهة الشرقية للقناة، وأنواع الذخائر وخرائط مخازنها فى سيناء وغيرها من المعلومات التى ساعدت فى الإعداد للحرب.

كثيراً ما لمح لى مراقبون سياسيون أن اختيار السادات لى لرئاسة المخابرات العامة ما هو إلا تمهيد لتولى أمور القوات المسلحة، لكن بعد أن تتهيأ الأمور، وكان هذا صحيحاً فيما بعد، وعلمت أن السادات كان ينوى أن يعهد إلىّ بمهمة قيادة القوات المسلحة من البداية، ولكن لحكمته لم يفعل ذلك مباشرة، وجعل من محطة المخابرات الخطة الأولى لهدفه. وكنت لذلك الرجل العسكرى الوحيد الذى رافق الدكتور عزيز صدقى رئيس الوزراء المصرى فى زيارته إلى موسكو بينما بقى وزير الحربية فى القاهرة.
كنا نسابق الزمن لكشف عمليات التجسس.. وراودنى شك فى محاولة لترتيب انقلاب على «السادات»

الواقع أن مسئولية إدارة جهاز المخابرات المصرية جعلتنى غير بعيد بل ربما قربتنى جداً من القوات المسلحة ورفاق السلاح والعمر، لكننى برغم تلك المشاركة والاقتراب المباشر من القوات المسلحة، لم أتوقع أن يجىء اليوم الذى أعود فيه إلى القوات المسلحة مرة ثانية وإلى صفوف الجيش.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin
avatar

عدد المساهمات : 690
النشاط : 1701
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: رد: مذكرات المشير أحمد اسماعيل    الجمعة مايو 16, 2014 7:38 pm

المشير أحمد إسماعيل يكشف مشوار الصداقة مع الفريق عبدالمنعم رياض.. ويطرح دراسة تضرب نظرية الحدود الآمنة لإسرائيل فى مقتل

الحلقة الرابعة

رأيت الفريق عبدالمنعم رياض للمرة الأولى عندما كان «باش شاويش» الكلية الحربية بعد تخرج دفعة حافظ إسماعيل، التى تولت بعد ذلك إدارة الكلية، وكنا نحن فى القسم المتوسط، من يوليو 1937 إلى فبراير 1938، ثم تولينا إدارة الكلية كضباط صف بها. كان رياض -رحمه الله- عابس الوجه، شديد العسكرية، ولم يكن بينى وبينه أى عمار، حتى إنه كان يعطينا طابورا زيادة دون سبب، ولذلك كنت دائماً أحاول جاهداً ألا أقابله فى ممر أو طريق حتى لا أتعرض لعقابه.

وتخرجنا وتفرقنا، توجه هو إلى سلاح المدفعية المضادة للطائرات، وكان من «الفطاحل» فى هذا المجال، وتوجهت أنا إلى المشاة وشققت طريقى. ولم نلتق فى أثناء الخدمة إلا قليلا جدا، وفى مناسبات متباعدة، إلى أن عدت من الكونغو وألحقنى المشير بالعمليات الحربية لأتولى قسم التخطيط فى هذه العمليات، وكان رئيسها الفريق محمد فريد سلامة، وكان الفريق رياض نائب رئيس هذه العمليات، وبدأ احتكاكنا ببعض، وكان أهم شاغل لنا ولهيئة العمليات فى هذه الأيام، هو وضع خطة دفاعية سليمة، أذكر أن اسمها كان «نمر» أو «فهد». كان ذلك فى العام 1961، وكان الفريق رياض يتولى تدريب الجند على هذه الخطة قبل نقلى إلى العمليات. وفى مؤتمر دراسة الخطة أجريت تعديلاً جوهرياً فى بنودها، على أساس النطاقين الأول والثانى الدفاعيين، وكيفية وضع النسق الثانى والاحتياطيات، فعارضنى الفريق رياض طويلاً، ثم قال لى فى نهاية النقاش: «الفيصل هو الأرض»، فقلت له: إننى أعرف أرض سيناء جيداً وأحفظها عن ظهر قلب. ووقتها انتقل هو ومعه بعض ضباط العمليات إلى سيناء، فى رحلة استغرقت أسبوعاً، عاد بعدها وقال لى: «أنا أحترمك وأحترم رأيك وتفكيرك العسكرى، ولقد عدّلت الخطة على أساس ما ذكرت من آراء». وكانت هذه بداية صداقة ومحبة قلبية بيننا. وأصبح يأخذ رأيى فى كل خطوة يخطوها فى العمل بعد ذلك. وكان المشروع الاستراتيجى الذى تم على مستوى القيادة العامة، باشتراك الجيش الأول فى سوريا، مجالاً آخر عظيماً لعملنا معاً ودراسة كل منا للآخر.
أجريت تعديلاً على إحدى الخطط فقال لى «رياض»: «الفيصل هو الأرض».. وبعد زيارته أرض الميدان قال «أحترم رأيك وعدلت الخطة»

ودارت الأيام حتى جاء عام 1965 وتزاملنا فى الدراسة بالأكاديمية، وكنا دفعة واحدة، وعملنا معاً، واشتركنا فى المشروع على مستوى مجموعة الجيوش، كان هو القائد وأنا رئيس الأركان فى المشروع، فزادت الألفة والمعرفة والمحبة بيننا. وأذكر أنه عندما سمع بقرار تعيينى رئيساً لمؤسسة تعمير الصحارى، اتصل بى وقال لى «كيف تقبل هذا؟! سأقابل المشير وأذكر له أنه ليس لدينا مثلك فكيف يفرط فيك؟ وكم من الأعوام نحتاج لنعلم ونبنى جنرالاً فى مثل علمك ومعلوماتك وخبرتك؟».

والتقينا مجدداً فى سيناء، عام 1967 قبل الاعتداء، فى مطار تمادة، وقد استدعته القيادة ليذهب إلى الأردن فقال لى: «لا تتركوا صلاح محسن لوحده كيف يكون مصير البلد فى يده فى هذه الفترة العصيبة؟». وحدثت النكسة وعاد من الأردن، وتولى رئاسة أركان القوات المسلحة، وكنت أنا قائد الجبهة، وكان يحلو له المرور وزيارتى من وقت لآخر، ونتجاذب أطراف الحديث عن كيفية مواجهة الأزمة.

كان عبدالمنعم رياض يقول دائماً: «لا أحد يستطيع أن يناقشنى فى عملى إلا شخص واحد هو أحمد إسماعيل». وبعد وفاته، وتعيينى رئيساً للأركان بدلاً منه، كان من الصعب علىَّ فى بداية الأمر أن أدخل مكتبه وأجلس على نفس الكرسى الذى كان يجلس عليه منذ أيام قليلة. فى الحقيقة كانت نفسيتى سيئة، وكلما دخلت المكتب شعرت بوجود عبدالمنعم رياض، لم أستطع تقبل فكرة أن أدخل المكتب فلا أجده؛ لذلك رفضت الجلوس فى مكتب الفريق رياض لفترات طويلة، واخترت بدلاً منه مكتباً مجاوراً احتراماً لعبدالمنعم رياض وتقديراً له، حتى جاء يوم فوجئت فيه بحضور شقيق عبدالمنعم بنفسه إلىَّ، وأخذنى من يدى ودخل بى إلى المكتب وقال لى: «اجلس يا أحمد على كرسيك»، وعندما رفضت سارع بالقول: «خلاص.. سأجلس أنا أولاً على كرسى عبدالمنعم لكى توافق على الجلوس».

ولن أنسى يوم 9 سبتمبر 1969 الذى أزحت فيه الستار عن تمثال عبدالمنعم رياض فى أكاديمية ناصر العسكرية، ويومها قلت فى كلمتى عنه «عاش بطلاً ومات بطلاً». وكان هذا آخر عمل دعائى لى فى القوات المسلحة. ونشرت «الأهرام» بعدها بيومين كلمتى التى ارتجلتها فى الكلية الحربية أوصيهم بالعلم والمعرفة.

السادات والمشير اسماعيل وزيارات متكررة لمواقع تمركز الجنود

ولذا فمهما مرت الأيام، وتوالت الذكريات، فإننى لا أستطيع نسيان ذلك اليوم الذى استشهد فيه هذا البطل. والذى بدأ منذ يناير عام 1969، أى قبل نحو شهرين من استشهاده. حينما كنت أتولى رئاسة هيئة العمليات بالقوات المسلحة، وقررت فى بدء خطة هدفها تدمير خط بارليف بالكامل، وإلحاق الخسائر بأفراد العدو. وقررت قصف خط بارليف بالمدفعية المصرية يوم 8 مارس 1969، ونجحت تلك الضربات فى هدم الدشم الحصينة التى أقامها الإسرائيليون للمرة الأولى. لقد استمر هذا القصف خمس ساعات متواصلة، وفى صباح 9 مارس 1969 توجه الفريق عبدالمنعم رياض، رئيس الأركان، إلى المواقع الأمامية لمشاهدة نتائج القصف بنفسه، وأدرك العدو وجود رئيس الأركان فقصف الموقع، ليسقط شهيداً، ولينتابنى أنا الحزن الشديد على رحيل هذا البطل، الذى كان يتمتع بخصال الرجال، ويزيد عليها فى مستواه الثقافى والعسكرى الراقى الذى يتمتع به. وقبل كل هذا كان صديقاً أثر فـىَّ رحيله بشدة، كنا كثيراً ما نتنافس فى المعلومات العسكرية، وعندما كنت أكسبه، كان يقدم لى زجاجة كوكاكولا، وهو يضحك قائلاً بسعادة: «لك عندى رهان»، لذا لم أتمالك دموعى وهم يخبروننى باستشهاده، كنت أبكى لإدراكى حجم خسارة مصر برحيل هذا الرجل.

أعود الآن إلى قضية الحرب مع إسرائيل، وكما سبق أن قلت كنت مشغولا طوال فترة تقاعدى باصطلاح الحدود الآمنة، الذى يستخدمه المسئولون الإسرائيليون فى مواجهة الضغوط التى تطالبهم بالانسحاب من المناطق المحتلة، وفى تبرير مطالبتهم بضم أجزاء من المناطق المحتلة (كما وضح فى تصريح جولدا مائير لصحيفة التايمز اللندنية فى 8/3/1971 الذى حددت فيه المطالب الإسرائيلية الإقليمية)، وذلك فى نطاق الاتصالات السياسية لحل الأزمة فى الشرق الأوسط بالطرق السلمية، بينما اصطلاح الحدود الآمنة فى حقيقة الأمر هو اصطلاح دخيل على الاستراتيجية العسكرية، تستخدمه إسرائيل للتعبير عن رغبتها فى التوسع الإقليمى -وهو هدفها الرئيسى- وهو كلمة مخادعة براقة، تحمل معنى الدولة التى ترغب فى أن تعيش فى أمن وسلام ولا تبغى من اعتداءاتها التى تضطر إليها إلا أن تكون لها حدود يمكن الدفاع عنها، وبذلك توهم دول العالم بعدالة مطالبها.

ومن ثم فإن الحدود الآمنة اصطلاح لا ينسجم مع المعركة الحديثة فى عصرنا، وبعد أن ثبت فشل مثل تلك الحدود فى الحرب العالمية الثانية، إذ أمكن التغلب على خط «ماجينو» -الذى استنفد ملايين الدولارات فى إعداده وتجهيزه- فما بالنا اليوم بالتطورات الحديثة فى الطيران والصواريخ والأقمار الصناعية والإبرار الجوى والبحرى وخلافه. وهل الحدود الآمنة عبارة عن حدود طبيعية مثل الجبال والأنهار والوديان؟ وهل فى زماننا المعاصر تعتبر مثل تلك الصفات الجغرافية الطبيعية موانع للأسلحة الحديثة والمعدات البرمائية والمعدات التى تسير فى الصحراء وعلى جميع أنواع الأراضى، خصوصاً بعد التوسع فى استخدام الطائرات العمودية (الهليوكوبتر) التى تتمكن من نقل المعدات والأفراد عبر أى نوع من الحدود والأراضى؟

إن إسرائيل تدعى أنها ترغب فى حدود آمنة مع جيرانها العرب، أى نوع من الحدود تلك التى تكون آمنة؟ وما شكلها؟ أهى حدود طبيعية: جبال - صحراء - أنهار؟ وهل تكفل هذه الحدود لها الأمن حقيقةً؟ وهى حدود آمنة مِن مَن؟ ومن أى نوع من العمليات؟ أمن قصف المدفعية، أم من الطيران، أم من الهجوم المدبر، أم من التسلل؟ وهو تسلل الفلسطينيين الفدائيين عبر الحدود إلى أراضيهم الأصلية ووطنهم السليب، وقد أكدت جميع النظريات العسكرية أنه لا يمكن منع تسلل الأفراد مهما عظمت القوات المدافعة ومهما كانت مناعة المواقع الدفاعية؛ فالتسلل ممكن عبر أى نوع من الأراضى وأى نوع من الحدود، وعلى ذلك فكلما كبرت الحدود وزادت قلت فرص الدفاع عنها، وبالتالى سهل التسلل منها.
بعد استشهاد «رياض» وتعيينى رئيساً للأركان بدلاً منه كان من الصعب علىَّ دخول مكتبه حتى جاء شقيقه وأخذنى من يدى ودخل معى

هل تسعى إسرائيل إلى حدود آمنة من قصف نيران المدفعية ضد المستعمرات والمدن؟ على الرغم من علمها بأن مدى الأسلحة الحديثة زاد زيادة كبيرة وأمكن بالمدفعية أن يتم الضرب وبدقة إلى مسافة تصل إلى 25 كم وأكثر، فهناك من الصواريخ متوسطة المدى ما يمكنها أن تصل إلى 80 كم وأكثر، وعلى ذلك مهما كانت الحدود، سواء أكانت صحراوية أم صلبة أم مائية، فلن تمنع من قصفات المدفعية، كذلك فإن سرعة الطيران الحديث والطيران المنخفض الذى يصعب اكتشافه على مسافات بعيدة بواسطة الرادار، ذلك كله جعله يتمكن من عبور أى نوع من الحدود بسرعة فائقة قبل أن يتم اكتشافه، أى إن فرصة الإنذار لن تكون كافية مهما كانت اليقظة ومهما كانت الحدود.

ودار فى رأسى العديد من الأسئلة العسكرية، ومنها كيف تحمى الحدود الآمنة إسرائيل من هجوم الدول العربية عليها؟ كيف تمنع الحدود أى عمليات هجومية مفاجئة؟ فإن مفاجأة الضربة الأولى، سواء كانت جوية أو برية يمكن تحقيقها، لكن العبرة بتلقى الضربة وامتصاصها، ثم توجيه الضربة المضادة، ولم تمنع سيناء ورمالها وجبالها إسرائيل من القيام بالعمليات الهجومية، وعلى العكس أيضاً لن تمنع سيناء قواتنا من القيام بالعمليات الهجومية فى الوقت المناسب.

الحدود الآمنة لمن وضد من؟ آمنة لإسرائيل ضد الدول العربية أم ضد أصحاب فلسطين الشرعيين؟ إذا كان التأمين ضد الدول العربية فإن الدول العربية هى التى تطالب بالحدود الآمنة ضد إسرائيل التى بدأت بالعدوان واعتدت على حدودنا أعوام 48، 56، 67 إذن فإن المنطق يقتضى العكس، فليس من العدل أن تطلب الدول المعتدية أن تؤمن حدودها ضد الدول المعتدَى عليها.

وانتهيت إلى الخلاصة أن «الحدود الآمنة لن تكون كذلك، ولن تؤمن إسرائيل ضد أى نوع من العمليات الحربية إذا كانت النية مبيتة للقيام بأى نوع من العمليات، سواء كانت عمليات إزعاج أو هجوماً فعلياً».

ومنذ انتهاء عمليات يونيو 1967 لم يكف المسئولون الإسرائيليون عن إعلان التصريحات والتفسيرات حول الحدود الآمنة، والمناطق التى ترى إسرائيل الاستيلاء عليها ما يحقق الأمن لها. ولنناقش المناطق التى ترى إسرائيل أنها تؤمن حدودها على لسان مسئوليها، وهل حقيقة ضم هذه المناطق لإسرائيل يحقق لها الأمن؟

طالبت إسرائيل بوجود عسكرى لها فى شرم الشيخ لتأمين الملاحة الإسرائيلية فى خليج العقبة (كما جاء فى تصريح جولدا مائير وفى تصريحات موشى ديان) فهل تأمين الملاحة يحتاج إلى شرم الشيخ وخليج العقبة؟ بنظرة عسكرية مبسطة نستطيع أن نقول: إذا احتل العدو هذه المنطقة يمكن تعطيل الملاحة من أماكن أخرى، وإذا احتل العدو الشاطئ المصرى يمكن تعطيل الملاحة من الشاطئ السعودى المقابل، كما يمكن تعطيل الملاحة من ميناء العقبة نفسه، وإذا كانت منطقة تيران هى أضيق منطقة فى الخليج enterprise فهناك الآن الأسلحة الساحلية، سواء كانت مدفعية ساحلية أو صواريخ «أرض/ أرض» وهى أسلحة بعيدة المدى وتتميز بالدقة فى إصابة الهدف، مما يمكنها من غلق الخليج من الشاطئ، إضافة إلى وجود الغواصات وقدرتها على إغراق أى قطعة بحرية فى المضيق، فتتعطل الملاحة فى الخليج المغلق فى نهايته، فضلاً عن إمكانية استخدام الطيران فى إغراق بعض القطع البحرية فى المضيق.

الجنود تدربوا على مواقع مائية اكبر من قناة السويس قبل بدء الحرب

ثم إن هناك نقطة أخرى يجب ألا نغفلها هنا وهى: إذا كانت إسرائيل تطلب احتلال مضيق تيران بقواتها لتأمين ملاحتها إلى ميناء إيلات وهى الدولة المعتدية، فكيف تؤمن الأردن ميناء العقبة من إسرائيل وهى الدولة المعتدَى عليها؟

وعلى ضوء ما سبق يتضح أن كل ما أورده المسئولون الإسرائيليون للتمسك بشرم الشيخ ما هو إلا حجج واهية، ترمى إسرائيل من ورائها إلى أن تمد حدودها على ساحل البحر الأحمر لمسافة مائتى كيلومتر أو أكثر على شاطئ الخليج، وحتى يمكنها استخدام الطريق البرى الذى أنشأته من رأس النقب حتى شرم الشيخ، كما تضمن وجوداً لها بصفة دائمة فى جنوب سيناء.

نعود إلى الحدود الآمنة، ونضرب مثالاً آخر بمرتفعات الجولان، فهى فى حد ذاتها ليست مانعاً طبيعياً يمنع الاستيلاء عليها، ولكنها تساعد على الدفاع، والدفاع نفسه ليس هدفاً للنصر فى الحروب، بل يعتبر مرحلة الاستعداد للهجوم أو تثبيت قوات فى جهة معينة للهجوم من جهة أخرى، ولا يتم النصر إلا بتدمير قوات العدو وفرض الاستسلام عليه، وهذا لا يتحقق إلا بالهجوم الفعلى، وإذا ركز الهجوم على أى منطقة مهما كانت مناعتها أمكن الاستيلاء عليها، وإذا كانت القوات الإسرائيلية قد أمكنها الاستيلاء على مرتفعات الجولان بالرغم من مناعتها كهضبة مرتفعة حاكمة، فإن القوات العربية يمكنها أن تستولى على المرتفعات بالأسلوب نفسه، أما بالنسبة لادعاء إسرائيل بأنها تحتل قمم الجولان حتى تمنع ضرب المستعمرات الإسرائيلية، فالأسلحة الحديثة لا تحتاج لأن توضع على المرتفعات؛ إذ إن معظم الأسلحة يمكنها الضرب من خلف الهضاب، ويمكن توجيه النيران بالطائرات، ومعظم المدفعية البعيدة المدى لا تحتاج إلى تصحيح النيران بالنظر، إذن فمطالبة إسرائيل بضم الجولان لحمايتها من الجيوش العربية أو لحماية مستعمراتها من ضربات المدفعية السورية يعتبر حجة للتوسع على حساب سوريا.

مثال آخر فى حدود وادى الأردن، وأسأل: هل هى مانع طبيعى حقيقى؟ وإذا كانت كذلك فكيف نفسر دخول وخروج الفدائيين الفلسطينيين يومياً؟ إن الحدود مع الأردن تمتد مسافة 500 كم، وسواء أكانت الحدود وادى الأردن أم خلافه، فإنها تحتاج إلى قوات كبيرة لحمايتها والدفاع عنها أو نقاطاً للمراقبة، إذن فإن الحدود مع الأردن غير آمنة، سواء كانت الحدود القديمة أو الحدود ضد وادى الأردن.

وإذا كانت الحدود هى نهر الأردن، فما الحل بالنسبة للمدن العربية والمليون عربى الموجودين حاليا غرب الأردن؟ هل ينضمون إلى دولة إسرائيل، وعندئذ يصبح داخل إسرائيل أقلية عربية قد تتسبب فى نسف إسرائيل من الداخل فى يوم ما، إذا ما أخذنا فى الاعتبار ارتفاع معدل المواليد بين العرب عنه بين اليهود وهو الوضع الذى يرفضه زعماء إسرائيل؟

وعن المناطق منزوعة السلاح، أقول إنه اقتراح ثبت فشله فى العديد من المناسبات، أذكر منها تجربتنا مع إسرائيل نفسها، فالأرض المنزوعة السلاح يمكن لأى من الطـرفين أو طرف ثالث أن يحتلها فى فترة وجيزة برا كان أو جوا، كما يمكن للدولة المشرفة إداريا على المنطقة منزوعة السلاح أن تجهزها كمسرح مستقبلى للعمليات تحت ستار التحسينات المدنية للمنطقة.

وفى حالة وجود بوليس دولى تابع لهيئة الأمم المتحدة فى المنطقة، وهناك نية من إحدى الدول لانتهاك حيادها، فإن البوليس الدولى كقوة معنوية غير مسلحة لن يتمكن من وقف احتلال هذه الأرض، وقد كان لنا تجربتان مع إسرائيل فى هذا المجال: الأولى هى اعتداء اليهود أنفسهم على منطقة العوجة منزوعة السلاح عام 1955، رغم وجود ممثلى الأمم المتحدة بعد أن طردتهم مع المندوبين المصريين واحتلالها العوجة وفرض سيطرتها عليها ولم تتحرك هيئة الأمم المتحدة، والتجربة الثانية فى حرب يونيو 1967 حين قتلت القوات الإسرائيلية قوات الأمم المتحدة الهنود فى غزة، وهى تعلم أنهم جنود الأمم المتحدة، متحدية بذلك الأمم المتحدة غير عابئة بقراراتها.

ويحضرنى هنا تصريح «أبا إيبان» فى حديث له مع «الأوبزيرفر» البريطانية بتاريخ 18/6/1967، قال فيه «حتى لو تم التصويت فى الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 121 صوتاً ضد صوت واحد لتأييد انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما وراء خطوط الهدنة فإن إسرائيل لن تلتزم بهذا القرار».

هل تتصور إسرائيل أن الحدود الآمنة هى مشكلة عسكرية بحتة أم أنها مشكلة أسلحة وحرب، وأن الأمن مجرد حالة من الاستعداد المسلح فقط يتمثل فى ترسانة ضخمة من الأسلحة المختلفة؟ إن أى دولة تستطيع أن تصل إلى النقطة التى لا يمكنها أن تشترى مزيداً من الأمن لنفسها بمجرد مزيد من المعدات العسكرية، إن العامل الحاسم بالنسبة لأمة قوية مسلحة بالفعل تسليحاً كافياً هو طابع العلاقات الذى يحفظ أمنها الجوهرى والاقتناع بالعدالة وإعطاء كل ذى حق حقه.

ويقول مكنمارا «وزير الدفاع الأمريكى الأسبق»، فى تعريفه للأمن، فى كتابه «جوهر الأمن»: «معناه التنمية وليس المعدات العسكرية وإن كان يتضمن المعدات العسكرية، كما أنه ليس هو القوة العسكرية وإن كان يتضمنها، وليس النشاط العسكرى التقليدى وإن كان يشمله، فالأمن هو التنمية ومن دون تنمية لا يمكن أن يوجد أمن».

كما أود أن أورد هنا فقرة من التصريح الأخير لـ«بن جوريون» السياسى الإسرائيلى العتيد، والأب الروحى لإسرائيل، الذى أدلى به لمجلة «ساترداى ريفيو» فى 25/3/1971، قال فيه: «إن وجود حدود يمكن الدفاع عنها عسكريا لن يكفى فى حد ذاته لضمان مستقبلنا على الرغم من أنها قد تكون شيئاً مرغوباً فيه».

وأعود بذاكرتى إلى عام 1948 وكيف وصلت إسرائيل إلى خليج نعمة، رغم أنها لم تستول على إيلات بالقوة العسكرية، ولم تنشأ معارك فى هذه المنطقة، فإن إيلات التى تتباهى بها إسرائيل وتعطيها أهمية قصوى من الناحية الاستراتيجية والاقتصادية تعتبرها المنفذ الوحيد الحالى إلى البحر الأحمر ودول آسيا وأفريقيا استولت عليها إسرائيل بعد وقف القتال فى عام 1949 فى غفلة منا ومن الأردن ومن العرب جميعاً.
«السادات» كانت لديه نية قوية لإعلان الحرب على إسرائيل فعرضت عليه خطة حرب أكتوبر وأعطيته الخطاب الذى لم أرسله إلى «عبدالناصر».. ثم زارنى فى البيت لأشرح له فكرة الحرب

الاسم العربى لـ«إيلات» وقت الانتداب على فلسطين هو «أم الرشراش»، وقد كان عبارة عن ميناء عربى صغير لقوارب الصيد، يحرسه ستة جنود وضابط صف عربى، وحتى عام 49 وبعد وقف القتال كانت لا تزال بها هذه القوة للحراسة وهى مفتوحة للبعض، ولكى تصل إلى إيلات، كان يجب أن تمر بـ«رأس النقب» وهى منطقة جبلية مرتفعة جدّا، بها طريق جبلى ضيق مرتفع وممتدة فى اتجاه البحر، والطريق نصفه يمر بأرض مصرية والنصف الآخر فى أرض فلسطين، ثم ينحدر نحو البحر إلى طابا، وهى ميناء ضيق مجاور لبئر مياه، وهى أيضاً منطقة صيد، ومن طابا تمر على شاطئ البحر إلى إيلات مسافة 3 أو 4 كم ثم بعد خمسة كيلومترات تصل إلى العقبة، أى إلى العقبة وإيلات على مرأى العين، وبالعكس تقع إيلات بين طابا فى الأراضى المصرية والعقبة فى الأراضى الأردنية مواجهة للأراضى السعودية.

وهذه المنطقة عموماً هى منطقة خلال 20 كم، بين أربع دول هى السعودية والأردن وفلسطين ومصر، ويمكن لأى فرد أن يبدأ من رأس النقب إلى طابا إلى أم الرشراش إلى العقبة إلى الأراضى السعودية متنقلاً بسيارته فى وقت وجيز.

والعقلية اليهودية وضعت فى اعتبارها أهمية هذه المنطقة، وبمجرد وقف القتال عام 1948 استولت على «أم الرشراش» دون قتال، واعتبرتها ميناء إسرائيليا وأنشأت ميناء للداخل يربط «أم الرشراش» بباقى الدول شمالاً.

ومع عجزنا عن القيام بعمل إيجابى، وصلنا إلى طابا ووضعنا الألغام والأسلاك الشائكة ووضعنا قوة صغيرة مجاورة لإيلات، وبدأنا التفكير بعد الحرب فى كيفية منع إسرائيل من الاستفادة بهذا الميناء، باتخاذ إجراءات سلبية لحرمان إسرائيل من الانتفاع بهذا الميناء.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin
avatar

عدد المساهمات : 690
النشاط : 1701
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: رد: مذكرات المشير أحمد اسماعيل    الجمعة مايو 16, 2014 7:40 pm

ونعلم أن البحر الأحمر فى شماله وعند منطقة رأس محمد جنوب سيناء يتفرع إلى خليج العقبة وخليج السويس، وأن مدينتى العقبة والسويس لهما تاريخ قديم من ناحية التجارة مع دول آسيا ومواسم الحج وخليج العقبة، ويستمر البحر شمالاً بين الشاطئين: السعودى والمصرى لمسافة 300 كم، إلى أن يصل إلى منطقة إيلات، وتمثل مواجهة حوالى 5 كم من الشاطئ إلى حدود ميناء العقبة، أى إن الملاحة فى الخليج بين ساحلين سعودى ومصرى، تصل إلى ميناءى إيلات والعقبة، وتقع عند مدخل الخليج وأمام رأس نصرانى بالذات جزيرتان. وعلى الشاطئ المصرى مضيق «إنتر بريز» الذى لا يسمح إلا بمرور سفينة واحدة ذهاباً أو إياباً، والمنطقة حوله كلها شُعب صخرية خطيرة بالنسبة للملاحة، وعلى ذلك فإن البواخر فى هذه المنطقة تهدئ من سرعتها وتسير فى الممر القريب من الشاطئ المصرى، وبذلك يمكن منع مرور السفن فى هذا الممر بأى نوع من الأسلحة، لذلك يمكن من خلال جزيرتى صنافير وتيران ومدينة رأس نصرانى التحكم فى منطقة المرور فى الخليج، ولخدمة رأس نصرانى استخدم ميناء شرم الشيخ وهى جنوب رأس نصرانى كميناء آمن، ووضع رصيف متحرك وأصبح ميناء صناعيا صالحا لرسو السفن الصغيرة، وتم إنشاء مطار بشرم الشيخ ومنطقة إدارية لخدمة منطقة رأس نصرانى التى تتحكم فى الملاحة.

وفى هذه المنطقة أعراب قلائل، والمياه غير متوافرة، لكنها منطقة بها جبال شاهقة ومناطق طبيعية جميلة صالحة جدا للسياحة، وبجوار طابا هناك جزيرة فرعون، والشاطئ فى هذه المنطقة يتميز بالرمال الناعمة والموج الهادئ.

وأنشأت إسرائيل -بعد الاعتداء فى 5 يونيو- طريقاً أسفلتياً على الشاطئ السعودى، يربط إيلات بشرم الشيخ، كما توسعت فى مطار شرم الشيخ، وزودته بممرات إضافية للطائرات.

ولعل من المناسب أن أشير هنا إلى الأهمية الاستراتيجية لخليج العقبة:

1 - يمنح إسرائيل شاطئاً على الخليج الموصل للبحر الأحمر طوله 200 كم بقدر طول ساحلها على البحر الأبيض المتوسط تقريباً.

2 - احتلال إسرائيل شرم الشيخ يعنى إبعاد مصر نهائيا عن خليج العقبة، ويصبح الخليج بعد ذلك مشتركاً بين الأردن والسعودية وإسرائيل، وستكون إسرائيل بذلك هى صاحبة المصلحة الكبرى وصاحبة البناء الأهم فى تلك المنطقة، وستكون لإسرائيل أيضاً أكبر قوة بحرية فى الخليج، فيصبح بذلك الخليج مسيطراً عليه تماماً من إسرائيل.

3 - بوجود الطائرات الإسرائيلية فى مطار شرم الشيخ والبحرية الإسرائيلية فى ميناء شرم الشيخ بعد توسيعه يمكن التحكم فى القوافل المتقدمة من البحر الأحمر إلى خليج العقبة ومدخل السويس ذهاباً وإياباً.

4 - إذا انسحبت إسرائيل من سيناء واستمرت فى احتلال شرم الشيخ، فمعنى ذلك أن لإسرائيل ذراعاً طويلة ممتدة، طولها 200 كم فى اتجاه قلب مصر، أى إنها تختصر المسافة إلى منتصف الوجه القبلى والمناطق المصرية على البحر الأحمر بواسطة الطيران أو البحرية.

5 - هذه الذراع لن تهدد مصر فقط بل ستهدد دول المشرق العربى أيضاً وبصفة خاصة السعودية والعراق والكويت من شاطئ خليج العقبة، كما أنها قربت المسافة لتهديد ميناء السودان الوحيد وهو بورسودان.

والخلاصة أن منطقة شرم الشيخ حيوية من الناحية الاستراتيجية لمصر ووضعها فى يد إسرائيل يعتبر تهديداً مباشراً لأمن الجمهورية العربية المتحدة والدول العربية المجاورة.

أما بشأن التذرع بوضع قوات إسرائيلية فى شرم الشيخ لتأمين إسرائيل، فإن ذلك لا يؤمن ولا يحقق لها أى زيادة فى الأمن، إذ إن الملاحة يمكن تعطيلها من البحر الأحمر قبل وصولها إلى الخليج أو بعد خروجها منه، كما يمكن استخدام الطيران فى إغراق أى قطعة بحرية فى الممر نفسه، وبذلك يمكن تعطيل الملاحة، كما أن الشاطئ السعودى وميناء العقبة يهددان الملاحة أيضاً، بل يهددان إيلات نفسها، بواسطة أسلحة المدفعية الساحلية الحديثة، وإذا كان مبدأ الاستيلاء على الأراضى بغرض التأمين هو الأساس فيجب إذن أن تستولى إسرائيل أيضاً على الشاطئ السعودى ثم تستولى على ميناء العقبة وهكذا.

وحول وضع البوليس الدولى فى شرم الشيخ، إذا وافقت مصر على أن يعمل البوليس الدولى فى هذه المنطقة، فإنه سيحصل على أرض مصرية بحتة، ويجب أن يستند إلى قاعدة فى سيناء، وليس على إيلات، حيث إن إسرائيل أنشأت طريقاً يصل إيلات بشرم الشيخ وأن إسرائيل بإنشائها هذا الطريق تعلم مقدماً قيمته بالنسبة لها، سواء استمرت فى شرم الشيخ أو سلمتها للبوليس الدولى، وبذلك لا تصبح المنطقة مفتوحة على إسرائيل.

وإذا عقدنا النية على مواجهة النيات العدوانية الإسرائيلية المقبلة فى المنطقة يجب علينا السعى لتحقيق التالى:

1 - تدعيم ميناء العقبة وتأمينه بالمدفعية الساحلية وعمل التحصينات اللازمة، كما يجب إنشاء مطارات حول المنطقة محصنة بالدعم اللازم للطائرات.

2 - الاهتمام بالزوارق خفيفة الحركة السريعة المسلحة بالأسلحة الحديثة، للعمل كدوريات منتظمة فى منطقة ميناء العقبة.

3 - اهتمام المملكة العربية السعودية بشاطئها المقابل لخليج العقبة مع استغلال الموانئ الصغيرة به والقيام باستخدام قوارب حديثة أيضاً مع استخدام المدفعيات الساحلية المتحركة على شاطئها.

4- تهتم مصر بمنطقة البحر الأحمر من ناحية المطارات والموانئ، مع عمل تحصينات كاملة فى هذه المناطق والسيطرة على البحر الأحمر، بواسطة الزوارق السريعة خفيفة الحركة، ذات الدوريات المستمرة، وذلك بالاشتراك مع السعودية والسودان.

5 - عمل عدد من النطاقات للإنذار والدفاع الجوى من البحر الأحمر حتى وادى النيل.

6- وبما أن تخطيط إسرائيل عند الاستيلاء على هذه المنطقة هو التوسع على مراحل، فيجب أن تتم دراسة كاملة بتشكيل لجنة عسكرية من الدول الأربع «مصر والأردن والسعودية والسودان» لعمل دراسة وافية ووضع خطة عمل يبدأ تنفيذها بطريقة سوية من الآن وعلى مدى طويل.

كان الرئيس أنور السادات يريد أن يدخل الحرب ضد إسرائيل، وكانت مبادرة «روجرز» نتيجة للاشتباكات بين مصر وإسرائيل وحرب الاستنزاف بينهما، التى دامت لأكثر من عام ونصف العام، تصاعد خلالها القتال تصاعداً عنيفاً، وتقدم وليم روجرز، وزير الخارجية الأمريكية، بمبادرة يوم 5 يونيو عام 1970، لإيقاف النيران 90 يوماً، وأن يدخل الطرفان فى مفاوضات جديدة، عن طريق السفير يارنج، لتنفيذ القرار 242، وبالفعل استجاب الطرفان لإيقاف النيران فى 8 أغسطس، بنفس العام، إلا أن إسرائيل لم تفِ بالشق الثانى، وأمريكا لم تمارس أى ضغط على إسرائيل للاستجابة لمبادرة روجرز، وأعلن الرئيس السادات أن مصر ترفض مد وقف إطلاق النار أكثر من هذا التاريخ، رفضاً لسياسة الأمر الواقع. وبعد انتهاء ميعاد مبادرة روجرز، لم تكن لدى السادات أى حلول نهائيا، والجيش غير مستعد، حتى القادة غير مستعدين، ولم يستطع الجيش المصرى وقتها شن حرب شاملة يحرر بها أرض سيناء بالكامل، وإمكانياته لا تسمح بذلك، فماذا كان الحل وقتها؟ إما حرب استنزاف مرة أخرى، وهى مكلفة لإسرائيل لكنها فى نفس الوقت مكلفة لمصر، أو حرب تحرير شاملة، وبدا أن هناك نوعاً من عدم وضوح الرؤية، كما أن الرئيس السادات أعطى توجيهات للفريق محمد صادق بالإعداد لحرب.

كنت بحكم عملى كرئيس لجهاز المخابرات العامة أقابل السادات بشكل مستمر، حيث كانت المخابرات تلعب دورا مهما جدا فى تاريخ مصر، بسبب قضايا التجسس المهمة، التى كشفتها المخابرات فى ذلك الوقت. وخلال مقابلاتى مع الرئيس السادات لعرض شئون المخابرات عليه، كنت أعلم أن السادات لديه نية قوية لإعلان الحرب على إسرائيل، فانتهزت الفرصة وعرضت عليه خطة حرب أكتوبر وتحرير سيناء على مراحل، والحصول على جزء من الضفة، وأعطيته المقال والخطاب اللذين كنت أريد إرسالهما قبل ذلك إلى الرئيس عبدالناصر، وبالفعل أخذهما السادات وقرأهما وشعر أن هذه الخطة هى المخرج الوحيد لمصر، خاصة أن الرئيس السادات كان قد أعلن أن هذه السنة هى سنة «الحسم».

فى أحد أيام شهر رمضان عام 1972، كان «سيف» ابنى الأصغر، وهو طالب فى كلية الطب، يذاكر على منضدة «السفرة»، ووجد سيارة نصف نقل تدخل إلى جراج الڤيلا بظهرها، وكانت غرفة السفرة تطل على الجراج، واعتقد سيف فى البداية أن السيارة أخطأت ودخلت إلى الڤيلا بطريق الخطأ، لكنه اكتشف أن عليها مُجسماً يحمله 3 أشخاص، مصنوعاً من الأسمنت، على شكل سيناء، ثم فوجئ بدخولى والرئيس السادات عليه فى غرفة السفرة وأمرناه بمغادرتها، وبدأ السادات يقول لى «اشرح لى الفكرة التى أخذتها منك، وكيفية تنفيذها»، فبدأت أشرح الفكرة، وظللت لمدة أسبوع ما بين منزل الرئيس السادات ومنزلى، وبعد انتهاء الأسبوع اتصل بى الرئيس وطلب منى الحضور لمنزله، وكنا وقتها ما زلنا فى شهر رمضان، وقال لى السادات «رشح لى 5 أشخاص من الجيش المصرى لتنفيذ الخطة التى تم وضعها»، فرشحت 5 من القادة الموجودين فى الجيش، لكن السادات لم يوافق على أى منهم، وقال لى: «واضح أنه قدرك يا أحمد، وأنا أريدك أن تتولى رئاسة الجيش المصرى وتنفذ خطة حرب أكتوبر».
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin
avatar

عدد المساهمات : 690
النشاط : 1701
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: رد: مذكرات المشير أحمد اسماعيل    الجمعة مايو 16, 2014 7:44 pm

المشير أحمد إسماعيل يكشف تفاصيل العام المثير الملىء بالأحداث ومهمة إعادة الثقة للقوات فى خوض الحرب

الحلقة الخامسة

كان اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى 24 أكتوبر 1972، الذى انعقد فى مكتب الرئيس بالجيزة فى الساعة التاسعة مساءً واستمر ثلاث ساعات وربع الساعة، يعتبر أخطر اجتماع تاريخى، إذا أردنا أن نقيّم الوثائق العسكرية لحرب أكتوبر.

لقد حدد الرئيس السادات فى هذا الاجتماع الموقف بحسم، دون أن يسمح بأى تراجع أو تشكيك، الموقف هو الحرب.. تحريك القضية عسكريّاً، وأعلن للقادة فى هذا الاجتماع أنه ليس الرجل الذى يناور لكى يحتفظ بكرسى الرياسة.. وأعلن أنه لن يستسلم وأن الموت فى سبيل الأرض أشرف من هذه الحياة المهينة. وقال لأعضاء المجلس الأعلى إنه يستدعيهم، ليبلغهم هذا القرار المصيرى، لا مناقشة فى قرار الحرب، ولكن يجب الاستعداد بالتخطيط والدراسة، والاعتماد على ما نملك من تسليح.. وعلينا أن نعوض التفوق الإسرائيلى بروح العسكرية المصرية.. بروح المقاتل المصرى.. بشجاعة الإنسان المصرى.

وفى هذا الاجتماع اتضح أن بعض القادة لا يريدون الحرب. وقد كونوا تفكيرهم على أن إسرائيل ستنتصر، وتضرب فى الأعماق، وستكون النتيجة خراباً.. وذلك بسبب موقف الاتحاد السوفيتى من ناحية التسليح.


وغضب أنور السادات فى هذا الاجتماع، وأصر على قرار الحرب، وأعلن أنه مؤمن بالعسكرية المصرية. وإذا كانت إسرائيل متفوقة فى الجو، فلن تتفوق أبداً على الأرض، وأنه علينا أن نواجه قدرنا ومصيرنا بشجاعة.. إن الاتحاد السوفيتى لن يحارب من أجلنا ونحن نرفض أن يحارب أحد من أجلنا. هذه معركتنا. إما أن نكون أو لا نكون، هذا قدرنا التاريخى، ويجب أن نواجهه.

كانت جلسة عاصفة.. ولكن غالبية أعضاء المجلس الأعلى أعلنوا أنهم مصرون على المعركة.. ومستعدون للتضحية.

وبعد هذه الجلسة صدرت قرارات الرئيس بإعفاء الفريق صادق.. واللواء عبدالقادر حسن مساعد وزير الحربية.. واللواء محمود على فهمى قائد البحرية.. الذى كان قد تدخل فى المناقشة العنيفة لتهدئة الجو.. ولكن كلماته صدرت وكأنها مؤيدة لما قاله اللواء عبدالقادر حسن.
اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى 24 أكتوبر 1972 فى مكتب الرئيس بالجيزة استمر 3 ساعات وربع الساعة.. وأعلن «السادات» أنه اختار الحرب وأنه ليس الرجل الذى يناور من أجل الاحتفاظ بالكرسى

قال السادات لهؤلاء: لو أخذت بمنطقكم.. إن شاء الله نقعد 50 سنة فى هذا الوضع.. لقد سمعت هذا الكلام كثيراً.. والرجولة، والوطنية، تفرضان علينا أن نحرر الأرض ونواجه امتحان التاريخ.

وليعذرنى القارئ أننى اضطررت لحذف فقرات قليلة من هذه الجلسة التاريخية، حفاظاً على أسرار عسكرية، عندما ناقش الرئيس القادة فى الاستعدادات العسكرية..

جاء نهار أحد الأيام المهمة والحاسمة فى تاريخ حياتى كلها، بل لعله أهمها على الإطلاق.

وبرغم مضى أكثر من عامين فإننى أتذكر ملامحه تفصيلاً.

التاريخ: 26 أكتوبر عام 1972 (19 رمضان 1392)، الساعة الثالثة بعد الظهر.

المكان: منزل الرئيس محمد أنور السادات بالجيزة.

كنا نسير، سيادته وأنا، فى حديقة المنزل، ولم أكن أدرى سبب استدعائى، لكننى توقعت أن يكون لأمر هام وخطير، من عادة السيد الرئيس فى شهر رمضان ألا يقابل مسئولاً إلا بعد الإفطار.

وبعد حوار قصير عن الموقف حدث ما توقعته، حيث أبلغنى سيادته بقرار تعيينى وزيراً للحربية اعتباراً من ذلك اليوم.

وفى نفس الوقت كلفنى بإعداد القوات المسلحة للقتال بخطة مصرية خالصة، تنفذها القوات المسلحة لتخلص بها الوطن من الاحتلال الصهيونى.

كان لقاؤه بى ودوداً إلى أقصى حدّ.

وكان حديثه معى صريحاً إلى كل حدّ.

وعندما انتهى اللقاء وركبت السيارة لتنطلق بى عبر شوارع القاهرة، بدأ شريط طويل من الذكريات والأحداث والظروف يمر فى ذهنى وأمام عينى.

ها أنا أعود مرة أخرى لأرتدى الملابس العسكرية.

كانت آخر مرة خدمت فيها يوم 12/ 9/ 1969 عندما استدعانى وزير الحربية وأبلغنى بقرار إعفائى من منصبى كرئيس للأركان، وبرغم مضى أكثر من خمس سنوات فإننى لا أزال أذكر أننى قلت لوزير الحربية لحظتها «كل ما رجوته أن أتمكن من الاشتراك فى القتال عندما يتقرر قيام القوات المسلحة بحرب شاملة ضد إسرائيل، وفى هذه الحالة أرجو أن أعود للخدمة ولو كقائد فصيلة أو جندى...».

وانصرفت إلى منزلى، وكان ظنى أنه لن تُتاح لى فرصة العودة إلى صفوف القوات المسلحة مرة أخرى.

وبت شهوراً طويلة أمارس حياتى كـ«لواء» متقاعد، أتقاضى معاشى، وفى سنة 1970 رُفع معاشى إلى معاش وزير، وإن كان ذلك يعنى ردَّ اعتبار لى فإنه لم تكن به إشارة إلى احتمال عودتى للعمل الرسمى.

ومرت أشهر عديدة، وظروف مختلفة ولم ينقطع تفكيرى خلالها عن القوات المسلحة، لدرجة أننى تخيلت نفسى وكأننى لا أزال فى الخدمة، وتصورت ما كنت سأفعله حينذاك، وكتبت تقريراً عما يمكن أن تقوم به القوات المسلحة فى أى عمليات مقبلة لاقتحام قناة السويس والانطلاق لتحرير الأرض. فكرت فى أن أطلب مقابلة الرئيس جمال عبدالناصر لتسليمه هذا التقرير، وفى اللحظة الأخيرة ترددت ثم رفضت الفكرة نهائيّاً منعاً من تأويلها إلى أبعد من حقيقة هدفى المجرد.

وفى فجر 14 مايو 1971 أصدر الرئيس محمد أنور السادات قراراً بتعيينى رئيساً للمخابرات العامة، والحق أعترف أننى سعدت بهذا القرار فقد كان تقديراً لى كجندى وهب حياته لمصر. كانت فرصة لى للإسهام بشكل ما فى خدمة بلدى وفى معركتها المقدسة..

وبدأت أمارس مهمتى الجديدة، والواقع أن تلك المسئولية جعلتنى غير بعيد، بل ربما جعلتنى قريباً جدّا من القوات المسلحة ورفاق السلاح والعمر، لكننى برغم تلك المشاركة والاقتراب المباشر من القوات المسلحة لم أتوقع -كما ذكرت يوماً- أن أعود للخدمة فى صفوفها مرة أخرى، لكن ها هو اليوم قد جاء عندما كلفنى القائد الأعلى بالمهمة.. ومع ضخامة المسئولية وخطورة حجمها فإننى كنت على قدر كبير من التفاؤل والثقة بالنفس، وبشكل مبدئى أجريت بناءً على ما لدىّ من معلومات تقديراً شاملاً للموقف.

وليس سرّاً أن القوات المسلحة المصرية كانت تعانى مشاكل عديدة تطلبت منى أن أضع أولويات لها وفق خطة سليمة وبدقة.

من هذه المشاكل على سبيل المثال:

1- مضى 5 سنوات والقوات المسلحة رابضة فى خنادقها على جبهة القناة. وبهذا أصبح الأفراد مهددين بما يُطلق عليه عسكريّا مرض الخنادق من طول المدة، وذلك أمر خطير يؤثر على الروح المعنوية وكفاءة القتال.

2- السياسة دخلت إلى القوات المسلحة من الباب الخلفى، لكثرة الأحاديث السياسية من غير المختصين، واهتزت الثقة وتخلخلت فى نفوس بعض القادة وبين صفوف القوات المسلحة بحيث لاح مرض التراخى شبحاً يوسوس بعدم المقدرة على أى عمل قتالى.

3- نتيجة ما سبق -وهو فى الوقت نفسه بالغ الأهمية- أصبحت كفاءة الخطة الدفاعية عن الدولة موضع شك وساءت التجهيزات الهندسية وأُهمل العمل تماماً فى تحسين أوضاع القوات، بحيث صار الحال فى مواقع الجبهة بغير تجاوز دون المستوى المطلوب.
فى 26 أكتوبر 1972 استدعانى الرئيس لمنزله وأبلغنى بقرار تعيينى وزيراً للحربية وكلفنى بإعداد القوات للقتال بـ«خطة مصرية خالصة»

وترتيباً على ما وجدت من مشاكل وبخطة مدروسة ذات أهداف محددة واضحة كنت أتحدث إلى القادة والضباط والجنود بإصرار أن القضية لن تُحل إلا بالحرب، لكن البعض كان يبتسم كأننى أتحدث عن خيال؛ لأنهم كانوا قد وصلوا إلى درجة اقتنعوا معها بأنه لا قدرة على ذلك الحل.

وعندما كان يقال إن مصر وسوريا ستتحدان فى عمل مشترك ضد العدو كانت الظروف المتشككة عارضة، ولن تفتّ فى عضد الرجال ولن تؤثر فى معدن الإنسان المصرى الذى حارب وانتصر عبر العصور.

أفقت من حديثى لنفسى فى السيارة التى أعادتنى لمنزلى بعد تكليفى من الرئيس بتولى وزارة الحربية، واتصلت من تليفون السيارة بابنى الأكبر محمد، وأخبرته بأن يأتى إلى المنزل، وبالفعل جاء محمد وكنت أجلس فى غرفة نومى، ودخل محمد وكان يقف على باب الغرفة ابنى سيف، وأخبرتهما بأن السادات عيننى وزيراً للحربية ودار بيننا هذا الحوار:

محمد: وافقت؟

قلت: أيوه.

محمد: لو وافقت تكون غلطان، لأنك لو انتصرت فلن تكون صاحب الانتصار، وإذا خسرت فستكون فى وجه المدفع وستتحمل الخسارة كاملة.

قلت: لو كل واحد قال هذا، فلن تحارب مصر، وأنا وافقت من أجل بلدى، وكان شيئاً غريباً وقتها، حيث بكى ابنى سيف خوفاً علىَّ، واعتبرت أسرتى أنه من الغريب أن يوافق من يشغل منصب مدير المخابرات على تولى قيادة جيش متهالك، ومن المحتمل ألا يكسب الحرب وأن تتكرر هزيمة 1967.

وبدأت تنفيذ الخطة فى ظل الإمكانيات الموجودة فى الجيش، وتطورت الفكرة وعرضت على القوات المسلحة، وأصررت على الحصول على تصريح مكتوب من الرئيس السادات، وعندما ذهبت إلى الجيش واجتمعت بكل القادة، قلت لهم: «يا جماعة، نحن الآن نريد أن نحارب، ماذا نفعل لكل واحد من أصغر عسكرى لأكبر ضابط؟»، وطفت على الجبهة وقلت لهم: «السلاح بالرجل وليس الرجل بالسلاح». ثم بدأنا نجتمع على مستوى الكتيبة وعلى مستوى الجيش ومستوى القادة، واستمعت لجميع القيادات.

وكانت وجهة نظر القادة المصريين أن يضربوا أكبر ضربة ممكنة، وعندما نتلقى منهم ضربة نكون كبدناهم ضربات مبرحة، ثم ندخل على السلام، وأننا نستطيع أن نعبر ونحرر أرضنا على مراحل. وعملت تدريبات على الجبهة بشكل عملى، فأخذت مكاناً خارج القاهرة، وأخذت الناس لتدريبهم عمليّا على الخطة، وكانت أولى جلساتى مع قادة الجيش فى 28 أكتوبر عام 1972 بعد 48 ساعة من تولى وزارة الحربية، وكانت أول جلسة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة تعقد برئاسة وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة، وفيها لقنت الحاضرين الموقف، وأصدرت توجيهاتى، وهى:

1- القضية لن تحل سلميّا ومهمتنا تحرير الأرض بالقتال، والقوات المسلحة هى السبيل لتحرير الأرض.

2- أول مهمة أؤكد عليها لقادة القوات المسلحة هى أن يتأكدوا وفوراً من كفاءة الخطة الدفاعية عن الدولة.

3- وفى الوقت نفسه تجهيز الخطة الهجومية كأن المعركة ستبدأ غداً.

4- يجب أن تشعر إسرائيل أننا قادرون وبشتى الوسائل على استرداد أرضنا وتكبيدها خسائر لا تتحملها.

5- الوقت المتيسر لدينا من اليوم حتى بدء القتال يجب أن يُستغل وبجدية كاملة فى سبيل المعركة، وهذا يتطلب: إتقان كل فرد عمله والمحافظة على سلاحنا والجدية الكاملة فى التدريب، وتكاتف الجميع كفريق واحد يعمل لهدف واحد وهو المعركة.

6- لدينا رجال على مستوى عال من الشرف والكرامة والرجولة، ولدينا أسلحة وروح وطنية، وهذه جميعاً هى مقومات النصر.

7- يجب أن نثق فى الله وفى قادتنا وأنفسنا ونثق فى النصر وسننتصر بإذن الله.

وفى الجلسة المنعقدة فى الشهر الثانى من تولى القيادة، شعرت بموقف جديد بعد زيارتى لسوريا، وهو أن التنسيق بين مصر وسوريا ستكون له نتائج حاسمة، وتوجد 3 مراحل واضحة ومحددة للعمل، وقرار إنهاء عمل المستشارين السوفيت يعنى أننا قادرون على التخطيط وإدارة المعركة، وقلت خلال الجلسة الثانية: «لقد مررت على الجبهة والعجلة تدور بجدية فى كل اتجاه، وأريد أن أؤكد على الآتى:

1- يجب أن يقتنع الجميع اقتناعاً كاملاً بأنه لا يوجد حل سلمى، علاوة على أننا عسكريون لا دخل لنا بالسياسة.

2- لا بد من المعركة لحل القضية وسنقاتل بإذن الله.

3- ما دام أن هناك معركة، ومعركة شرسة، فلا بد من الاستعداد لها تماماً.

4- هذه المعركة المنتظرة ستكون بإمكانياتنا المتيسرة، وبحسابات دقيقة دون تهور، وفى الوقت نفسه دون تخاذل.

5- نتيجة لزيارتى لسوريا شعرت بموقف جديد، تأكدوا أننا لسنا وحدنا فى المعركة. إن التنسيق -وهذه مسئوليتى- بين سوريا ومصر ستكون له نتائج حاسمة وتأكدوا أن ذلك سيتم بمشيئة الله.

6- يجب العمل على 3 مراحل واضحة:

المرحلة الأولى:

الاطمئنان التام على الخطة الدفاعية ومراجعتها بواسطة القادة على كافة المستويات، واستكمال تجهيز مسرح العمليات بما يؤمن الخطة الدفاعية ويخدم المعركة الهجومية، وتجهيز خطط الردع والتدريب المتواصل والشاق ليلاً ونهاراً لإعداد القوات لمهامها.

المرحلة الثانية:

إعداد الخطة الهجومية واستكمال تجهيز مسرح العمليات للهجوم.

المرحلة الثالثة:

استكمال إعداد القوات للهجوم، وانتظار القرار السياسى لبدء العمليات وبكل جدية، وفى هذا المجال أؤكد على الابتكار وعدم النمطية والعناية الكاملة بالأسلحة والمعدات، ويجب أن تتأكدوا أن قرار إنهاء عمل المستشارين السوفيت كان على أساس أن القوات المسلحة المصرية قادرة بقادتها ورجالها على التخطيط وإدارة المعركة المقبلة، ويجب أن نكون أهلاً لهذه الثقة».

وخلال الفترة ما بين تعيينى وزيراً للحربية، وبين حرب أكتوبر، زرت سوريا 5 مرات، بهدف تنسيق جهود القوات المسلحة فى البلدين للقيام بعمل عسكرى مشترك فى إطار الاتفاق السياسى بين كل من الرئيس محمد أنور السادات والرئيس حافظ الأسد، وكانت الزيارة الأولى من 10 إلى 13 فبراير عام 1972، وكانت أهدافها مراجعة الخطة والتخطيط لعمليات الردع، والإعداد لعمليات هجومية مشتركة.

واستقبلنى الرئيس حافظ الأسد وتبادلنا وجهات النظر فى الموقف، ثم تبادلت الآراء مع اللواء مصطفى طلاس والقادة العسكريين السوريين، وذلك على ضوء الاقتناع الكامل بعدم جدية الحل السلمى. وخصصت بعض المهام للقوات المسلحة السورية، وهى نفس المهام التى أصدرت بها أوامر للقوات المسلحة المصرية فى أولى جلساتى مع القادة.

وقلت لهم: «الحقيقة أننى استرحت كثيراً لما لمسته فى القوات السورية من روح معنوية عالية، وتصميم كامل على القتال وتحرير الأرض، ما جعلنى أوجه الثناء للإخوة السوريين لما يبذلونه من جهد، وما يقومون به من أعمال باسلة تؤكد صلابة وفاعلية الجبهة الشمالية، ودورها الكبير الذى يمكنها أن تؤديه فى المعركة، وأود أن أؤكد على ثقة بأننا -بما فى أيدينا من عتاد وما فى قلوبنا من إيمان بالله وبأنفسنا وبثقتنا فى وطنية وحكمة قائدنا الرئيس أنور السادات، وبتصميمنا على تحرير أرضنا بالقتال- قادرون على أن نفعل الكثير، وسنعمل ونقاتل بالدراسة والحساب والتخطيط، وتراب الأوطان لا يحرره غير الدم، وأدعو الله أن يوفقنا ويؤتينا نصره».
ابنى محمد قال لى: «لو انتصرت لن تكون صاحب الانتصار وإذا خسرت فستكون فى وجه المدفع وتتحمل الخسارة كاملة»

مرة أخرى كان لا بد من دعم الروح المعنوية لدى قوات الجيش المصرى، وما أؤكد عليه هنا هو أننى لم أغير من هؤلاء الرجال أو أبدلهم تبديلاً، وكل ما فعلته -إذا كان لى فضل- أننى هيأت لهم المناخ الطيب والظروف الجيدة، وهنا تأججت نفوسهم وتوهَّج تحت النيران جوهرهم الأصيل. كانت مهمتى فى سبيل ذلك -وكحلول عاجلة- أن أعيد الثقة للرجال برفع روحهم المعنوية. وإذا كانت الحرب امتداداً للعمل السياسى أو هى كما يقولون سياسة بالنار، فليس معنى ذلك خلطاً بين الاثنين. للسياسة رجالها وللقتال رجاله، ومن ثم فنحن عسكريون لنا واجب وأمامنا مهمة ومهارتنا تتمثل فى كيف نرفع من درجة استعدادنا وكفاءتنا القتالية، لا أن نتحدث بالسياسة، وعبرة التاريخ أمامنا شاهد يقول: إن السياسة عندما تدخل إلى الجيوش تفسدها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin
avatar

عدد المساهمات : 690
النشاط : 1701
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: رد: مذكرات المشير أحمد اسماعيل    الجمعة مايو 16, 2014 7:46 pm

كان الإعداد للحرب يتطلب منى أداء مهمتين؛ الأولى التنسيق مع سوريا فى سرية تامة للدخول فى الحرب بعد أن طلب الرئيس أنور السادات منى بدء الاستعداد للحرب فعليّا. وهو ما استدعى سفرى إلى سوريا يوم 10 نوفمبر عام 1972 وكان معى اللواء محمد عبدالغنى الجمسى رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة واللواء حسن الجريدلى سكرتير عام وزارة الحربية، وسكرتيرى العسكرى حمدى الجندى.

وقضينا فى سوريا 3 أيام اجتمعت فيها مع الرئيس حافظ الأسد لمدة 3 ساعات منفردين وطلب حافظ الأسد أن نكون بمفردنا وأمر الجميع أن يتركوا المكتب بمن فيهم وزير الدفاع السورى، وتحدث معى عن الحرب التى نخطط لها. وبعد هذه المقابلة وافق الأسد على دخول سوريا الحرب مع مصر، وظللنا خلال ثلاث ساعات نتناقش فى كيفية التنسيق بين البلدين، وعدم تخلى أى منهما عن الآخر فى الحرب، واتفقت معه على ذلك، وهو ما يفسر تطوير مصر للهجوم على إسرائيل أثناء الحرب يوم 14 أكتوبر عام 1973 لتخفيف الضغط عن الجبهة السورية التى كانت إسرائيل اقتربت من السيطرة عليها.

أما المهمة الثانية فكانت صفقة أسلحة الاتحاد السوفيتى التى تعتبر من أهم المهام التى قمت بها، رغم أنها شديدة الصعوبة بعد ترحيل الخبراء الروس من مصر عام 1972. وقتها كانت العلاقات سيئة بين مصر وروسيا وعندما سافرت إلى روسيا استطعت إبرام اتفاق معهم بشكل شخصى لتوريد صفقة الأسلحة لمصر تقديراً من الروس لقدرتى العلمية والعملية ولارتباطهم بى بشكل شخصى. وتعتبر الصفقة من أكبر الصفقات التى قامت بها مصر مع روسيا بشكل مباشر عبر مدير المخابرات الروسى وقتها «أندروا بوف» وكان صديقاً شخصيّا لى، وكان لـ«بوف» سلطة قوية فى الاتحاد السوفيتى وعن طريقه استطعت إتمام الصفقة. كان الاستعداد للحرب يجرى على قدم وساق. كنا نسابق الزمن ونعالج كل ما يصادفنا من عوائق.

فى الأول من أكتوبر، أصدر الرئيس السادات توجيه الحرب وأرسله لى وكان نصه:

الرئيس

بسم الله

توجيه صادر إلى القائد العام للقوات المسلحة ووزير الحربية الفريق أول أحمد إسماعيل على:

أولاً: عن الوضع العام:

1- لقد مضت حتى الآن أكثر من ست سنوات على احتلال العدو الإسرائيلى لأجزاء من التراب العربى.

2- إن إسرائيل، مؤيدة بدعم أمريكى خصوصاً فى مجال إمدادات السلاح، حاولت وتحاول فرض إرادتها علينا وإنهاء أزمة الشرق الأوسط على نحو يحقق لها سيطرة شبه مطلقة فى المنطقة العربية وفى أمنها وفى مصائرها.

3- إن مصر حاولت بكل الوسائل، ومنذ صدر قرار وقف إطلاق النار من مجلس الأمن فى 8 يونيو 1967 أن تجد حلّا للأزمة.. وفى هذا السبيل فقد تنوعت وسائلها من قبول قرار مجلس الأمن رقم 242 بتاريخ 22 نوفمبر 1967 إلى قبول جهود السفير جونار بارتيج، ثم جهود الدول الأربع الكبرى، ثم جهود قامت بها القوتان العظميان، ثم مبادرة تقدم بها وزير الخارجية الأمريكية وليام روجرز، حتى تقدمت مباشرة بمبادرة لحل يكون فيه فتح قناة السويس بداية لمراحل انسحاب شامل تطبيقاً لقرار مجلس الأمن.

ولكن كل هذه الجهود لم تصل إلى نتيجة، فهى إما أنها فشلت وإما أنها توقفت.. أو حاول أعداؤنا الخروج بها عن مقاصدها.

4- إن مصر قامت بعمليات عسكرية ذات طابع محدود فى سنوات 1967 و1969 و1970، كذلك قدمت دعماً كبيراً لقرار المقاومة الفلسطينية لمباشرة عمليات فدائية على الخطوط أو داخل الأرض المحتلة.. ولكن هذه العمليات كلها وإن أدت إلى نتائج لها أثرها فإنها لأسباب متعددة لم تصل فى ضغطها على العدو إلى الحد اللازم.

5- إن مصر كانت تدرك طوال الوقت أنه سوف يجىء وقت يتعين عليها فيه أن تتحمل مسئولياتها.. وكان أهم ما يجب أن نعنى به هو أن نوفر لهذا اليوم كل ما نستطيع.. وفى حدود طاقتنا.. ومع التزامنا بواجب الدفاع عن التراب والشرف.

6- إن الشعب فى مصر يعمل بأكثر مما كان يتصور أحد؛ خصومه وأصدقاؤه على السواء.. ولقد كانت الأعباء التى تحمَّلها الشعب، مادية ومعنوية، أعباء فادحة لا يتحملها إلا شعب يؤمن بالحرية ويمضى فى سبيلها.

7- إن تحسينات مهمة طرأت على الموقف السياسى العربى عموماً وزادت من احتمالات تأثيره.. ومع تزايد أهمية أزمة الطاقة وأزمة النقد فى العالم فإن الضغط العربى فى أحوال ملائمة يستطيع أن يكـون عاملاً له قيمته.

8- إن تأثيرات الموقف العربى العام تجلت بشـكل واضح فى أوضاع تسليحنا.. فإلى جانب ما حصلنا عليه من الاتحاد السوفيتى والكتلة الشرقية، وهو كثير، فقد أتيحت لنا من مصادر أخرى أنواع من السلاح لم تكن متوافرة لنا.

9- إن العدو فى شبه عزلة عالمية، بعد الجهود المصرية الناجحة فى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ومؤتمر منظمة الوحدة الأفريقية الأخير فى أديس أبابا، ومؤتمر الدول غير المنحازة الذى لحقه فى الجزائر.

10- إن الموقف الدولى يتغير.. وما زالت حركته مستمرة.. وقد نجد أنفسنا أمام توازنات طويلة الأجل تؤثر على حرية حركتنا وعلى حقنا فى اختيار أنسب البدائل.

ثانياً: عن استراتيجية العدو:

إن العدو الإسرائيلى، كما نرى، انتهج لنفسه سياسة تقوم على التخويف، والادعاء بتفوق لا يستطيع العرب تحديه.. وهذا هو أساس نظرية الأمن الإسرائيلى التى تقوم على الردع النفسى والسياسى والعسكرى.

إن نقطة الأساس فى نظرية الأمن الإسرائيلى هى الوصول إلى إقناع مصر والأمة العربية أنه لا فائدة من تحدى إسرائيل، وبالتالى فليس هناك مفر من الرضوخ لشروطها حتى وإن تضمنت هذه الشروط تنازلات عن السيادة الوطنية.

ثالثاً: عن استراتيجية مصر فى هذه المرحلة:

إن الهدف الاستراتيجى الذى أتحمل المسئولية السياسية فى إعطائه للقوات المسلحة المصرية.. وعلى أساس كل ما سمعت وعرفت من أوضاع الاستعداد يتلخص فيما يلى:

تحدى نظرية الأمن الإسرائيلى وذلك عن طريق عمل عسكرى حسب إمكانيات القوات المسلحة، يكون هدفه إلحاق أكبر قدر من الخسائر بالعدو وإقناعه أن مواصلة احتلاله لأراضينا يفرض عليه ثمناً لا يستطيع دفعه.. وبالتالى فإن نظريته فى الأمن -على أساس التخويف النفسى والسياسى والعسكرى- ليس درعاً من الفولاذ يحميه الآن أو فى المستقبل.

وإذا استطعنا بنجاح أن نتحدى نظرية الأمن الإسرائيلى فإن ذلك سوف يؤدى إلى نتائج محققة فى المدى القريب وفى المدى البعيد.

فى المدى القريب: فإن تحدى نظرية الأمن الإسرائيلى يمكن أن يصل بنا إلى نتائج محققة تجعل فى الإمكان أن نصل إلى حل مشرف لأزمة الشرق الأوسط.

وفى المدى البعيد: فإن تحدى نظرية الأمن الإسرائيلى يمكن أن يحدث متغيرات تؤدى بالتراكم إلى تغيير أساسى فى فكر العدو ونفسيته ونزعاته العدوانية.

رابعاً: عن التوقيت:

إن الوقت من الآن، ومن وجهة نظر سياسية، ملائم كل الملاءمة لمثل هذا العمل الذى أشرت إليه فى ثالثاً من هذا التوجيه.

إن أوضاع الجبهة الداخلية وأوضاع الجبهة العربية العامة بما فى ذلك التنسيق الدقيق مع الجبهة الشمالية، وأوضاع المسرح الدولى تعطينا من الآن فرصة مناسبة للبدء.

ومع العزلة الدولية للعدو.. ومع الجو الذى يسود عنده بنزاعات الانتخابات العربية وصراعات الشخصيات.. فإن احتمالات الفرصة المناسبة تصبح أحسن أمامنا.

وبدأ العد التنازلى للحرب، كانت الأيام تقترب من ساعة الصفر واضطررت للسفر لسوريا يوم الثلاثاء السابق ليوم السبت الذى حدد لبدء العمليات العسكرية. وعدت فى اليوم نفسه، وكان الهدف من الزيارة تحديد ساعة الصفر والاتفاق عليها. وعدت لمصر، وفى اليوم التالى ذهبت ومعى «سيف» ابنى الأصغر إلى أحد أقاربنا للإفطار معهم فى شهر رمضان، وأثناء ذهابنا فى الطريق إليهم أخبرت «سيف» أنى أريد زيارة قبر والدى، وهناك دار حوار وقلت له: «احتمال أكون هنا بعد أيام قليلة، وأُدفن بجوار جدك». لم يرد «سيف»، والتزم الصمت والدخول فى حالة خوف على والده، فقلت له: «أريد أن أقول لك شيئاً.. إننى مخلص للبلد وأبذل قصارى جهدى لخدمته».

كان «سيف» يشعر أن شيئا مهمّا أو حربا ستقع خلال الأيام المقبلة، خصوصا بسبب زياراتى المتقطعة إلى المنزل فى شهر رمضان، حيث كان المعتاد أن أوجد على الإفطار مع الأسرة، وكان لا يوجد أحد فى المنزل سواى و«سيف»، وكنت أرتدى ملابس الميدان وأستقل سيارة جيب وليس السيارة العادية. كل هذا كان يؤكد لسيف أن مصر ستدخل حالة حرب.

حدث يوم 5 أكتوبر أن جاءنى «سيف» وأبلغنى أن حركة الطيران من وإلى مصر، ومن وإلى جميع أنحاء العالم توقفت، وقال إنه علم بذلك عندما ذهب إلى مطار القاهرة لاستقبال والدته العائدة من لندن وشقيقه الأكبر محمد أيضا العائد على طائرة ليبيا الساعة 8 مساء فى اليوم نفسه، وانتظر شقيقه «محمد» فلم يأت، ووجد حالة من الهرج والمرج فى المطار ووجد عددا كبيرا من الناس، وشعر «سيف» بشىء غير مطمئن فتوجه إلى الشرطة العسكرية وسأل ضابط «مصر للطيران» الذى أخبره أن جميع الرحلات من وإلى مصر متوقفة.

عاد «سيف» على الفور إلى المنزل واتصل بالسكرتارية وأبلغنى بوقف حركة الطيران فاتصلت باللواء أحمد نوح، وكان وقتها وزيراً للطيران، وطلبت عودة الطيران المدنى إلى حركته الطبيعية، ورغم هدوئى المعتاد فإننى غضبت فور علمى بإيقاف حركة الطيران فى ذلك اليوم، والتى عادت إلى طبيعتها مرة ثانية بعد ساعة.

أذكر أننى استدعيت «سيف» لغرفتى مساء يوم 5 أكتوبر عام 1973 وقلت له: «وضعت خطاباً فى درج الشيفونيرة وغير مصرح لك بقراءته إلا إذا حدث شىء لى، ولا بد أن تعلم أن والدك كان مخلصاً للبلد وفعل كل ما فى استطاعته لخدمة الوطن»، ورد «سيف»: «حاضر»، وقلت: «أريد أن أستيقظ الساعة 9 صباحاً»، فرد: «حاضر أنا سأظل أذاكر حتى الصباح». وبالفعل لم ينم «سيف» لأنه من المفترض أن يذاكر لكنه لم يستطع التركيز، وعند صلاة الفجر وجدنى مستيقظاً أصلى الفجر، سعيداً.

كانت زوجتى قد سافرت للندن قبل الحرب بأسابيع للعلاج من ورم فى يدها، وعَمَل فحص شامل عند طبيبها المختص هناك، كنت أرفض فكرة السفر تحسباً لاندلاع الحرب دون أن أبدى أسباباً للرفض. لكن أمام إصرارها على السفر للعلاج وافقت شريطة أن تعود بأسرع وقت وبمجرد إجراء العملية الجراحية. فسافرت ومعها ابنتانا نيرمين ودينا، وأجرت العملية، وفى اليوم التالى من إجراء العملية وجدت مدير مكتبى لديها فى المستشفى، يبلغها أنى مسافر مأمورية ويطلب منها العودة لمصر، فقالت له إنها لن تتمكن من الخروج من المستشفى قبل يومين أو ثلاثة، فقال لها إننى أريد عودتها إلى مصر فوراً، ولم تعرف أى شىء عن الحرب، وكان الرئيس أنور السادات هو الذى أرسل إليها مدير مكتبى، حيث كنت فى مركز 10 استعداداً للحرب، وطلب منها مدير مكتبى أن تجهز أغراضها ليمر عليها فى اليوم التالى لاصطحابها والعودة بها إلى مصر، وذهبت نيرمين إلى الفندق فى لندن لتحضير أغراضهن وظلت دينا مع والدتها فى المستشفى وحضر مدير المكتب ومعه الملحق العسكرى فى لندن وتركت زوجتى المستشفى دون أن تخبر الطبيب المعالج لها. وتوجهت للمطار مع ابنتينا ومدير مكتبى والملحق العسكرى، وأثناء وجودهم فى المطار أخبروهم أنه لا يوجد سفر ولا طائرات، فاضطرت إدارة المطار أن تحجز للمسافرين فى فندق المطار، واصطحب مدير مكتبى زوجتى وابنتىّ للفندق مرة أخرى لأنه كان أكثر أمناً، لحين إصلاح الطائرة التى حدث بها عطل.

وفى صباح اليوم الثانى وجدتْ حرساً على باب غرفتها وعندما سألتهم ماذا يفعلون أخبرها الملحق العسكرى أن مصر دخلت الحرب مع إسرائيل، وكسبنا الحرب، واخترقوا خط بارليف، وكانت مفاجأة لها، فسارعت لارتداء ملابس الإحرام التى اعتادت دوماً على أخذها معها فى كل سفرياتها. وصلّت لله صلاة شكر وظلت تدعو للقوات المسلحة، وجاء إليها السفير كمال الدين رفعت، وقال لها إن لديه أوامر بالتحفظ عليها هى والبنتين فى الفندق تحت الحراسة حتى يأتيه أمر بالسماح لهنَّ بالسفر لأنهم خائفون إذا علمت إسرائيل بوجودهن فى لندن أن تتعرض حياتهن للخطر. وهو ما حدث حتى نجحت فى العودة لمصر مع البنات عن طريق السفر إلى ليبيا ومنها لمصر عبر الحدود الليبية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
 
مذكرات المشير أحمد اسماعيل
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات براعة الابداع :: براعة وابداع أدب وأدباء :: كتب ادبية ومذكرات شخصية-
انتقل الى: