سياسة رياضه ثقافه معلومات
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

  مذكرات دكتور مصطفى محمود ..الاجزاء الكاملة ( الجزء الاول )..رحلة الشك تبدأ من صرصار

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Eid Al Said
Admin


عدد المساهمات : 672
النشاط : 1661
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: مذكرات دكتور مصطفى محمود ..الاجزاء الكاملة ( الجزء الاول )..رحلة الشك تبدأ من صرصار   الخميس ديسمبر 19, 2013 9:56 pm


خيرا خرج راهب العلم عن سكوته، وتكلّم عن الصومعة التي نشأ فيها فخرج منها ذاك المفكر الثائر الشكاك لأقصى الحدود، ورغم ذلك مؤمن وموحد. د.مصطفى محمود يتحدّث عن نشأته ورحلته مع الشك، ووالده وإمام مسجده في مذكراته التي تظهر لأول مرة في وسائل الإعلام من خلال جريدة "المصري اليوم" التي توالى نشرها في حلقات تباعاً.
"ولد بيني وبين المرض صداقة، ويبدو أن ذلك يرجع إلى أنني ابن سبعة أشهر"

يتعرّض الأديب والمفكر والعالم مصطفى كمال محمود حسين آل محفوظ -هذا هو اسمه كاملا حيث يرجع نسبه للإمام علي بن أبي طالب- إلى بداياته الأولى ومولده في الـ20 من ديسمبر بقرية ميت خاقان بمدينة شبين الكوم بمحافظة المنوفية، ليفاجأ القرّاء بأن والده كان الزوج الثالث لأمه، وأن أمه كانت الزوجة الثالثة لوالده، وأنه لم يأتِ لهذه الدنيا وحيدا؛ بل جاء بصحبة توأم له اسمه سعد؛ ولكن الله لم يشأ أن يكون لمصطفى محمود شبيه فتوفي بعد ولادته بأسبوع فحسب، ومنذ اللحظة الأولى لاحظ مصطفى محمود أن جسمه لديه ألفة غير طبيعية مع المرض؛ فيصبح طريح الفراش مع أقل نزلة برد تصيبه، وهو الأمر الذي كان سببا في ألا يعيش حياة الأطفال من لعب ومرح، وانصب بدلا عن ذلك للقراءة وكانت هي هوايته.

"لقد كان أبي يمثل لي الكمال النادر"

وينتقل محمود لسرد مزيد من التفاصيل عن أهله وأسرته؛ وتحديدا والده الذي انتقل بهم إلى مدينة طنطا، ويؤكد محمود على أنه -أي والده- كان يكنّ له من الحب والمعزة الخاصة الكثير والكثير؛ لأنه -أي مصطفى محمود- كان آخر العنقود وكان دائما مريضا، وعلى الرغم من ضآلة مرتب والده، والذي لم يكن يتجاوز العشرين جنيه -كان يعمل محضرا، ثم تدرج لسكرتير بمديرية الغربية- إلا أنه كان يتبرّع بربعه للفقراء وما يتبقى كان يسمح لهم بحياة كريمة بأفضل أنواع الأطعمة، وهو الأمر الذي لا يجد له مصطفى محمود تفسيراً سوى أنها بركة الله التي حلت على هذه الأموال وكل ما يشتري بها.

طيب أخلاق والد مصطفى محمود شيء أكد عليه الأخير في أكثر من موضع بمذكراته؛ مدلالا على ذلك بقرار أبيه بضم أولاد زوجته من الأزواج الآخرين في بيت واحد ليصبح بيت العائلة يضم 9 أولاد؛ بخلاف شقيقه سعد الذي توفي، وكان من بين هؤلاء التسعة حسن محمود المحافظ السابق لمحافظة الدقهلية في فترة الستينيات.

ويتطرّق مصطفى محمود إلى مرحلة مؤثرة في حياة والده؛ ولكنها بالنسبة له كانت نموذجا للاقتداء؛ وتحديدا عندما تعرّض والده للمرض لمدة سبع سنوات كاملة ظل فيها طريح الفراش؛ ولكنه كان يؤدي الفروض على أكمل وجه. ولما تعرّض بعدها للنسيان بحكم الشيخوخة؛ لدرجة أنه كان ينسى عدد الركعات في كل فرض نصحه أصدقاؤه بجواز التوقف عن أداء الصلوات؛ فكان يضحك ويقول لهم: لا يمكن أن ترفع التكاليف أبداً، ويسأله عن عدد ركعات الفرض كلما نسيها.

"من يومها وقد أحسست أن هذا الشيخ نصّاب كبير، وبدأت أشك في كل شيء"

وفي هذا المنعطف يتطرّق مصطفى محمود إلى الأسباب التي أدت إلى زرع بذرة الشك في الدين بداخله، ولكنه سبق على ذكر ذلك بالتأكيد على الخلفية الدينية التي أحاطت طفولته؛ حيث سعى والده منذ البداية إلى إرساله إلى الكتاب، وواظب هو على أداء الصلوات في مسجد سيدي عز الرجال بطنطا، وتابع الدروس الدينية وحلقات الذكر حتى تعرّف على إمام المسجد الشيخ محمود الذي كان له بالغ الأثر في نفس مصطفى محمود وحبه للدين، ووثق فيه ذاك الأخير ثقة عمياء، وكان على استعداد أن يصدق كل ما يقول مهما كان؛ حتى كان ذلك اليوم الذي جلس فيه في إحدى حلقات العلم للشيخ محمود، وقال الأخير لهم ما نصه: شوفو يا ولاد أنا سأقول لكم على طريقة تقضون بها على الصراصير والحشرات الضارة في المنزل وهي طريقة دينية عظيمة جدا، وكل واحد يفتح الكراسة وسوف أملي عليكم هذه الطريقة العظيمة الجديدة (بعدما انتهى من سرد بعض الآيات والطلاسم) الصقوا هذه الورقة على الحائط وسوف تكتشفون أن الصراصير سوف تموت موتاً شنيعاً على هذه الطريقة الدينية العظيمة.

مصطفى محمود لم يكن يقبل مجرد التشكيك ولو بنسبة 1% في أي شيء يصدر عن الشيخ محمود؛ وعليه فعل ما طلب منه وعلّق الورقة؛ ولكن الصراصير لم تتراجع؛ بل ربما زادت واتخذت من هذه الورقة التي يوجد بها التعويذة ملجأ ومرتعاً لها، وهو الأمر الذي كما يقول مصطفى محمود عن أثره في نفسه: كانت هذه هي بذرة الشك التي زرعت في نفسي، وقد زرعها الشيخ محمود، وجعل الشك يعتريني في كل شيء.

"وجدت أن الفيزياء والكيمياء عاجزة عن تفسير الدين بينما كمال الأمر في القرآن"

ويتابع العلامة الدكتور مصطفى محمود متأملا: كيف يمكن لواعظ كهذا أن يؤثر في حياة ومسيرة إنسان كاملة؛ فبسبب معلومة جاهلة خاطئة تسبب في زرع بذرة الشك داخل قلبه، استمرت معه لفترات طويلة، ومتمنيا في الوقت ذاته أن يصبح الوعّاظ والدعاة على القدر المناسب من المسئولية فيما يقولون.

ولكن محمود لا يرجع السبب في بذرة الشك التي زرعت في قلبه إلى الشيخ محمود إمام مسجد سيدي عز الرجال فحسب؛ وإنما إلى طبيعته المختلفة والتي لا تقبل التفكير التقليدي والمسلم به في أي شيء، ويضرب لنا مثالاً على ذلك من حيث: كيف أنه أسس جمعية تسمى جمعية الكفار -عندما كان في الثانية عشر من عمره- بسبب خلافه مع إمام المسجد، ويضيف سببا آخر على ذلك، وهو الكتب التي تتمرد على الدين وقتها مثل كتب دارون وشيميل وغيرهم، وهي كلها أفكار كانت ثائرة على كل ما هو ديني، وترجع الأمور للمنطق والعقل؛ فانكب عليها بعد أن استهوته، وبدأ يفكر بالمثل ويتساءل: إذا كان الله هو خالق هذه الدنيا؛ لأنه لا بد لكل مصنوع أن يكون له صانع فمن أين إذن جاء الله؟ ولماذا لا نريح أنفسنا ونقول إن الدنيا نشأت بنفسها دون مساعدة؟

واستمر مصطفى محمود مثابرا على هذه الطريقة من التفكير حتى في تفسير الطبيعة، مستعيناً بالكيمياء والفيزياء؛ ولكنه وجد أنها عاجزة عن تفسير الحياة والموت فلجأ للفسلفة فوجدها في حاجة لفلسفة أخرى تعينها؛ فقرأ في الأديان السماوية وغير السماوية وانتهى إلى....


عدل سابقا من قبل Admin في الجمعة ديسمبر 20, 2013 12:23 am عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin


عدد المساهمات : 672
النشاط : 1661
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: مذكرات دكتور مصطفى محمود ..الحلقة الثانية ..الوصول إلى اليقين    الخميس ديسمبر 19, 2013 10:01 pm


يواصل مصطفى محمود مذكراته التي تنشرها "المصري اليوم" ليستكمل ذكريات الطفولة ويلقي أضواء على شبابه المبكر عندما كان طالبا في كلية الطب جامعة القاهرة، يحب المشرحة ويعشق الناي ويعزف في فرقة موسيقية في الوقت الذي يحتفظ به في غرفته بجثة اشتراها بخمسين قرشا لتكون بداية رحلة اليقين التي بدأها منذ الصغر.

فيبدأ بقوله: "طفولتي كانت غريبة وعجيبة.. كانت لا تستقر أبدا أو تعيش على الأرض التي أقف عليها، كانت سلسلة من الأحلام الجميلة والشيقة التي أغوص داخلها، طفولتي كانت سلسلة من الهروب، هروب من واقعي المريض العليل أو هروب من مرحلة الطفولة نفسها، التي بطبيعتها ضيقة تحصر الطفل بحكم السن داخل حدود صغيرة جدا".

في طفولتي مارست اللعب مع القرود وسارعت بالهروب من الأسود

يستكمل مصطفى محمود رحلته داخل ذكرياته الطفولة فيقول: "كانت طبيعتي نفسها أكبر من المرحلة العمرية؛ فكانت تراودني أحلام كبيرة وضخمة.. لا تقل فى ضخامتها عن جبال غابات الأمازون التي تمنيت مشاهدتها، وتمنيت رحلات للغابات الاستوائية التي كنت أقرأ عنها في الكتب والقصص، وأظل ساعات طويلة أعيش في حالة من الخيال الذي يدفعني لأن أصدق أنني ذهبت إلى هناك في ثوان معدودة، ومارست اللعب مع القرود والغزلان، وسارعت بالهروب من الأسود والنمور قبل أن تبتلعني.. وكنت أترك لقلبي وعواطفي وعقلي العنان.. بلا قيود..

ويتابع: "ما شجع هذه الخيالات والأحلام طبيعة المناخ الثقافي الذي عشته وعاشته أسر الطبقة المتوسطة في هذه الفترة الزمنية في الربع الأول من القرن الماضي؛ حيث كنت أداوم على مشاهدة روايات طرازان والسندباد والسندريلا في أفلام السينما والتي بسببها كنت أقترض بعض مصروفات إخوتي لأني أنفق مصروفي بالكامل في أيام معدودة من أجل مشاهدتها أكثر من مرة".

لم يدخل أبي البيت أبدا وهو يحمل ربطة فجل كان يحمل دائما الكتب

لم يكن المناخ الثقافي لهذه الفترة هو وحده سبب نضوج عقلية مصطفى محمود؛ ولكنه استطرد فقال: "أبي شكّل الدعم الأكبر في هذه المرحلة.. فمن المشاهد التي لا أستطيع حتى اليوم أن أنساها أبدا أنه بينما كان الآباء من جيراننا يدخلون بيوتهم وفي يد الواحد منهم كيس من الفاكهة أو الخضار، كان أبي يترك شئون البيت هذه لأمي، فأبي لم يدخل البيت أبدا وهو يحمل "ربطة فجل"، كان يحمل دائما في يديه المجلات والكتب..

ولا يترك مرحلة الطفولة دون التعرض طبعا للمدرسة؛ فإلى جانب أنه كان طالبا متفوقا يغار منه جميع زملائه ويذهب حتى إلى المدرسة في يوم الإجازة؛ كان أحب الأيام لقلبه عندما يرتدي الزي الجديد في أول يوم دراسي والأيام التي كان فيها يقود مراكبه التجارية إلى الهند "في الخيال طبعا" أثناء تساقط الأمطار الغزيرة بمنتصف فصل الشتاء.

ففي فناء المدرسة كنت أصنع مراكب من الورق وأسيّرها في المستنقعات الصغيرة والبرك التي خلفتها الأمطار، وأتخيل أنها ذهبت إلى الهند وأني أقودها وأثناء الرحلة تقابلت مع الهنود ونشبت بيني وبينهم صداقة حميمة، وعشت مع البسطاء في أكواخهم الموجودة في أعالي الجبال، وركبت الفيل وتجولت به وسط الغابات.

ولكن كما كانت هذه القصص الغريبة والعجيبة وغيرها سبباً في شعوره بالسعادة وبالاختلاف عن الآخرين بقدر ما سببت له من المتاعب مع الأصدقاء؛ لأنه ببساطة اكتفى بقصصه وخيالاته الممتعة وأصبح لا يشاركهم ألعابهم، وتصوروا أنه يتكبر عليهم برغم أن ابتعاده في الأصل واكتفاءه بحياة الخيال لإحساس عميق بالضعف وعدم القدرة على مسايرتهم في ألعابهم وصراعهم.

في الثانوية كادت تجاربي العلمية أن تودي بحياتي بفعل الحرائق والانفجارات

وهنا ينتقل الدكتور مصطفى محمود ليتحدث عن مصطفى محمود طالب الثانوي الشغوف بكتابة الشعر والقصص والروايات وأيضا بالعلوم لدرجة: "أني أنشأت معمل اختبار داخل بدروم المنزل، وأغرقت نفسي ليل نهار في التجارب العلمية، والتي كانت ستودي بحياتي أكثر من مرة بسبب حدوث بعض الحرائق وانفجارات صغيرة كل فترة.. وأغرقت نفسي بالعلوم التي كنت شغوفاً بها؛ أي أنني كنت لا أرتاح في فترة الإجازة، وهو ما دفع والدي إلى أن يبيع هذا المعمل لخوفه عليّ".

ويتابع حديثه الممتع ليتذكر كم كان يتمنى زيارة الغابات الاستوائية التي رأي صورها لأول مرة داخل كتاب الجغرافيا الذي درسه في السنة الرابعة بالثانوية؛ فقرأ الكثير جدا عن أفريقيا وبصفة خاصة جنوب السودان ونيجيريا، ولم يكتف بذلك؛ بل كان ينزع صور القرود والحيوانات الأفريقية ليزين بها حجرته بدلا من كبار الفنانين والمطربين ونجوم الكرة وأبطال الرياضات المختلفة التي كان إخوته يعلقونها داخل حجراتهم.

في كلية الطب لقبني أساتذتي بالمشرحجي لعشقي للمشرحة

هنا يتذكر مصطفى محمود الطبيب الصغير الذي أصر على دخول كلية الطب جامعة القاهرة رغم رفض الأهل لكونهم كانوا يرغبون في التحاقه بكلية الحقوق -التي كانت تخرج الوزراء والباشوات- رغم دراستها القاسية واحتياجها إلى مجهود مضن، وتحمل كل ذلك لأنه كان له أهداف أخرى من دراسة الطب؛ غير أن يكون طبيبا.. فقد كان مازال في بدايات رحلة من الشك إلى الإيمان أو اليقين التي صاحبته وهو في سن صغيرة.

فكانت أفكاره أو أسلوب تفكيره أحد أسباب اختياره لهذه الكلية فيقول: "فبعد أن تعرفت على البكتريا التي تسبب الأمراض.. وكيفية علاجها.. وبعد وقوفي أمام الجثث الموجودة داخل المشرحة بالساعات.. وجدت نقطة البداية للإجابة عن كل ما يدور في فلك الحياة وكل ما يدور حولي وعرفت جيدا من أين جئنا؟ وإلى أين سنذهب، وكان الوقوف أمام الموت في المشرحة البداية الحقيقية للإيمان"..

ويتابع: "من المضحك أن لهذا السبب تعلقت بشدة بالمشرحة؛ فقد كنت أول طالب يدخلها وآخر من يغادرها، وفي يوم من الأيام كنت داخل المشرحة ولم أشعر بالوقت وأغلقوا عليّ أبوابها دون أن أشعر أو يشعروا بوجودي ولكني عندما انتهيت من العمل وجدت الأبواب مغلقة وكان الجو بارداً جدا ناديت على الحراس بأعلى صوتي لمدة ربع ساعة حتى سمعوني وفتحوا لي الأبواب، وصارت القصة تتردد داخل أرجاء الكلية.

في اليوم التالي: فوجئت عند دخولي المدرج ذات مرة متأخرا، وكان الدكتور صادق يشرح للطلبة بأن قال لي ادخل يا "مشرحجي" ومن بعدها وجدت الجميع يطلقون عليّ لقب المشرحجي.. وتعلقت بالتشريح وبهذا العلم العجيب"..

اشتريت جثه بخمسين قرش فرقعت أمي بالصوت

هنا لابد أن تحبس أنفاسك؛ فهذا جزء هام من مذكرات الطالب مصطفى محمود يتذكر فيه كم كان عاشقا للاكتشاف؛ فمن فرط عشقه للجثث والتشريح قام بشراء جثة "نعم جثة" إنسان ميت بـ٥٠ قرشا، وحمله بصعوبة، وكان وزنه ثقيلا؛ لأنه تغمره مادة الفورمالين التي تحفظ الجثة من التآكل أو إصدار رائحة كريهة.. وذهب إلى المنزل وهو سعيد جدا بالجثة، وبمجرد دخوله حجرته وضعها في حوض من الفورمالين؛ لكي ينشفها وعندها: "عندما شاهدتني أمي "رقعت بالصوت"، وأصابها الهلع والخوف، وفقدت الوعي، وأسرعت إليها؛ فلما فاقت صرخت في وجهي "إيه المصيبة اللي إنت جايبها البيت دي؟.. بني آدم ميت.. حرام عليك.. ترضى لما أموت حد يعمل فيّ كده؟"..

وتابعت: "ويبقى إيه العمل لو أهله راحوا المقابر وما لاقوش جثته"؛ فضحكت مما قالت، وقبلت يدها أطلب منها السماح لأني تسببت في فزعها، وقلت لها سامحيني يا أمي، لابد أن أذاكر على هذه الجثة دروس التشريح طوال إجازة الصيف لكي أنجح بتفوق، وبعد ساعات من المحاولات بإقناعها بأن هذا لصالحي وافقت على أن تبقى الجثة في البيت؛ ولكن على شرط أن أقوم بتنظيف حجرتي بنفسي طوال فترة وجودها بالبيت؛ لأنها لن تقترب منها، ووافقت وأغلقت عليّ باب حجرتي، ووضعت تحت سريري جثة إنسان ميت عاش معي أربعة أشهر طوال فترة إجازة الصيف، وكنت كل يوم أقوم بوضعها على منضدة التشريح وأتدرب عليها وأدرس كتب التشريح وبعد الانتهاء أضعها تحت السرير في الحوض المليء بالفورمالين.

وبعد انتهاء فترة إجازة الصيف أصبحت لا أحتاج للجثة المهلهلة من العمل بها طوال أربعة أشهر؛ فقمت ببيعها لأحد أصدقائي بـ١٥ قرشاً.. فالجثث والمشرحة لها فضل كبير في تغيير طريقة تفكيري..

تعرفت على فتحية سوست والأسطى عبد العزيز الكمنجاتي لأشبع ميولي الفنية

على الرغم من أن الطبيب والمفكر والمحب للاكتشاف داخل مصطفى محمود كان يستحوذ على مساحة كبيرة؛ إلا أنه نجح في إخراج الفنان بداخله؛ فبدأ يعشق العزف على الناي في شباك غرفته أثناء الظلام والسكون والهدوء الذي يسبق دخول الطائرات وسماع دوي صوت القنابل وانفجارات غارات الحرب العالمية الثانية، وكان يشعر بأن هذا أنسب وقت لإخراج مارد عازف الناي دون أن يراوده شعور الخوف والاختباء في الخنادق التي كان يسارع الناس إليها في ذلك الوقت، وكان في هذه الأيام بنهائي كلية الطب.

وهنا عليك أن تحبس أنفاسك للمرة الثانية لأن الدكتور مصطفى لكي يشبع ميوله الفنية تعرف على الأسطى عبد العزيز الكمنجاتي، والراقصة فتحية سوست "أيوه سوست"، وكانا أصحاب فرقة لإحياء الأفراح والطهور، واتفقا معه أن ينضم لفرقتهما: "ووافقت دون مقابل مادي، وهذا ما أثار دهشتهما ولكني قلت لهما أنا أهوى العزف فقط، ولا أنوي احترافه، كان لا يجب أن أخبرهما بالسبب الحقيقي، كنت أفضل أن أحتفظ به لنفسي.. فقد كنت في ذروة انفعالي التفكيري.. عدم اليقين بأي شيء نهائيا، أنا كنت أحتاج أن أخوض التجارب، كل شيء أجربه وأحكم عليه.. وكان يأتي إلى البيت الأسطى عبد العزيز، وعندما تفتح له والدتي يقول لها قولي للدكتور الليلة فيه فرح في درب البغالة أو في الأنفوشي أو في السيدة، وكانت والدتي تنزعج جدا، وكانت تعنفني وتغضب لما أقوم به، ولم تستوعب أني أريد أن أترك نفسي للتجارب والبحث عن اليقين".



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin


عدد المساهمات : 672
النشاط : 1661
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: مذكرات دكتور مصطفى محمود .. الحلقة الثالثة ...عندما كفّنوني ووضعوني في النعش حيا    الخميس ديسمبر 19, 2013 10:04 pm


يواصل الكاتب الكبير الراحل مصطفى محمود سرد سيرته الذاتية الممتعة بنفس قدر إمتاع أعماله وكتاباته المختلفة والتي توالي نشرها في حلقات جريدة المصري اليوم، ويتحدث في هذا الجزء عن بداياته مع عالم الكتابة؛ كاشفا عن مفاجأة أن أول من علّمه فيه فنون كتابة القصة والرواية كان القرآن الكريم؛ وتحديدا قصص الأنبياء التي يوليها اهتماما شديدا في قراءتها.

الغريب أن أعمال مصطفى محمود في بداياته الأولى لم يكن لها سوى ناقد واحد فحسب هو صديقه الوحيد صديق الطفولة فرج الذي يقول عنه مصطفى محمود: لقد كان أول قارئ لكتاباتي وناقدي الوحيد، وفي أحيان كثيرة كان يشير عليّ بتغيير مضمون القصة من اللامنطق إلى المنطق حتى يتقبلها عقله.

ويسترسل الراحل في الحديث عن صديقه فرج؛ مؤكدا أنه اختاره بعناية اتباعا للحديث الشريف الذي كان دائما ما يتلوه أبوه على مسامعه: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل"؛ وبالتالي كان فرج صديقا له في تجاربه وشطحاته أيضا؛ حيث يقول مصطفى محمود: حتى بعد التحاق فرج بمدرسة الثانوية العسكرية والتحاقي بالمدرسة الثانوية بطنطا؛ فإننا لم نفترق، وكوّنا مصنعاً سوياً، وكوّنا فريق عمل يكمل كل منا الآخر؛ فكان يصنع هو القوالب المعدنية من الصلب والنحاس؛ بينما كنت أنا شغوفاً بالكيمياء والطبيعة، واستعنت في ذلك بمحتويات المعمل الذي سلّمته لنا المدرسة، وقمت بتجارب معملية بعضها فاشلة، وكانت تتسبب في تمزيق ملابسي وإحداث انفجارت كادت تتسبب في موتي وموت فرج؛ لدرجة أن أمي صرخت فيّ ذات مرة: إنت مش خايف إنك تموت من اللي إنت بتعمله ده.

ضعف سمع الطبيب تسبب في تكفيني

ويتعرض مصطفى محمود للمرحلة التي بدأ معها بالفعل يشعر أن أعماله من الممكن أن يكون لها صدى جيد، وتلقى الرواج المطلوب عندما أرسل خطاباً لأخيه يحدثه فيه عن أيام المصيف التي يقضيها بمدينة بورسعيد، وكان صديق أخيه وقتذاك هو محمود محمود الصياد، أحد نجوم التجويد، وعندما قرأ ذاك الأخير الخطاب بشر أخا مصطفى محمود بأن أخاه سوف يكون له شأن كبير فيما يكتب، أما المناسبة الثانية؛ فكانت فوزه بجائزة المدرسة لأحسن قصة باللغة الإنجليزية يدور موضوعها عن أكثر الأحلام رعبا، وربما لا تتعجب لماذا فاز مصطفى محمود بهذه الجائزة عندما تعرف أن ما رواه لم يكن مجرد حلم مرعبا بل كان حقيقة عاشها كالتالي:
"كنت في هذه الأيام مريضا جدا ودرجة حرارتي منخفضة وضربات قلبي ضعيفة؛ لذلك استدعت أسرتي الطبيب الذي كان سمعه ضعيفاً فلم يسمع ضربات قلبي؛ فظن أنني فارقت الحياة فتوجه إلى الأسرة بوجه شاحب يتصبب منه العرق قائلا: "البقاء لله، لقد مات هذا الولد المسكين"؛ فما كان من أمي إلا أن رقعت بالصوت، وحزن جميع أفراد العائلة على فراقي، وكفّنوني ووضعوني في النعش؛ ولكني استعدت وعيي بعد وقت قصير وفتحت عيني لأجد نفسي في ظلمة دامسة وملتّما بالكفن؛ فشعرت بالرعب الشديد لما أنا فيه، وثارت في ذهني أسئلة متعددة وكان بينها: أين أنا؟ وكيف سأخرج من هذا النعش؟ وعندما استعادتني الأسرة كانت فرحة بلا وصف، وربما كان هذا الحادث داعيا لأن يطلقوا عليّ لقب الممسوس أو الملبوس، وسهّل لي لقب المشرحجي فيما بعد.

خرجت من البيت وعشت حياة الصعلكة

وعلى طريقة الأمريكان قرر مصطفى محمود الخروج من البيت وإكمال حياته بمفرده، عندما وجد أن أفكاره لا تلقى الترحاب بشكل مستمر من والدته؛ خاصة في ظل رغبته في مواصلة دراسته للطب والكتابة والعزف على الناي وغيرها، وهو الأمر الذي لم تحتمله والدته بسبب خوفها عليه؛ فكانت دائما ما تقول له: أنت هتموت نفسك بنفسك؛ فقرر الرحيل عن البيت من أجل أن يعيش حياته بقدر الحرية الذي يبحث عنه.

"ذهبت أبحث عن بانسيون، فوجدت بانسيون مناسبا لإمكانياتي في حلوان، فقمت بتأجير حجرة به، وعملت محررا صحفيا بمجلة النداء الوفدية، وبدأت مرحلة قاسية جدا في حياتي؛ حيث عملت محررا صحفيا براتب اثني عشر جنيها شهريا، وعشت حياة الصعلكة التي يعيشها معظم الصحفيين ببداية حياتهم، وبدأت أدفع ضريبة قراراتي عندما أصبت بمرض التيفود، وجاءني أخي مختار، وقال لي: آدي آخرة المشي البطال وعدم سماع النصيحة والعناد.. خف بسرعة عشان ترجع البيت، أمك هتموت عليك.

ويختتم مصطفى هذه الجزئية بأنه تعلم من هذا العام الكامل الذي قضاه خارج المنزل بأنه إذا أردت أن تكون شيئاً في عالم الصحافة يجب عليك أن تكمل دراستك في عالم الطب فتكتب وأنت طبيب، واكتشف أيضا أن الأدب والمجد في اتجاه والهلس الصحفي في اتجاه آخر.

أنيس منصور كان دائما ما يشاكسني

في هذا الجزء من مذكرات الراحل مصطفى محمود يتحدث عن بدايته الحقيقية في عالم الصحافة والتي كانت مقدماتها من خلال عمله في مجلة آخر ساعة مع كامل الشناوي الذي كان يقول له هو ويوسف إدريس: إنتم مش طلبة كلية طب إنتم طلبة كلية طب جميلة، في إشارة إلى كلية الفنون الجميلة.
بعد فترة أنشأ كامل الشناوي جريدة المسائية واستكتب فيها مصطفى محمود وعدداً آخر من الكتاب، ومن هنا نشأت الصداقة بين مصطفى محمود وأنيس منصور الذي كان دائما ما يشاكس مصطفى محمود ويقوم بتغيير الاسم الذي يمضي به في آخر المقال، وهو (م.م) (م.ع) ويضحك في هذه الجزئية مصطفى محمود ويقول: كنت أنهي كتابة مقالي بتوقيع م.م؛ فكان ينتظرني حتى ينتهي الجميع من أعمالهم وينزل إلى المطبعة ويغير الإمضاء إلى م.ع وكنت أغضب كثيرا، وعندما أذهب للتحقق مما حدث أعرف أنه أنيس؛ فأقول له يا أخي يعني إنت مستكتر عليّ حتى الحرف.
ثم ينتقل مصطفى محمود للحديث عن الفترة التي عمل بها بمجلة التحرير بعد الثورة، ويعتبرها البداية الحقيقية لمصطفى محمود -الكاتب الصحفي- وهو نفس الوقت الذي شهد بداية عمله كطبيب في مصحة ألماظة للحميات الموجودة بمنطقة نائية بالصحراء، وبالتالي كل هذه الظروف ساعدت على ولادة المفكر والأديب والفيلسوف بداخله الذي أبدع في "الله والإنسان" و"عنبر 7" و"رائحة الدم".

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin


عدد المساهمات : 672
النشاط : 1661
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: مذكرات دكتور مصطفى محمود ..الحلقة الرابعة..كل إنسان يحمل الموت بداخله    الخميس ديسمبر 19, 2013 10:08 pm


يبدأ مصطفى محمود الجزء الرابع من مذكراته التي تنشرها جريدة المصري اليوم بالحديث عن الموت على أساس أنه من أكثر الأفكار التي شغلته منذ طفولته حتى الآن؛ فدائما كان يتصور أن عمره قصير جدا، وأنه سيموت مبكرا لدرجة أنه بين الحين والآخر كان يقف أمام المرآة وعمره عشر سنوات فقط ويقول بصوت مرتفع جدا: "الموت يطاردني.. يقف خلفي وأمامي وبجواري.. لا أستطيع الهروب منه"، وأضاف أنه كان يرى ملك الموت وكأنه يحيط به، وأن كل صباح يوم جديد يحمل ساعته الأخيرة ويخبر أهله بذلك!!

وبالطبع كان لهذا أبلغ الأثر -السلبي طبعا- على والديه فذهبا به إلى الأطباء، وعندما لم يجدا علاجا يشفيه ذهبا به إلى المشايخ والعرافين الذين كانوا يتواجدون بكثرة في الريف؛ ولكنهم أيضا لم يجدوا كلاما يقولونه غير أن يخترعوا أنه ممسوس أو "مخاوي جن" من تحت الأرض.

وأشار إلى أن حالته الصحية المتدهورة؛ والتي لم تكن تسمح بأن يجاري أقرانه ومن في مثل سنه؛ كانت واحدة من أهم أسباب اختياره لكلية الطب دون غيرها من الكليات؛ لحرصه على التعرف على أدق تفاصيل وأسرار الأمراض والأزمات الصحية، وكيف يمكن التخلص منها، وهو في الحقيقة يريد أن يتخلص من مرضه المستمر.
ومن هنا جاء اكتشافه أن الموت والمرض مشكلة كبرى بالنسبة له فالمرض بالنسبة له يمثل الموت وأن المؤشرات والعلامات التي تسبقه قد تتمثل في موت العينين والساق والذراع والإحساس، وهنا يقول: "عانيت كثيرا من أجل الوصول لما توصلت له، وعندما مارست الطب سنتين بعد التخرج كنت أعتبر أني حققت انتصاراً كبيراً على الموت عندما أتغلب على المرض الموجود داخل المرضى؛ ولكن كان يصيبني الإحباط الشديد عندما ينتصر المرض عليّ ويسوق أمامه للموت روح مريض وينظر لي ويخرج لسانه معلنا أني لا أقوى عليه، وذهلت عندما وقفت لأول مرة أمام طاولة التشريح.. أمام الجثة"..

والغريب أنه لم يحدث له إغماء أو حتى مجرد شعور بالخوف كما كان يحدث لزملائه؛ فتعلم يومها "أن كل إنسان يحمل الموت بداخله" حتى ولو كان بصحة جيدة، وأن الموت أكبر من أن يكون كلمة؛ فهو واقع يدور بداخل الإنسان وأن عملية الهدم والبناء تتم، وأن الهدم داخل كل إنسان منذ الولادة؛ ولكن البناء غالب عليه حتى يحدث التوازن في سن الأربعين، ثم تبدأ عملية النزول والهدم التي تتزايد، وبالتالي إذا كان البناء غالبا فأنا شاب وإذا كان الهدم غالبا فأنا دخلت مرحلة الشيخوخة وهنا يتذكر طفولته التي كان شعوره أن الموت قريب منه يسمع خطوات أقدامه وهي تقترب في شعور دائم؛ فكان يحدق في الموت وينظر إليه ويصرخ أمام المرآة: "أنا أرى الموت"!!..

ويتابع: "كنت أرى ملك الموت ولست خائفاً؛ فكنت أتحداه دائما وأحدق فيه لدرجة أنني كنت أتوقع دائما أنني سأموت مبكرا، ولم أتوقع أن أصل إلى الـ٨٨ عاما من عمري، وكنت دائما أقول سأموت في سن الثلاثين؛ ولكن أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد، ورغم كل هذا ظل الموت معي يأكل ويشرب ويعيش ويتنفس بين ضلوعي ويسيطر على وجداني، وأصبح مشكلة وكارثة تصاحبني أينما ذهبت..".

وكان إحساسه بالموت وشعوره بأنه يقترب منه ولصيق به طوال الوقت، كان يظهر في شكل مقالات مسلسلة في مجلة (روزاليوسف) التي كانت منبراً صحفياً كبيراً وقتها؛ لأنها تمردت على السياق العام للصحافة في مصر.. فكان ينشر هذه المقالات سواء كانت فكرية عامة أو فلسفية بالخصوص، إضافة إلى كتابة القصة القصيرة..

في هذه الفترة كانت حركة الضباط الأحرار في عام ١٩٥٢ والتي رحب بها كثيرا لأنها تمثل تمرد الجيش والشعب على النظام الملكي الفاسد؛ فكان التمرد على الواقع هو ما يلفت انتباهه دائما؛ ولكن "خذلتنا هذه الثورة بعد ذلك فقد حررت الدولة المصرية لاستعباد الشعب المصري" كما كان يقول، وكان وقتها يداوم على نشر مقالاته في "روزاليوسف" عندما فوجئ إحسان عبد القدوس باستدعائه من قبل رجال الثورة للتحقيق معه حول ما نشر بمجلته، وكيف يقوم مصطفى محمود بنشر هذه الأفكار في مجلته؟!

فكان موقف إحسان؛ في الوقت الذي كان يختلف مع مصطفى محمود في أفكاره وفيما يكتب؛ لكنه كان لا يستطيع تقييد حريته؛ بل وأعطاه مساحة ليعبر عن رأيه وليس هو وحده ولكن هذا ينطبق على كل الصحفيين في مجلة روزااليوسف.

هكذا لم يستطع رجال الثورة اتخاذ أي موقف ضد مصطفى محمود من المقالات، ولكنه عندما جمع هذه المقالات في كتابه الأول "الله والإنسان" ظهر موقفهم، فعلى الرغم من أن الإعلام لم يكن بمثل هذا الحجم، وكان الاعتماد كله على الصحافة الورقية إلا أن الدنيا انقلبت من حوله فيقول عن تلك الفترة: "أصبح كل واحد يكتب عن الموضوع بمزاجه، من وصفني بأنني فيلسوف العصر الجديد ومن وصفني بالملحد والشيوعي والكافر و.. و.. وهنا ضحك مصطفى محمود حتى دمعت عيناه اللتان أصابهما المرض مؤخرا.. وقال: من الطريف أن دارا حكومية "دار الجمهورية للنشر" هي التي وافقت على طبع الكتاب ونشره، وكان يشرف عليها في ذلك الوقت أنور السادات، وحقق الكتاب رواجا كبيرا..

وتابع: "الطريف أيضا أن المفتي كان قد قرأ هذا الكتاب وأبدى رأيه بأن هذا الأسلوب يبشرنا بكاتب كبير وعالم ومفكر، وكان هذا اعترافا رسميا من الدولة بهذا الكتاب وقيمته؛ ولكن قضاة التفتيش الجدد رفضوا الكتاب، وثاروا وهاجوا وسبوا، وقالوا هذا الكاتب أصابه الجنون، أو كفر، وقدموا مجموعة الشكاوى ضدي للقضاء، وتمت مصادرة النسخ المعدودة المتبقية في الأسواق من الكتاب بعد أن تخاطفه الكثير من المصريين الذين كانوا يرغبون في من يكسر لهم الظلام ويطير الخفافيش التي تتزايد داخلهم، ويفسر لهم حقيقة ما يجري لأنهم سئموا من أن تفرض عليهم الأشياء باعتبارها "واقع ولازم يقبلوه"..

وظلت القضية تنظر أمام محكمة أمن الدولة شهوراً، خرجت خلالها شائعات كثيرة ومتعددة، وكان من بينها "أنهم سيحكمون بكفري وارتدادي عن الدين ومن ثم إعدامي".
وظلت الشائعات تظهر شائعة تلو الأخرى وتتردد في أرجاء مصر؛ حتى تقرر إصدار الحكم في القضية في شهر رمضان؛ وذلك بغرض تشديد الحكم وعدم استخدام الرأفة.
وهنا يؤكد: "تقبلت اتهامي بالكفر وأنا في بداية حياتي بأن أغلقت على نفسي باب شقتي.. واعتزلت من هول الصدمة؛ حيث كانت عواطفي ما زالت حساسة، فلما أخذت الأفكار تهاجمني.. لقد كفّروني لأني امتلكت نفس ما امتلكوه.. نفس مؤهلاتهم.. القدرة على جذب الانتباه.. القدرة على جعل الآخرين يستمعون ويؤمنون بما أقول.. كفروني.. قالوا نقضي عليه وهو صغير.. وناجيت روح أبي: لقد اتهموني بالكفر يا أبي.. أنا ابنك اصطحبتني إلى المسجد وأنا ابن الثالثة وألبستني الطاقية والجلباب الصغير.. أنا الذي حفظتني القرآن والحديث؛ بينما ما زال من في مثل عمري يلعبون في تراب الشارع"..

نأتي الآن إلى النتائج التي تلت ظهور تلك الأفكار والشد والجذب الذي أخذته على مدار شهور على صفحات الصحف وفي أقلام كبار الصحفيين فيقول: "بعد مصادرة كتابي وجدت الماركسيين في مصر يرفعونني إلى السماء، ويعلنون أني أصبحت من كبار مفكري الماركسية والشيوعية في مصر، وازداد إعجابهم بي وتأييدهم لي عندما كتبت قصة عن رجل زبال ونشرتها في مجلة صباح الخير، وكانت المجلة في بدايات إصداراتها، وبعدها وجدت أن الشيوعيين يصفونني بأني أعظم كاتب وأكبر مفكر، وقيل عني يومها: إن تشيكوف مجددا يظهر في مصر يحمل اسم مصطفى محمود، وكنت مندهشا لكل ما يحدث حولي، ومندهشا أكثر لإعجابهم بهذه القصة؛ رغم أنها قصة عادية للغاية، ولم أشترك معهم أو أنضم إليهم؛ بل تجاهلتهم بعد ذلك بأن حذفت هذه القصة من جميع مؤلفاتي".

ويتابع: "لكنهم سرعان ما تحوّلوا ضدي بعد ذلك، ووجهوا إليّ الكثير من الاتهامات، ومنها الردة الفكرية، وكانت مدرسة ظهرت في ذلك الوقت على يد محمود أمين العالم، وكانت ترغب في أن ينادي الكتاب جميعهم بالاشتراكية العلمية والشيوعية والماركسية، ومن يخالفهم لا يعد أديبا أو مفكرا، وأكبر دليل أنهم رفعوني إلى السماء".

ولكنه في النهاية وصل إلى الإيمان، وسقط هؤلاء الأشخاص الذين عندما تمرد على أفكارهم وانتقدهم وانتقاما منه جردوه حتى من لقب الكاتب واتهموه بالتخلف.
ومن بعد ذلك بدأ يعيد النظر في كل شيء حوله، وبدأ بمراجعة كتابه الأول "الله والإنسان"، ووجدته مليئاً بالثغرات التي عدل عنها وصححها في كتب أخرى.. وهنا يعلن لأول مرة: "أنني تراجعت عن كل الأفكار المادية التي لا ترتبط بالدين والتي جاءت بكتابي الأول "الله والإنسان".

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin


عدد المساهمات : 672
النشاط : 1661
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: مذكرات دكتورمصطفى محمود ...الحلقة الخامسة ..عبدالناصر كان مصابا بجنون العظمة    الخميس ديسمبر 19, 2013 10:14 pm


ناصر حرر المصريين كي يستعبدهم

يعبّر مصطفى محمود في مذكراته عن رأيه الشخصي في الفترة الناصرية التي عاشتها مصر واصفا عبد الناصر بأنه قام بتحرير المصريين كي يستعبدهم، ووصف فترة الحكم بصفة عامة بأنها فترة ديكتاتورية، وكانت مقبرة للمفكرين ولم تكن الكلمة تصل فيها بشكل صحيح على الإطلاق بل كانت تصل مزيفة، كما وصل نصر مزيف في 1967.


ربما يستعجب البعض مثل هذا الرأي من الكاتب مصطفى محمود، ولكن استغرابه هذا سيتبدد عندما يعرف التجربة المريرة التي عاشها الكاتب مع الفترة الناصرية كالتالي:
بعد أزمة كتابي "الله والإنسان" كنت أتوقع الصدام بيني وبين عبد الناصر في أي لحظة إلى أن جاء اليوم الذي طلب فيه إحسان بعد القدوس رؤيتي في مكتبه بمجلة روزاليوسف، وعندما دخلت إلى السكرتارية لكي تبلغه كي أدخل له وجدتها تقول لي: الأستاذ مستنيك على نار، دخل منذ أكثر من ساعة ولغى كل مواعيده، فانتابتني أفكار بأن هناك شيئاً خطيراً حدث أو منتظراً أن يحدث، ولكنني تجاهلت كل هذه الأفكار ودخلت عليه المكتب، فوجدته من الوهلة الأولى يقول لي وهو يبتسم: أهلا يا مغلبني وبسببه طاير النوم من عيني. وكأنه كان يهدئ من وطأة المسألة، وقلت له: خير يا إحسان فيه قضايا تاني اترفعت عليّ؟! -فقد كنت خارجاً من قضية كتاب "الله والإنسان" لسه طازة.. فقال: يا مصطفى اجلس في البيت.. فقلت له: يعني إيه؟؟ قال: صدرت أوامر بمنعك من الكتابة، فقلت: من أصدر هذه الأوامر؟ ولماذا أتوقف عن الكتابة؟ قال: يمكن أن يكون بسبب المقالتين اللتين قمت بكتابتهما ونشرهما مؤخرا.. ثم إن أمر الإيقاف من قيادات عليا جدا.. فقلت له: مين يعني؟؟ الراجل الكبير؟؟ هز رأسه بالإجابة: "نعم"، وقال: يا مصطفى احمد ربنا إن المسألة منع من الكتابة بس ومافيش اعتقال ولا سجن، فابتسمت رغم أني أتمزق بالداخل لما سمعت وقلت له: ومن أدراك فلا بد أن الاعتقال سيأتي عن قريب إن لم يكن الليلة..


ويؤكد محمود أن هذه الليلة التي عاشها كانت أصعب ليلة في حياته حيث إنه كان ينتظر اعتقاله بين الساعة والأخرى؛ لأنه كان على قناعة بأن قرار منع الكتابة سوف يليه قرار بالاعتقال، وظل حائرا في شوارع القاهرة حتى اقتادته قدماه إلى بيته، وعندما وصل ظلت مسألة اعتقاله تشغله طوال نومه حتى أنه حلم بأنه تم اعتقاله بالفعل.


عام في المنفى

التأثير النفسي الذي أحدثته تلك الفترة التي عاشها مصطفى محمود بعيدا عن الكتابة كان لها بالغ الأثر عليه، حتى أنه أطلق عليها أيام المنفى أو عام المنفى، أنتج خلالها ثلاث مسرحيات، هي الإسكندر الأكبر والإنسان والظل والزلزال، جسد خلالها الظلم والقهر الذي كان تعيشه مصر في هذه الفترة، ولكنه لم يتمكن من نشرها إلا بعد وفاة عبد الناصر فيما بعد.


مصطفى محمود كان يخشى أن يندثر ككثيرين أندثروا من كُتاب ما قبل الثورة حتى أنه كان كثيرا ما يتخيل إعلانات ما قبل الثورة التي كان يظهر فيها المطرب سعد حسين المطرب الصاعد الذي اختفى بعد الثورة، واعتقد أنه سيندثر ويختفي كما كان.


لم يتوقف التأثير عند الحد النفسي فحسب، بل وصل أيضا إلى حد التأثير المالي، حيث كانت الكتابة في جريدة روزاليوسف هي مصدر رزقه الوحيد وبالتالي شغلته فكرة المعيشة، ولكن انفراجا إلهيا للأزمة كان باقتراح أحد الناشرين بإعادة طباعة بعض أعماله القديمة من جديد بعد أن ازداد الطلب عليها.


أخيرا نجح مصطفى محمود في العودة للكتابة بفضل محمد حسنين هيكل الذي توسّط في إنهاء الخصومة وعودته للكتابة كالتالي:

طالت فترة حجبي ومنعي من الكتابة حتى أنها وصلت إلى عام كامل من العزلة في منفاي، وفي إحدى الليالي الصافية الجميلة فوجئت بكامل الشناوي يقوم بزيارتي ويقول لي مقولته الشهيرة: أنت تلحد على سجادة الصلاة، ولهذا فقد قمت بزيارة هيكل وتحدثت معه عن الأزمة التي حدثت لك وهو يريد رؤيتك في مكتبه بالأهرام. وفي اليوم التالي ذهبت إلى هيكل وقابلني بقوله: إزيك يا مصطفى وعامل إيه؟ قلت له: أنا مش كويس طول ما أنا بعيد عن الكتابة. فقال لي: ارجع اكتب من اليوم لو حبيت. فسررت بشدة ولكنني كنت على يقين بأن هيكل هو الوسيط الوحيد الذي يمكن أن يقبل عبد الناصر منه كلاماً أو وساطة في موضوعي لمدى قربه منه وثقته فيه ولكنني لم ألجأ إليه منذ البداية..


ألهذه الدرجة كرهني عبد الناصر؟!!

يحكي مصطفى محمود على لسان صديقه الشخصي د. أنور المفتي وطبيب ناصر الخاص كيف أنه كان مجبرا على ألا يفاتحه في قضية إعادة مصطفى محمود للكتابة من جديد؛ حيث إنه كان مشهورا عن عبد الناصر في هذه الفترة أنه يجازي كل من يطلب منه طلبا خاصا؛ حيث سبق وأن جازى سائقه الخاص عندما طلب منه طلبا خاصا.


الغريب أن مصطفى محمود أكد أن جمال عبد الناصر قال لطبيبه الخاص: الواد ده ملحد وخطر -في إشارة لمصطفى محمود- وهو الأمر الذي تعجب منه مصطفى محمود للغاية ولكن صديقه برّره له بتأكيده على أن عبد الناصر كان مريضا بجنون العظمة، وأنه كان عصبيا للغاية.


ويواصل مصطفى محمود:

والغريب أنه بعد أقل من ثلاث سنوات توفي الدكتور أنور المفتي في ظروف غامضة وتعددت الشائعات حول وفاته.. لكن الثابت في التحقيقات أن زوجته قالت إنه ليلة وفاته بعد عودته إلى المنزل تناولنا العشاء، وبعد ذلك نظر في المرآة بعض الوقت وقال لي أشعر بأني لن أعيش أكثر من أربع ساعات:؛ إذ إنه اكتشف أعراض تسمم تظهر عليه ومن بينها كان "بؤبؤ" عينيه يتحرك، وهذا الحادث أثّر عليّ كثيراً.. وأثارني أنا وغيري من أصدقاء الدكتور أنور المفتي.. ولم نجد تفسيراً أبداً لهذا السؤال: من اليد الخفية وراء مقتل أنور المفتي.. ومن المستفيد من وفاته!

عبد الناصر مات بالسكر

ويختتم مصطفى محمود بالتأكيد على أن الحقبة الناصرية احترفت التخلص من معارضيها بالسم، فهكذا فعلت مع د.أنور المفتي، وهكذا فعلت مع المشير عبد الحكيم عامر، وهكذا تثبت التحقيقات التي تم إجراؤها مع مدير المخابرات وقت عبد الناصر صلاح نصر الذي أكد أنه دائما ما كان يحمل سما في جيبه لإسكات المعارضين.
لكن مصطفى محمود رغم ذلك يؤكد أن عبد الناصر لم يمُت بالسم وإنما مات بسبب غيبوبة السكر التي تعرض لها، والتي كانت بسبب إهمال الطبيب في التشخيص السليم أو ربما لتعمده ذلك حيث يقول: قيل عن وفاته الأقاويل الكثيرة والمتعددة، وكان من بينها أنه مات مسموماً، ولكن الحقيقة أن عبد الناصر مات؛ لأنه مريض بالسكر ولتقصير وإهمال الطبيب في تشخيص حالته الصحية بالخطأ، فكان يمكن إنقاذه من الموت بحقنة جلوكوز في الوريد فتنتهي أزمة وغيبوبة السكر التي تعرض لها، ولكن أخطأ الطبيب الذي يعالجه أو ربما تعمد الطبيب أن يخطئ وعرف تشخيص حالته بشكل صحيح ولكنه لم يسعفه، فقد مات عبد الناصر نتيجة غيبوبة السكر التي هاجمته، حيث كان مريضاً "بالسكر البرونزي" وهو أحد أندر أنواع مرض السكر، ومن أسهل ما يمكن أن يموت مريض هذا النوع في حالة إذا تعرض للإهمال الطبي، وهذا هو ما حدث.




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin


عدد المساهمات : 672
النشاط : 1661
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: مذكرات دكتورمصطفى محمود .. الجزء السادس...الديكتاتور عبد الناصر    الخميس ديسمبر 19, 2013 10:24 pm


إن غروب الشمس وانسدال العتمة فى حنان والنظام المحكم الذى يمسك بالنجوم فى أفلاكها وإطلالة القمر من خلف السحاب وانسياب الشراع على النهر وصوت السواقى على البعد وحداء فلاح لبقراته ونسمات الحديقة تلف الشجرات التى فضضها القمر كوشاح من حرير، إذا اقترنت هذه الصورة الجميلة من النظام والتناسق بنفس تعزف داخلها السكينة والمحبة والنية الخيرة فهى السعادة بعينها، أما إذا اقترنت هذه الصورة من الجمال الخارجى بنفس يعتصرها الغل والتوتر وتعشش فيها الكراهية وتنفجر داخلها قنابل الثأر والحسد والحقد ونوايا الانتقام فنحن أمام خصومة وتمزق وانفصام، نحن أمام هتلر لا حل له إلا أن يخلق حرباً خارجية تناسب الحرب الداخلية التى يعيش فيها، نحن أمام شقاء لن يهدأ إلا بأن يخلق شقاء حوله

مصطفى محمود

لم يستطع مصطفى محمود أن ينسى أيام العزلة.. أيام النفى.. رغم مرضه الشديد، لايزال يتصفح أوراق الحياة التى انطوت ويتذكر أيام الشباب التى ولت.. أيام من ربيع العمر.. فقبل أن يتكلم تنهد تنهيدة طويلة وقال: ليت الشباب يعود يوماً ثم قال: كانت أيام الشباب مليئة بالحيوية والصراع والمنافسة، التى ربما كانت تغضبنى كثيراً، ولكنها كانت أياماً جميلة مرت كالنسيم فى ظلمات ليال صيفية بديعة ثم ابتسم قائلاً.. وكانت هذه الأيام أيضاً جميلة بالنسبة لهيكل.. التى تبدلت بعد ذلك فى عهد السادات إلى أيام صعبة بالنسبة له انتهت باعتقاله..

فهو الصحفى الوحيد المقرب لجمال عبدالناصر فيثق فيه ويستمع إليه وكان منتشراً بين جميع الصحفيين والكتاب والمفكرين سواء كانوا صغاراً أو كباراً أنه «يا ويل من يغضب عليه هيكل»، وأرجح أن غضب هيكل قد أصابنى وكان سبباً فى حرمانى من الكتابة عاماً كاملاً فبعد أن كتبت مقالتين حملتا عناوين «هتلر والنازية والخروج من مستنقع الاشتراكية» وقبل أن أنشرهما قال لى أحد الأصدقاء: «المقالتان ستثيران غضب هيكل الذى لن ينسى أو يسهو أن ينقل غضبه لعبدالناصر وأنت تعلم مدى انصياع عبدالناصر له وثقته فيه»، ولكننى أصررت على نشرهما فى «روزاليوسف» وبعد نشر المقالتين بشكل متتال، ما توقعه صديقى تحقق فبعد النشر مباشرة صودرت أعداد روزاليوسف من الأسواق وخرج قرار إيقافى عن الكتابة وكان المضحك أنه غير مسبب بمعنى «لم يصاحبه بشكل واضح سبب قرار الإيقاف»، ولكنى بالطبع كنت أعلم سبب الإيقاف وقام بإبلاغى قرار الإيقاف كما ذكرت من قبل إحسان عبدالقدوس.

ولقد تضمنت المقالتان هجوماً عنيفاً ضد عبدالناصر والذى لم تكن له حسنات تذكر على الإطلاق، فمن البداية استولى على قيادة الثورة ونشر العمل المخابراتى فى جميع أرجاء مصر فأصبح الجميع يكتبون تقارير سرية فى بعضهم البعض، وأصبح داخل كل أسرة شخص منها يتجسس عليها ويرفع التقارير إلى القيادات، فهذا بمنتهى البساطة وصفى لعهد عبدالناصر، وقد اكتفى الفيلسوف الكبير مصطفى محمود فى هذه الحلقة بهذه الكلمات التى تبدو قليلة ولكنها تحمل فى مضمونها معانى خطيرة ليطلع القراء على نص المقالتان اللتين تسببتا فى حرمانه عاماً كاملاً من الكتابة وهزتا كيان عبدالناصر، ولكن بعد أن قام بتعديلهما (وذلك لكى تشمل المقالتان العهد الناصرى بكامله وما ترتب عليه وأضاف لهما الأحداث الزمنية الجديدة) وقام بنشرهما مرة أخرى بعد موت عبدالناصر أيام السادات وفى وسط الثمانينيات.

المقالة الأولى:

تتكلم عن هتلر والنازية وحملت عنوان- سقوط اليسار- والتى قال فيها.. لو سئلت ما المشكلة المصرية التى لها الأولوية المطلقة الآن لقلت دون تردد: الفساد والسرقة والغش وخراب الذمم والكسل والسلبية والأيدى الممدودة التى تريد أن تأخذ ولا تعطى والأصوات التى تطالب بالحق دون أن تنادى بالواجب والنهم والجشع وتعجل الربح وضياع القيم وعدم الانتماء.. المواعظ لم تعد تجدى لأنها تخرج من أفواه لا تعمل بها، الكل يهدى ولا مهتد لو سئلت ما السبب لقلت سقوط الهيبة وانعدام القدرة وتراخى قبضة الحكم فى محاولة لإرضاء الكل، والحاكم الأمثل لا مفر من أن يغضب البعض ويصدم البعض ويواجه البعض بما لا يرضى لقد وقفت «تاتشر» أمام إضراب عمال المنجم ولم تهادن ولم تلن وطرحت القطاع العام للبيع رغم الاحتجاج والهتاف وأصوات الاستنكار، وأنقذت اقتصاد بلادها وعالجت التضخم،
وأعلنت أنها عائدة لتستأصل الاشتراكية من إنجلترا وحملتها أصوات الأغلبية إلى الكرسى من جديد تقديراً لشجاعتها، والإصلاح أحياناً يحتاج إلى جراحة وإلى إسالة بعض الدم لإنقاذ المريض من موت محقق والطبيب لا يكون طبيباً إذا افتقد هذا الحد الأدنى من الجرأة ليجرح ويضمد عند اللزوم وفى مصر تركة من الأخطاء القاتلة لابد من مواجهتها فى جرأة، مجانية التعليم الجامعى التى حولت الجامعات إلى مجموعة كتاتيب لا تعليم فيها ولا تربية ولا حتى مجانية وأضعف الإيمان أن يحرم الطالب الراسب من هذه المجانية،
وأن يدفع تكاليف تعاليمه وإلا كان حالنا من يمول الفشل والرسوب والإهمال من الخزانة العامة والخمسون فى المائة عمالاً وفلاحين فى مجلس الشعب التى لا مثيل لها فى الصين أو الهند أو فى روسيا أو فى أى بلد رأسمالى أو اشتراكى والتى لم تكن سوى رشوة قدمها عبدالناصر ليستدر بها التصفيق والهتاف وحق التعيين لخريج الجامعة فى الوظائف الحكومية سواء وجدت هذه الوظائف أم لم توجد وسواء كانت هناك مسوغات وضرورات للتعيين أم لم توجد وهى رشوة أخرى

وبدل بطالة قدمه عبدالناصر من خزانة مفلسة ترزخ تحت عبء الديون لكل عاطل متبطل ليقود له المظاهرات ويوقع على الاستفتاءات، غوغائية زعيم أراد أن يكتل الشارع خلفه ليضرب به أى طبقة تناوئه، الدرس الأول الذى تعلمه فى سنة أولى شيوعية فى كيفية الحفاظ على الكرسى اضرب الطبقات بعضها ببعض واشعل فتيل الحقد الطبقى ثم احتفظ بعربة الإطفاء الوحيدة يلجأ الكل إليك ويقبل الكل قدميك ويستنجد بك الخصم والصديق لأنك تكون حينئذ مرفأ الأمان الوحيد فى بحر الفتن والأحقاد والتناقضات وهكذا فعل صاحبنا فقد وعى الدرس وطبقه بحذافيره وهكذا ترك البلد بحراً من الفتن والأحقاد والتناقضات وميراثاً من الخراب لكل من حمله من بعده.
لأنهم يعلمون أنها القنابل الموقوتة التى تركها عبدالناصر بعد موته لتفرخ التناقضات والأزمات والمشاكل حتى تأتى على البنيان المتهالك من قواعده ولقد كان عبدالناصر يعلم حينما زرع هذه الوعود فى التربة المصرية أن الوفاء بها سيكون مستحيلاً كما أن الرجوع عنها سيكون مستحيلاً وأنها ستظل الشرخ القاتل الذى يقصم ظهر كل من يأتى بعده و«تاتشر» باعت القطاع العام فى المزاد بإنجلترا ووقفت فى وجه عمال مناجم الفحم المطرودين وأعلنت أنها عائدة لتستأصل الاشتراكية من بلادها وعادت تحملها إرادة الأغلبية إلى كرسيها من جديد وما ظن اليسار أنه مستحيل لم يعد مستحيلاً ولم يعد اليسار بالقوة التى كان عليها فى الخمسينيات والستينيات،
لقد تحول التيار السياسى فى العالم كله وسقط الفكر الماركسى حتى فى بلاده وتراجع اليسار فى إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وفقد أكثر مقاعده فى هذه الدول وفقد سمعته وفقد شرفه واليسار المصرى مجرد أعمدة فى الصحف وشعارات ولافتات وصيحات ولكن فى لحظة الامتحان لا يجد له رصيداً شعبياً ولا سنداً جماهيرياً وهو مجرد بقية مما ترك عبدالناصر وقد جاء وقت المواجهة ولا مهرب.. مواجهة الفكر بالفكر.. مواجهة الأكاذيب بالإحصاءات والأرقام الدقيقة.. مواجهة التزييف بالوقائع وبالتاريخ الثابت..

كما أن هناك من يقولون إن عبدالناصر ليس مسؤولاً عن الفساد والتدمير والإهمال والرشوة والخراب الذى وصل بنا إلى ما نحن فيه وهم يعلمون جيداً أن الفساد ما ولد إلا فى حكم عبدالناصر الذى غابت فيه الحرية وقطعت الألسن وقصفت الأقلام وسادت مبادئ النفاق والانتهازية وحكمت مراكز القوى وانطلقت عصابة القتل تعيث فى الأرض فساداً وما ولد الإرهاب الذى نعانى منه اليوم إلا فى زنازين التعذيب فى السجن الحربى بأمر وإشراف عبدالناصر فقد تسبب عبدالناصر وحكمه فى هزيمة منكرة وأرض محتلة ومصر صغيرة أصغر مما ورثها عبدالناصر بمقدار سيناء وبمقدار حجم السودان كله ثم يظهر أحمد بهاء الدين ليقول إن عبدالناصر ترك الخزانة مدينة بأقل من ألف مليون
واليوم هى مدينة بأربعين ألف مليون والظاهر أنه نسى أصول الجمع والطرح ونسى جدول الضرب أو تناسى أين أنفقت الأربعون ألف مليون وكيف أنفقت لإنشاء بنية أساسية تركها عبدالناصر منهارة مخربة أنفقت ليجد تليفونا يتكلم فيه ومواصلة يركبها وماء يشربه ومدناً سكنية.. يجد فيها الشباب غرفة يأوى إليها.. وكهرباء يقرأ عليها ومصادر طاقة وأمناً غذائياً يغطى احتياجات عشرين مليوناً زادوا فى التعداد منذ رحيل رجله وكل هذا بأسعار الثمانينيات وبالدولار الحاضر ثم حرب منتصرة محت عار وخزى ٦٧ بكل ما تكلفه الحرب المنتصرة ثم يمن علينا أحمد بهاء الدين بالسد العالى الذى أقامه صاحبه ولنذكره بالإنجازات الحافلة التى أنجزها صاحبه وكيف انتهت كلها إلى الإحباط وفى حياته الإنجليز الذين أخرجهم من القنال دخل مكانهم اليهود..

والقناة التى أممها ردمها.. والوحدة التى أعلنها مع سوريا رفضتها سوريا.. والاشتراكية التى تصورها راية قومية تجمع العرب تحولت إلى معركة تفرقهم.. ومجانية التعليم انتهت إلى حال لا هو مجانية ولا هو تعليم.. والإصلاح الزراعى هبط بالزراعة حتى جاء اليوم الذى أصبح فيه القمح يأتينا تبرعاً من أخوة لنا فى السعودية خضروا الصحارى وزرعوها دون اشتراكية أو شعارات.. وأخيراً انتهى عبدالناصر وانتهت سياسته إلى الهزيمة والخراب الاقتصادى وجميع أفكاره أخذت حظها من الامتحان وسقطت.
فماذا يحاول الناصريون الإيحاء به وما التقدمية والعلمانية التى يكلموننا عنها كل يوم.. إن مدلول الكلمة الحرفى والصريح هو نظام لا يؤمن إلا بهذا العالم ولا يعمل إلا من أجله ويرى فى حكاية الآخرة والله والحساب والعقاب أنها غيبيات، وسائل غير مطروحة لا تخص سوى أصحابها ولا تتخطى باب المسجد أما فى الشارع وفى المجتمع فلا حكم إلا للقانون الوضعى الذى ارتضاه البرلمان فإذا وافق البرلمان بأغلبية على إباحة الزنى والشذوذ والخمر والقمار والربا فإنها تصبح مشروعة وتكتسب قوة القانون وإن خالفت الأديان وصادمت الشرائع.
هذه هى علمانية أحمد بهاء الدين والأمثلة الموجودة والحاضرة لهذه العلمانية فى البلاد الإسلامية والعربية هى لبنان واليمن الجنوبى وبنجلاديش ونظام أتاتورك وجميعها أمثلة متفاوتة للأزمات الاقتصادية والديون والتخلف والتبعية وفقدان الهوية بل إن الكعبة التى يتجه إليها العلمانيون ويتلقون عنها وحيهم وإلهامهم نرى فيها العمال الكادحين يقفون فى طوابير ليشتروا الكرنب بالبطاقة بينما أعضاء الحزب الشيوعى يأكلون الكافيار ويركبون عربات فاخرة ونقرأ عن برجنيف أنه كان يمتلك جراجاً به أكثر من عشرين عربة فاخرة من أغلى وأفخر أنواع المرسيدس والليموزين وذلك ما يقوله دفتر أحوال هؤلاء العلمانيين برواياتهم وتوقيعهم وبدون تشنيع ومن أجل هذا سقط اليسار فى العالم كله وتراجع جورباتشوف عن أفكار لينين وستالين وبرجنيف وضرب بها عرض الحائط،
كما تراجعت الصين، كما انتكست الأحزاب الشيوعية الأوروبية على رؤوسها ولم يبق من دراويش الماركسية إلا اليسار المصرى يرفع رايات عتيقة بالية انتهت موضتها ويحلم بأمجاد ويقول لنا الزميل أحمد بهاء الدين موتوا بغيظكم وما مات بغيظه إلا صاحبه بل لقد مات بحسرته بهزيمة منكرة وإحباط لم يشهده زعيم قبله والزملاء الرفاق الذين يلبسون قميص عبدالناصر ينسون أن القميص أدركه البلى، وأنه دخل فى تركة ماض انتهى وأصبح مخلفات وأن العصر بمشكلاته ومتغيراته تجاوز عبدالناصر وفكر عبدالناصر وأن المشاكل التى استجدت تحتاج فكراً جديداً وأن نقود أهل الكهف التى يدورون بها فى الأسواق لن تشترى لهم شيئاً افتحوا النوافذ يا رفاق واستنشقوا الهواء نحن على أبواب التسعينيات.

المقالة الثانية

وقد حملت عنوان «الخروج من مستنقع الاشتراكية» والتى قال فيها.. مات الفكر الماركسى بالسكتة فى ساعة دون أن نطلق رصاصة تحية لجيته بمجرد أن الشعوب سمح لها بالكلام ولم تكن البورجوازية هى التى لعنت ماركس هذه المرة بل العمال والفلاحون والبروليتاريا والكادحون فى المناجم والطبقات المطحونة التى زعمت الماركسية أنها جاءت لنجدتها ظهرت الحقيقة وبرح الخفاء، ولم يعد هناك ما يدعو لأن نستمر فى الكذب وفى التستر على الأخطاء فلم تكن الاشتراكية العلمية إلى المحض الخبيث الذى خرجت منه هذه السلالة من السفاحين من لينين إلى ستالين إلى بريل إلى عملاء قتلة أمثال «هوبيكر وجيفكوف وميلوش ياكشى وتشاوتشيسكو» حولوا أوروبا الشرقية إلى زنزانة وسجن وساحة إرهاب وميدان للرعب تقطع فيه الألسن وتقصف الأقلام ولم تكن الاشتراكية العلمية اشتراكية
الموضوع الاصلي: منتديات شباب مصر | ايجى لفرز 
ولم تكن علمية وإنما كانت تلفيقاً فلسفياً ومكراً يهودياً صنعه ماركس وجر به العالم إلى حمامات دم وإلى صراعات رهيبة بين يمين ويسار استنزفت طاقات الشباب وضيعت أمماً ودمرت اقتصاديات وألقت بشعوب فى شباك عنكبوتية من الأكاذيب وظلت الأكاذيب تتناسب وتتوالد تحت حراسة حديدية من قوة السلاح وفى رعاية قبضة فولاذية من القوة المطلقة لا تتراخى حتى أذن الليل ورفع جورباتشوف قبضته وسمح بالكلام والمكاشفة والمصارحة فإذا به يفاجأ بشعوب تنتفض من سبات لتلعن الملة الاشتراكية ولتثور على سدنتها ولترفض أحزابها وزعماءها ولتطرد سفاحيها،
وإذا به يفاجأ بزعماء الأمس يفرون كالجرذان المذعورة من وجه شعوب تطاردها بالمظاهرات والهتافات واللعنات ومن عاد منهم وكابر أعدمه شعبه رمياً بالرصاص، وقد آن الوقت لمثقفين عرب كرسوا أنفسهم لخدمة هذا الفكر الفاسد أن يراجعوا أنفسهم وهم يرون أمامهم التاريخ فى أوروبا يصنع من جديد على نهج مضاد لما كانوا يرجون من آراء وتنبؤات خابت جميعها وكذبها الواقع وفى بلادنا حان الوقت لنصلح ما أفسده الاقتصاد الشمولى فى هيكل إنتاجنا المتداعى، وما صنعه التأميم والقطاع العام والأداء الفاشل للشركات الخاسرة ما لا تفعله مجانية شاملة لعشرة ملايين طالب من الحضانة إلى الجامعة بدون ميزانية ولمجرد الفشر بأننا نعلّم الفقير والمعدم مجاناً ولا مجانية هناك ولا تعليم ولا تربية
وإنما إهدار واستنزاف بلا عائد سوى الخلل الذى أدى إلى هجرة الفلاحين، من الريف إلى المدينة حيث المدارس والجامعات ليصبحوا جميعاً وزراء وبكوات ومهندسين وأطباء ومحامين، واختلت البنية الاجتماعية فلا يمكن أن نتصور جيشاً كله جنرالات وقادة بدون جنود وتوقفت الزراعة فى الريف ونزل الفلاحون لشراء الخبز والزبد والبيض والدجاج من المدينة ومدت المدينة يدها لتستورد القمح والدجاج والبيض من هولندا وأمريكا، وأنا وزير وأخويا أمير وابن عمى مدير يبقى مين حيسوق الحمير ومن يجمع الزبالة بالقاهرة والمحافظات..
أخطاء القرارات الاشتراكية التى أعلنت فى الستينيات ألقت البلاد فى مستنقع من التناقضات والصراعات والعقم الاقتصادى والتدهور الإنتاجى ولا أحد يواجه الكارثة، والنتيجة هو منطق عام اسمه لا مساس لا مواجهة لا حسم ولا أدرى ما السبب أهو الخوف من عواقب المواجهة ولكن الخوف له فاتورة تتراكم هى الأخرى وقد عاش عبدالناصر فى الخوف من الجيش وفى الخوف من المخدرات فظل يؤجل المواجهة، الحاسمة من سنة إلى أخرى لا مساس بهذا ولا مساس بذلك وظلت فاتورة الخوف تتراكم حتى دفعها عبدالناصر مرة واحدة فى هزيمة ٦٧ ولم تجد بعد ذلك قرارات محاكمة صلاح نصر ولا اعتقال عبدالحكيم عامر، لأن أوان الحسم كان قد فات وحمل عبدالناصر وحده خزى الدهر واقترنت الهزيمة باسمه وبسياسته..
وكل ما تفعله أنها تؤجل المواجهة وتؤدى إلى عواقب تراكمية يرتفع فيها المد وراء السد حتى يحطم السيل ويقول صاحب المشكلة اتركها لمن يأتى بعدى يحلها، وأوفر على نفسى المصادمات ولكن من أدراه متى يأتى الطوفان..
ولا توجد روشتة شافية ولا وصفة منجية تخلص أى صاحب مسؤولية من مسؤوليته ولا يوجد إلا حل واحد هو الخروج من مستنقع الاشتراكية بمواجهة أخطائها وإصلاح ما أفسدته فى البنية الاجتماعية ودول أوروبا الشرقية تفعل هذا، وعلينا نحن أيضاً أن نفعله، ظروفنا أحسن فلسنا فى المأزق التراجيدى الذى تمر به دول أوروبا الشرقية، لأننا قطعنا أكثر من نصف الطريق بقرارات العادات الجريئة ولم يبق إلا أن يعيش طريق اليسار فى خزى ووجهه بلون الأرض وهو لا يفتح فمه إلا بهراء وقد تغير اتجاه الريح وانتهى عصره وبدأ عصر جديد لابد أن يسود فيه فكر جديد ومنهج جديد فالآن وليس غداً..
ومن ليل العذاب تجمع ملايين اليابانيين على أنقاض هيروشيما ليضعوا اليد على اليد فى ميثاق عمل.. ميثاق عرق.. ميثاق سهر وقد فعلوها وصنعوا قنبلة اقتصادية.. فجروا ثورة إنتاجية.. قادوا مظاهرة علمية بهرت العالم.. ردوا على أمريكا بتحد أكبر وأخطر، هذه أمم مرشحة لقيادة التاريخ فى السنوات المقبلة، لقد رفع أجدادنا أهرامات بدون حديد وبدون مسلح وبقيت على الزمان خمسة آلاف عام ونحن نرفع عمارات من الأسمنت والخرسانة والمسلح لتقع منهارة بعد شهور من بنائها والفرق الوحيد هو هذا الشىء الذى نتحدث عنه، روح الجد عندهم..
وروح اللعب والعبث عندنا إن العمر قصير والإنسان لم يولد ليعيش عبثاً ويموت عبثاً، ويجب أن نعمل شيئاً فى حياتنا.. وهناك شىء فى الذوق العام وفى الفهم وفى الوعى وفى الإدراك يجب أن يتغير وعلينا أن نجدول أولوياتنا من جديد بحيث يكون العمل الجاد فى البند الأول واللعب فى البند الأخير

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin


عدد المساهمات : 672
النشاط : 1661
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: مذكرات دكتور مصطفى محمود .. الجزء السابع .. وثيقة التكفير    الخميس ديسمبر 19, 2013 10:27 pm

حينما خطوت أول خطوة وأنا داخل المجلة لمحتها.. لمحت تلك النظرة المرتبكة المدفونة فى الأرض.. الكل (حارس الأمن.. الموظفون.. الزملاء) يحيوننى فى ارتباك.. وهم ينظرون فى الأرض.. فقد كانت سكرتيرة إحسان عبدالقدوس تنظر لى نظرة ممتقعة وهو بنفسه دافن نظراته بين أوراقه لا ينظر إلىّ مباشرة
■ الصدمة أصابت الكل.. أول حركة تكفير يسمع عنها الناس فى القرن العشرين.. هل تعلمون من هو أول من صدم.. الشيخ حسن مأمون.. صاحب الفتوى نفسه.. فالأزهر الشريف لم يكن هو أزهر اليوم.. كان إمام الوسطية العالمى عندما اعترضوا عليه وعلى أفكارى لم يذكروا اسمى فى نص الفتوى بل كل ما ذكروه عنى هو الأستاذ (م. م) وسمونى الدكتور المتعلم.. لأنهم لا يريدون تعبئة الناس ضدى.

مصطفى محمود

التشرذم.. المعاناة.. الاكتئاب.. الاعتقال.. النفى.. الحجب.. انتهاك جميع الحقوق كل هذه تعبيرات أطلقها المفكر الكبير مصطفى محمود على فترة حجبه عن الكتابة وحرمانه من الحرية والتحليق فى سماء بلاط صاحبة الجلالة.. وقال.. أصعب ما يقابله الكاتب أن ينساه جمهوره.. لا يفرق معك المال أو الشهرة.. القهر كل القهر هو أن تجد نفسك قد اصبحت منسيا.. تصبح كالعارى.

كان مصطفى محمود لا يريد أن يطيل الكلام عن عهد الناصرية أو الناصريين بالمرة.. فقد ذكرنا عدة عشرات من المؤلفين والمؤلفات تناولت هذا العصر باستفاضة.. فمنهم من جعل من ناصر نبيا ومنهم من رماه بكل لعنات الأرض..
أما مصطفى محمود فيقول إن هذا لا يهمنى فى شىء فالأنظمة فى مصر غالبا ما تبدو قوية جدا من الخارج لكن الحقيقة أنها من الداخل كيان ضعيف جدا.. هى قوية على اهل مصر.. ولا أريد أن أقول إنها ضعيفة أمام العالم الخارجى.. لأن العالم الخارجى عموما لا يعرف بوجودنا.. ليس لا يعترف بنا بل لا يعرف.. وإن كان يعرف عنا شيئا فهى صورة البدوية التى تحمل جرة أعلى رأسها والبدوى الذى يرتزق من حملهم فوق النياق ليلهوا أمام الأهرامات يتصورنا بدوا مازلنا نعيش فى خيام ونرعى الأغنام ونعيش فى الصحراء.

هنا ينهى هذا العهد بنشر الوثيقة التى ادعى البعض أنها كفرت الدكتور مصطفى محمود.. نشروا اتهامات بالتكفير.. وقالوا إنها اقتطفت من نص فتوى الأزهر فى كتابه (الله والإنسان ).. الأمر الذى حشد وجيش اللاعنين فى حقه.. لم يذكر أحد الحقيقة.. ولم يعرفها أحد حتى الآن.. فتزييف الحدث «كان حريقة».

الصدمة أصابت الكل.. أول حركة تكفير يسمع عنها الناس فى القرن العشرين.. هل تعلمون من هو أول من صدم.. الشيخ حسن مأمون.. صاحب الفتوى نفسه.. فالأزهر الشريف لم يكن هو أزهر اليوم.. كان إمام الوسطية العالمى عندما اعترضوا علىّ وعلى أفكارى لم يذكروا اسمى فى نص الفتوى بل كل ما ذكروه عنى هو الاستاذ (م. م) وسمونى الدكتور المتعلم.. لأنهم لا يريدون تعبئة الناس ضدى..

 ليست هذه وظيفة الدين أو الازهر أو لجنة الفتوى.
هناك سؤال سيفرض نفسه بعد قراءة هذه الوثيقة.. والتى كانت لجنة الفتوى بالأزهر أكثر رقة مما كنت اتصور فيها .. من وراء الهجوم الذى لاحقنى؟؟ وهذا السؤال سأنهى به هذا العهد تماما.. وفى هذه الوثيقة ستجدون رأى فتوى هيئة علماء الأزهر فى كتابى الأول الذى أثار الجدل والضجة والذى سبق أن ذكرت فى حلقات سابقة أننى تراجعت عنه بعد أن وصلت لليقين الإلهى.
( الآتى نص فتوى ورأى علماء الأزهر فى كتاب الله والإنسان حرفيا كما هى محفوظة داخل مجمع البحوث):
« سؤال: من الأستاذ: م.ح.أ بطلب قيد برقم ١٣٥٧ سنة ١٩٥٧ يرغب فيه منا أن نطلع على كتاب (الله والإنسان) ونبدى رأينا فيه.

أجاب: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبى بعده . وبعد:
فقد اطلعنا على هذا الكتاب الذى ألفه الدكتور (م.م) وأخرجه فى مارس سنة ١٩٥٧ بعد أن نشر بعض فصوله فى مجلة روزاليوسف. ونظرا لأن هذا الكتاب قد أثار ضجة كبيرة.

وطلب منى الطالب بصفته ممثلا لمجمع البحوث العلمية، وجماعة البر والتقوى إبداء رأيى فيما نشر بمجلة روزاليوسف من الكتاب، وفى الكتاب نفسه بعد طبعه وتوزيعه على القراء.
وقد قرأت هذا الكتاب من أوله إلى آخره قراءة هادئة غير متأثر بما أثير حوله، لأننى لا أحب أن يصدر حكمى عليه فى جو عدائى له أو جو تسيطر عليه فكرة سيئة عنه.

ولذلك أجد من الإنصاف أن أقول: إن الكاتب عنى فى كتابه بتمجيد العقل والعلم والحرية، وإظهار أثرها فى تقدم الفرد والأمة. ولا جدال فى أن الدين الإسلامى قد سبقه إلى ذلك فقد عرف للعقل قيمته وقدره. وطالب الناس بالتفكير فى خلق الله، وبالنظر والاعتبار، ونجد آيات القرآن الكريم حافلة بذلك.

كما أنه دعا إلى العلم بكل ما يحتاج اليه الإنسان فى حياته وفى مماته، وكل ما يرفع شأن البشرية، ويحقق على الوجه الأكمل معنى خلافة الإنسان عن الله فى أرضه، يعمرها ويستخرج كنوزها ويفيد من كل ما وضع الله فيها، وأيضا فإن الإيمان الذى فرضه الإسلام وسائر الأديان السماوية.

وهو الإيمان بأن للعالم إلها واحدا هو الله سبحانه وتعالى وهو المستحق وحده للعبادة والذى يستعان به ولا يستعان بغيره فى كل شؤون الحياة يحقق معنى حرية الإنسان فى أسمى صورها وأعلى مراتبها. فالمؤمن. إيمانا صادقا لا يكون عبدا لغيره، ولا عبدا لشهواته، ولا لأى شىء آخر سوى الله سبحانه وتعالى الذى خلقه وخلق كل شىء.

فدعوة الكتاب إلى تخليد العقل والعلم، وإلى أن يفكر الإنسان تفكيرا حرا مستقيما، دعوه لا ننكرها عليه، ولا ينكرها الدين الإسلامى. فما جاء فى آخر الكتاب من الدعوة إلى أن يتكاتف السياسى اليقظ والمفكر الحر ورجل الدين العصرى إلى أن يكونوا فى توثب دائم ليكسروا الدروع السميكة حول أعدائنا، ويمزقوا عن وجوههم القبيحة النقاب لاشىء فيه وهو مما نوافقه عليه.

غير أن الكتاب لم يخل من أخطاء لا نستطيع أن نمر عليها بدون إبداء رأينا وعلى الأديان كلها هجوم واضح نلمسه فى كتابه فى كثير من المواطن.
واعتقد أن هذا الكاتب وأمثاله لم يقعوا فيما وقعوا فيه من خطأ إلا لأنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء دراسة الأحكام التى دعا الإسلام الناس إلى اتباعها بدليل أنى لم اجد فى كتابه شيئا منسوبا للدين يستحق أن ينتقد أو يزدرى وسنذكر بعض الأمثلة من خطاه الذى لا نقره عليه بل إننا نعتقد أنه لو راجع نفسه لا يقر هذا الخطأ.

ص ٢٤
(والطريقة العصرية فى بلوغ الفضيلة ليست الصلاة، وإنما هى الطعام الجيد والكساء الجيد، والمسكن الجيد. والمدرسة والملعب والموسيقى).
ص٢٦
( لقد صنعنا الصلاة على المذاهب الأربعة ولم يبق إلا أن نجرب الطعام الجيد)
وهذا من أمثلة الخطأ.. فهو خطأ فاضح فليس من الإنصاف أن يقول كاتب: إننا صنعنا الصلاة، فالصلاة لم يصنعها الإنسان، وانما أمر بها الله ولا أدرى ما الذى دعاه إلى مثل هذا التهجم على أوامر الله إنكار فائدتها أولا، وبنسبة صدورها لا إلى الله بل إلى الناس ثانيا. ولو قال بدل هذه العبارة أننا امتثلنا إلى أوامر الله بالصلاة وذقنا أثرها وحلاوتها فى صدورنا فلنضف إليها أيضا ما تحتاج إليه أجسامنا ومقومات حياتنا لنكون أقوياء بإيماننا وبأجسامنا وأرواحنا حتى نستطيع أن نواجه عدونا بهذه الأسلحة مجتمعة.

ص ٥٤
تهجم على الأديان
والأديان سبب من أسباب الخلط فى معنى السعادة لأنها هى التى قالت عن الزنى والخمر لذات وحرمتها فتحولت هذه المحرمات إلى أهداف يجرى وراءها البسطاء والسذج على أنها سعادة، وهى ليست بسعادة على الاطلاق .
ليحفظ للواقع: أن الدين وهو يحرم بعض ما يشتهيه الإنسان ويلذ له إنما يحرمه للضرر الذى يعود عليه من الجرى وراء ملذاته فقد حرم الخمر ليحفظ للناس عقولهم.. وحرم الزنى ليحملهم على الزواج والتناسل فيحفظ بذلك النوع الإنسانى على أكمل وجه ويقيه شر الانحلال والانقراض والانهيار.. هذه هى الحقيقة التى ما أظن أن الكاتب غفل عنها ولكنه مع هذا يخطئ فى التعبير فيقول: إن الأديان سبب من أسباب الخلط فى معنى السعادة وأن السعادة ليست تحررا بحيث يفعل الإنسان كل ما يريد وكل ما تشتهيه نفسه ولو كبه ذلك على وجهه وأوقعه فى الهلاك.

ص ١١١
الله فكرة، أنه فكرة فى تطور مستمر كما تدل على ذلك قصة تطور الأديان.. وفى فقرة أخرى يقول (وشريعة هذا الدين- أى الذى يدعو إليه- بسيطة جميلة وهى الولاء للحياة).
يقول المفتى.. الكاتب هنا يطعن فى الذات الإلهية فيتحدث حديثا ما كان واجبا أن يتحدث بمثله.. ويضيف.. لا أيها الكاتب المتعلم تعليما جامعيا ليس الله فكرة كما تقول، وإنما سبحانه وتعالى ذات منزهة عن صفات الحوادث ومتصفة بجميع صفات الكمال، وهو الذى خلقك وخلق كل ما تراه حولك فليس الله فكرة متطورة كما تقول وليست الأديان قصة كباقى القصص التى لا أصل لها وانما الأديان السماوية حقيقة أيدها الله سبحانه وتعالى بالمعجزات، التى أجراها على أيدى رسله.

ص١٨
أنا فتحت عينيى فى يوم لأجد نفسى وحيدا وإلى جوارى مصحف وحجاب لمنع الفقر.
ويقول المفتى عن القرآن الكريم.. إن هذه المعجزة معجزة خالدة باقية.. عجز العرب وغيرهم أن يأتوا بمثلها.. وهى القرآن الكريم.. فالمصحف الذى وجدته ولا يمكن لمثلك أن يكون بعيدا عنه هو المعجزة التى يكفيك أن تقرأه وتمعن النظر فيه لتعرف الأسس التى تضمنها، والتى لو عمل بها الفرد وعملت بها الأمة لتحقق الفرد الصالح والأمة الصالحة، ولما صار الشرق كما نراه الآن بعيوبه وبضعفه، فإن الإسلام لا يعرف الضعف والضعفاء ولا يعرف السعادة التى يحققها حجاب أو دعاء.. كما تريد أن تلمز به الإسلام بحملك الحجاب مع المصحف، فلا يوجد فى الشريعة الإسلاميه حجاب يمنع الفقر أو يجلب السعادة وإنما يوجد عمل دائب مستمر لتحقيق معنى السعادة الحقيقية..

السعادة المؤسسة على قوة المادة وقوة الروح معا، ولعلك لو تحدثت عن الشرق وقد استحال أمره إلى أن يكون له جيوش ومصانع وطيارات، وغير ذلك مما يوجد فى الغرب، الذى لا يحول الإسلام بينه وبين أن يبلغه لما كان حديثك عن الإسلام هذا الحديث المتأثر بحالة الشرق الآن تأثرا دعا إلى أن تمجد المادة التى وصل إليها الغربيون التى لم يصل إليها الشرق بعد لا لأن الدين قد حال بينه وبين بلوغه، ولكن الاستعمار الذى رزخ على صدر الشرق والشرقيين فى القرون الأخيرة هو السبب الأكبر فى ذلك».

ص ١١٩
فلا محل لافتراض فى بقاء آخر روحانى لهذا الترابط المادى البحثى.. إنها نهاية طبيعية إذن.. أن يبعث الإنسان حيا بعد الموت هو والدودة التى فى بطنه والقملة التى فى رأسه فهذه تعنى روحية الأديان.
وفى فقرة أخرى «أن دعوى الخلود الشخصى لا يسندها العلم ولم تعد تسندها الضرورات الاجتماعية القديمة».
كانت هذه الدعوى العريضة التى يدعيها الكاتب فى كتابه ويقول عنها دعوى الخلود الشخصى لا يسندها العلم.. لم يقل لنا اسم العلم الذى ينكر الحياة الآخرة اللهم أن يكون قولا لبعض العلماء المتطرفين، الذين مجدهم الكاتب فى أثناء كتاباته أما العلماء الذين بحثوا فى أصل الإنسان، وعرفوا عظمة الله وقدرته فيما كشفوه عن بعض آثارها فى الأرض والسماء، فما أظن أنهم ينكرون الحياة الثانية أو ينكرون وجود الله وقدرته وعظمته.

ص١٣١
إن الله ليس فوق الجدل.. وليس فوق العقل.. وليس فوق الواقع.. إن الله هو العقل وهو الواقع، وهو مجموع القوى الكونية التى تعمل خيرنا فى كل وقت، وهو قوى تقبل المراجعة والتفكير والبحث والتطوير.
هنا إنكار الله بتعبيرات ضعيفة لا يسندها منطق ولا دليل ولا شبة دليل ما الذى يريده الكاتب من هذه العبارات؟ هل يريد أن يوحى إلى قارئيه بأن الكون الذى يعيش فيه ويعيش فيه الناس خلق هكذا دون خالق؟ وهل العقل الذى يمجده ويقول إنه هو الله الذى أوجد هذه المخلوقات كلها، وإذا كان العقل هو الموحد كما يقول فلماذا وجد عند قوم وكان ضعيفا ومعدوما عند آخرين.

دعاء المفتى للكاتب

نسأل الله لهذا الكاتب وأمثاله الهداية والرجوع إلى الحق ـ فإن الرجوع إلى الحق فضيلة.. والله أعلم»
والآن بعد أن خرجت هذه الوثيقة لأول مرة أحب أن أنوه إلى أننى لم ألق عليها أى نظرة.. منذ أن خرجت حتى قريبا.. لدرجة أننى توقعت صدق ما قيل.. لم أمسكها بيدى أو أعرف محتواها إلا عندما كلمنى الشيخ جاد الحق على جاد الحق.. وأعطانى نسخة منها.

■ هل تعلمون ما الشىء الكريم فى هذه الفتوى؟.. وفى صاحبها؟
- حسن مأمون «١٨٩٤ إلى ١٩٧٣» الذى كان أبوه إمام مسجد الفتح بقصر عابدين، وكان حسن مأمون ملما بالثقافتين العربية بالإضافة إلى الفرنسية وكان إمام أو رئيس «دار الإفتاء منذ ١٩٥٥ إلى ١٩٦٤، ويذكر أنه خلف الشيخ شلتوت فى مشيخة الأزهر.
■ هل تعلمون ماهو العجيب؟
- إن المفتى ذكر ما يتفق فيه معى قبل ذكر الاختلافات.. إضافة إلى أن الفتوى لم تذكر أى اتهامات بالتكفير أو التفسيق أو التبديع أو عنف لفظى ضد الكاتب رغم «ظهور افتراءات زعم نقلها من نص الفتوى، التى ذكرت بالكامل ورقمها هو ١١١٦ وبعنوان رأى الإفتاء فى كتاب الله والإنسان.

لم تنشر الفتوى وقتها أبدا لعدم التشهير حتى إنهم ذكروا اسمى بالدكتور مصطفى بحرفين «م.م»
وهنا نلاحظ ما يحدث الآن من مهاجمة بعض المؤلفين المغمورين فيجعلون منهم نجوم مجتمع، ويقبل الناس على شراء كتاباتهم التافهة.

لم تذكر الفتوى أى دعوى بمصادرة الكتاب، ولم تطلب ذلك بل اكتفت بمناقشتى وأفكارى والسؤال النهائى الذى يلقى بنفسه إذا كان موقف الأزهر ودار الإفتاء يظهر واضحا من خلال هذه الوثيقة.. فمن وراء كل دعوات التكفير التى هاجمتنى.. ودعاوى الزندقة التى هاجمتنى طوال عقد من الزمان؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin


عدد المساهمات : 672
النشاط : 1661
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: مذكرات دكتور مصطفى محمود .. الحلقة الثامنة ..نساء في حياتي    الخميس ديسمبر 19, 2013 10:38 pm


أحيط قلبى بغلاف من الزجاج وعزلة عن كل المشاعر.. وفى وسط زحمة آلاف المعجبات.. ومئات اللاتى يتصلن بى.. وعشرات الفنانات اللاتى أقابلهن يوميا ظل ذلك الحاجز قابعاً على قلبى لا ينقشع.. ولم تستطع إحداهن اختراقه.. وكل صباح كان يهتف: ألم يحن الوقت؟.. ألن أقابلها؟
■ أريد زوجة هادئة شقية.. أحترمها وتحن علىّ.. أضمها وتحتوى جنونى.. تمد يدها لتزيل غلاف الحزن الرابض على صدرى.. ألن أقابل مَنْ تعتصر قلبى بمشاعرها.. ألم يحن الوقت بعد؟!

مصطفى محمود

عاش مصطفى محمود مثلما مات تماما.. وحيدا.. ووحدته المقصودة هنا لا تعنى أنه عاش وحيدا، لأن الجميع كانوا يحيطون به.. تشكيلة الصفات التى تمتع بها (مثل هدوئه وعصبيته، رقته وقوته، حنانه وجموده، طيبته وقسوته) عند الحاجة إليها وهبته كاريزما غير تقليدية.. كان دائما ما يجد نفسه محاطا بالجميع.. لكنه مع ذلك وحيد.. وحدته فى تفرد نفسه ومشاعره وبالتالى لم يجد من يتعمق داخله ويفهمه ويروض تلك المشاعر.. فعن الحب يقول مصطفى محمود: «الحب بالنسبة لى هو الحياة.. الماء.. الهواء.. التنفس لا أستطيع أن أعيش بدون حب ولا يستطيع أى إنسان أن يتجرد منه.. إنى أكاد أجزم بأن حبى الآن مختلف عن حب الآخرين».

الفنانات والمطربات.. كبار الكاتبات.. كل النجمات فى مصر جلسن بين يدى مصطفى محمود.. حتى بنات العائلات، فهو كان أول من أطلق باب اعترافات عشاق، واعترفوا له فى مصر والوطن العربى فكن يفضفضن.. ويستمعن إلى خلاصة كلامه.. سعاد حسنى.. شادية.. مديحة كامل.. ليلى طاهر.. نادية لطفى.. وكلامه عن هؤلاء يحين دوره فيما بعد.. خصوصا أن آلاف النساء والفتيات.. و.. و.. كن موجودات أمامه، والجميع يخفقن لرؤية مصطفى محمود.

لم يكن فى وسامة عمر الشريف.. ولا فحولة رشدى أباظة ولا فى حنان وشجن حليم، ولكن مع ذلك - والكلام على لسان صديقه الأول الفنان عبدالوهاب - «كانت الفتيات عندما يجدن مصطفى محمود يركب بجوار عبدالوهاب فى مقعد سيارة أى منهما الخلفى، كن يفتحن الباب فى إشارات المرور ويرتمين على الدكتور حاضنات إياه ومقبلاته.. ولم يكن يخلصه منهن إلا سائق محمد عبدالوهاب.. ولكنه على الرغم من ذلك.. وفى وسط كل هؤلاء كان بداخله يهتف: ألم يحن الوقت بعد؟.. ألن أقابلها؟.. ألن أقابل من تعتصر قلبى بمشاعرها؟.. أريد فتاة رقيقة هادئة شقية تصفق الأبواب بقدمها تشعل ما بداخلى..».

النساء فى حياة مصطفى محمود قليلات.. والمقصود بهن هنا النساء اللاتى دخلن إلى أعماقه.. ويتلخصن فى أمه، وأخته زكية.. وزوجته الأولى سامية، أم اولاده، وابنته أمل، وأخيرا زوجته الأخيره زينب.. وبعد طلاقه وانفصاله عنها ليزهد النساء.. وربما الحياة عموما.
وعن أولى هذه النساء.. قال: أخبرتكم من قبل أن أمى هى الزوجة الثالثه لأبى.. وهو كان الزوج الثالث لأمى.. لا أريد أن أقول كلاما تقليديا عن كونها أعظم أم فى العالم أو أطيب أم فى الخليقة لأننى لا أحب الكلام بهذه الطريقة الكلاسيكية.. لكن بالفعل أمى كانت أعظم أم فى العالم.. يكفى أننى كلما تذكرت صفة واحدة من صفاتها أبكى.. عندما ماتت وخرج السر الإلهى كنت أقف بجوارها أبكى بشدة وأقول لها «كلمينى ولو كلمة واحدة فقط، قولى إنك راضية عنى، واغفرى لى شقاوتى وتمردى اللذين تسببا فى إرهاقك طوال هذه السنوات».. هل تعلمون ما أعلم؟..

الحمد لله أنى ملم بكل خواص الأمومة وصفات كل الأمهات فى جميع الأجناس.. عند جميع الحيوانات.. عند كل فصائل الطيور.. والأسماك.. بالطبع أنتم لا تحتاجون أن أضيف أن سبب اهتمامى بصفات الأمومة عند كل هذه الكائنات كان منبعه الأثر الذى تركته أمى بداخلى.. تركت بداخلى شيئا مثل قلب آخر فكأنى أعيش بقلبين.. قلبى العادى وقلبى الآخر الذى ينبض كلما لمحت لمحة أمومة عند كائن حى ليذكرنى بست الكل وتاج رأسى المرحومة أمى..
وللأسف أنى لا أمتلك صورا لها كنت أعطيتها لكما، لكنى مازلت أحتفظ بصورة لوالدى سوف أعطيها لكما.. إذاً تستطيعان أن تقولا إنى قد أغرقت المشاهدين الذين تابعوا معى برنامجى (العلم والإيمان).. بكل حلقات الأمومة عند الحيوانات والطيور، وكان السبب فى ذلك هو أننى كنت أبحث عن الأثر الذى تركته أمى بداخلى..

 أحيانا لا أتذكر كل التفاصيل عنها وأحيانا لا أتذكر كل المواقف لها، لكن لو تذكرت لن أنسى ذلك المشهد وأنا عائد ذات يوم من القاهرة بينما كنت كبيرا بالغا أستطيع فيه السفر إلى أى مكان، ونظرت من نافذة القطار وأنا مقترب من محطة طنطا حيث نعيش فوجدتها تقف مستترة فى زاوية أحد المنازل القريبة من المحطة بعباءتها وغطاء الرأس الخاص بها وتنتظر فى قلق..

وعندما نزلت من القطار ذهبت إليها فلم أجدها.. وعدت إلى المنزل سريعا فوجدتها تمارس أمور معيشتها بملابس البيت، عادى جدا وكأنها لم تكن موجودة.. لم أحدثها فى الأمر، وسرعان ما غادرت إلى القاهرة لأننى كنت فى تلك الفترة التى سبق أن أخبرتكما - أنى كنت أبحث عن نفسى فيها.. كنت أتعمق فى الموسيقى وأذهب إلى الحفلات لأعزف بها مجانا حتى لو وراء راقصة.. ثم أحسست بضآلة الأمر وأن هذا ليس مقصدى فبدأت التفكير جديا فى دراسة الطب.. والتركيز فيه وبدأت أحول مرحلة الكتابة من مجرد أفكار إلى التنفيذ ومن ثم ترددت على المجلات والصحف الشهيرة فى هذه الأيام.. وفى كل مرة من المرات التى كنت أغادر فيها إلى القاهرة كنت أجد أمى تقف نفس الوقفة.. وبنفس الطريقة.. لا يطمئن قلبها أو يهدأ بالها إلا بعد أن تتأكد من عودتى.


كنت أستمد منها الإكسير الذى أعيش به رغم أنى كنت أشقى مخلوقات الله.. بالمناسبة الشقاوة فى الأطفال ليست عيبا، فهى إذا وجدت من يوجهها ويروضها تحولت إلى طاقة بناءة ومنتجة.. كنت مصدر تعب وإرهاق دائما وأبدا.. فى كل مرحلة وفى كل خطوة أتخذها هى من تتعب معى، مثل اليوم الذى أحضرت فيه الجثة تحت سريرى لأمارس عليها التشريح، ولأننى حافظ ردود أفعال أمى خبّأتها تحت السرير ولم أعمل حساب اليوم الذى اكتشفتها فيه.. ولكنكما مؤكد ممكن أن تستنتجا.

وأضاف: «أهم اللحظات التى بكينا فيها معاً فى اليوم الذى خرجت فيه قاصدا القاهرة بدون نية العودة.. كنت أريد لطموحى أن يتحقق حتى لو على حساب دراستى.. المبدأ جاد لكن الأسلوب الذى اتبعته فى الحضور إلى القاهرة قاصدا المجلات والصحف.. لأبدأ فيها مرحلة الكتابة والتأليف ومررت بأيام صعبة ولكنى تعلمت منها خصوصا أننى لم أجبر على فعل ذلك ولم تضطرنى ظروف ما.. وعندما عدت بعد فشل هذه التجربة - لكنى بالطبع تعلمت منها فيما بعد - أحسست بأنى أخطأت كثيرا فى حقها علىّ وفى حضنها بكينا معا».

لم يُرد مصطفى محمود أن يسرد الجزء الخاص بوفاتها، وقد حاولنا احترام هذه الرغبة فى البداية.. ولكننا عدنا فألححنا فقال:كل ما أتذكره أنى دفنت جثمانها الملفوف فى الأبيض داخل قبرها بيدى.. والناس يغلقون المقبرة وأنا لا أريد أن أغادرها حتى كدت أن أدفن معها.. وأنا لا أكاد أرى سوى ذلك الأبيض الذى يختفى شيئاً فشيئاً مقروناً بأصوات صراخ وصوت مقرئ.. وأياد تربت علىّ.. وآخرون يعانقوننى وفراغ بداخلى لم يملأ ولن يملأ!!!!

وعن السيدة الثانية فى قائمة من احتللن قلب مصطفى محمود، وهى الحاجة زكية أخته الكبيرة من الأب - لمصطفى محمود تسعة إخوة من الأب لا يوجد بينهم غير مختار الشقيق - يقول: أختى زكية حاولت جاهدة أن تكمل دور الأم الذى افتقدته فى فترة مهمة للغاية.. فترة البناء، الفترة التى حوربت فيها كما سبق أن ذكرت.. وسأسأل سؤالاً: من من البشر ممكن أن يتحمل الظروف التى ذكرتها إبان نوبة المهاجمة والتكفير وحدى؟ بلا زوجة أو أم؟ وهذه كانت مرحلة أختى بلا منافس..

هل تعرفون الأخت الكبيرة الطيبة التى تبكى بشدة لو سمعت أن قدمك اصطدمت بحجر فى الشارع.. والتى تقف خلفك فى ظهرك وقت شدتك بدون انتظار أى نتيجة منك، هى تفعل ما تراه صواباً.. لا تنتظر منك أن تكون وزيرا أو رئيسا للجمهورية.. هى لا تفرق معها.. نعم ستضحك بعض الوقت ولكنها لا تنتظر مقابلاً ما، فكل ما يهمها أن تجد الابتسامة مرسومة على وجهى..

وأهم من ذلك كله أنها أنقذتنى.. نعم فقد جاءت إلىّ بعد التشهير بى مباشرة وأخذتنى فى حِجْرها.. وغطتنى بطرحتها البيضاء كما تعودت وأنا صغير.. وحمتنى من الصحفيين ومراسلى الراديو والمجلات - لم يكن وقتها هناك وسائل إعلام كما فى الوقت الراهن ولا فضائيات - وبعد شهرين أو أكثر أنهضتنى على قدمى ونظرت فى عينىّ فوجدت أنى ما زلت أمتلك إصراراً على أن أتحدى من وضعنى فى هذا الموقف.. فأجلستنى أمامها وهى تبحث عن مدخل الكلام..

كنت أنظر إليها وأنا أفهمها وأعرف ما تريد أن تقوله لى.. عندما تعدل طرحتها البيضاء عند الكلام ويداها تعبثان بأكواب الشاى وتبدأ الكلام بأبى، فإنى أعرف أن الكلام لن يعجبنى لذا قصرت عليها الطريق وسألتها: إيه الموضوع يا أختى؟ فقالت كلاما كثيرا عن كونى أمل الأسرة جميعا.. وقالت إن نشأتى المختلفة وأحداث الصغر غير العادية جعلت إخوتى جميعا يدركون ما سيكون عليه مستقبلى بإذن الله..

فهل واجبك الأول هو تحقيق آمال أهلك فيك.. أم العبث وراء المجلات والصحف.. كنا نفرح وأنت صغير أثناء قراءتك قصص الأنبياء وغيرها قبل من هم فى مثل عمرك.. كنا نفرح وأنت تجتهد ونزغرد والمدرسون يصفونك لنا بالعبقرى.. لكننا لا نريد منك أن تكون عبقرياً وميتاً نريدك فى وسطنا حتى لو بنصف ما أنت عليه الآن.. يا مصطفى يا عمرى ده مش كلام قصص أو مجلات.

وسكتُّ أمام ناظريها وابتلعت لسانى ولم أقو على الحديث بحرف واحد.. أختى الأمية هذه زرعت بداخلى ناقوس الخطر، وشغلت الإنذار.. أنا عندى أفكار جديدة على الوطن العربى.. لم يقتحمها أحد أبداً.. مثل الخيال العلمى.. أدب وسينما الخيال العلمى غير موجودة فى المنطقة العربية وتحتاج من يغامر بالدخول فيها وأنا مستعد لها من فترة وعندى مجموعة مخطوطات ومشاريع عن قصص وأفلام خيال علمى، ولو أضعت عمرى أحارب وأرد على من هاجمونى لن يكفينى العمر كله وبالتالى سأعطل مشاريعى الجديدة هذه.. وبالفعل نفضت دور الضحية الذى تخللنى فى الفترة السابقة وأنهى كثرة الشكوى والكلام.. وارتديت ملابسى على عجالة وأخذت قصصى وخرجت.

أما السيدة الثالثة.. التى احتلت قلب مصطفى محمود فى نصف عمره الأخير.. فهى أمل مصطفى محمود.. ابنته.. التى أصبحت أمه فى أعوامه الأخيرة.. فالدكتور اهتز عند فقدان كل من أمه وأخته الكبرى وظل يبحث عنهما، وعلى الرغم من زواجه مرتين إلا أنه لم يجد ما وجده عند أمل.. ويقول هنا: لا يعرف شعور فقد الأم غير من فقد أمه.. مهما كنت كبيرا، عندما تموت أمك تعود طفلا رضيعا وتشتاق لمن يحملك ويحن عليك.. حتى لو كنت محاطا بنساء الأرض..

وأنا عوضنى الخالق بأمل طوال الثلاثين عاما الماضية وهى تشعر بى حتى لو لم تكن بجانبى أجدها تفتح الباب فى اللحظة المناسبة وتسألنى ماذا أريد.. لا تستفسر عن كونى ينقصنى شىء أم لا، كانت تسألنى عن الشىء مباشرة وأكون محتاجه فعلا.. منذ طفولتها وأنا أشتاق إليها عندما تذهب إلى المدرسة.. أو أثناء أسفارى المتعددة للخارج.. تكوّن بيننا رابط نادر ونشأت بيننا لغة الأيدى!!

أى أننا كنا نتحدث ويداها الصغيرتان بين يدىَّ وأنا مشغول أو وأنا راقد منهك وكنت أفهمها وتفهمنى - لاحظنا ذلك بالطبع فى ساعات الدكتور الأخيرة عندما أراد أن يخبرها ألا تبكى وتخلى الغرفة وبالفعل وجدنا بينهما تلك اللغة النادرة - أخذتها معى فى حواراتى وأنا صغير وعندما كنت أشعر بأنى مخطئ فى شىء ما كنت أجلسها أمامى وأعترف لها وأعتذر عما بدر منى وهى التى أهدتنى أول حفيد، وأحفادى هم أصدقائى لو أنكما لا تعلمان..

فأنا بالإضافة إلى سعيى المستمر فى الحصول على أحدث الأجهزة للجمعية وأحدث المواد العلمية للبرنامج أسعى دائما للحصول على أحدث الألعاب من العالم فأنا أكبر منافس لأحفادى ومن قبلهم أولادى فى اللعب.. أنا أذكرها بكل صراحة (أنا أكبر عاشق ومتابع لألعاب الأطفال فى العالم حتى الآن.. من السلم والتعبان وبنك الحظ حتى الأتارى والبلاى ستيشن ps ٣).

وعندما سألنا الدكتور مصطفى محمود عن أدهم ابنه قال: نحن نتكلم الآن عن الجنس الناعم..؟ أدهم مشواره طويل معايا.. كفاية إنى مكتفه بمسؤولية الجمعية عشر سنين من غير مقابل وهو راضى بس عشان يرضينى.. وبعدين أقول لكم إيه ولا إيه عنه.. زمانه لسه زعلان منى وهو صغير.. لما كنت بطلع عينه لو صحانى مرة من نومى حتى لو غصب عنه.. عموما نخلى الكلام عن أدهم لما نتكلم عليه مع الرجال اللى أثروا علىّ فى حياتى مع أبويا مثلا!!!

كل الكلام السابق ولم نعرف أول عشق عاطفى للدكتور مصطفى محمود.. ذكر من قبل عديلة.. غرام الطفولة الحارق وصاحبة أول قبلة حقيقية - فى حياة فيلسوفنا الكبير تحت بير السلم - ولكننا لم نعرف غرامياته الأخرى، هو الذى قابل آلاف السيدات ومئات المعجبات وعشرات النجمات والفنانات وتزوج مرتين، أين عشقه الأول؟ وأين غرامه الأخير؟ 

وأى فتيات العالم وجدها كما قال: «كنت أريد زوجة هادئة.. شقية.. طيبة.. تعتنى بى.. أحبها تخلص لى.. أحترمها وتحترمنى.. أحن عليها وتحتوى جنونى وحزنى.. وكانت سامية.. ملكة جمال مصر.. التى لم أعرف أنها ملكة جمال مصر.. قبل أن أحبها.. لأنى أحببتها من التليفون».

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin


عدد المساهمات : 672
النشاط : 1661
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: مذكرات دكتور مصطفى محمود .. الجزء التاسع .زواجى من ملكة جمال مصر    الخميس ديسمبر 19, 2013 10:42 pm


■ أريد لحظة تجعل لحياتى معنى ، فحياتى من أجل أكل العيش لا معنى لها، لأنها مجرد استمرار للبقاء، علامات الحب وشواهده أشبه بالجلوس فى التكييف فى يوم شديد الحرارة، أشبه باستشعار الدفء فى يوم بارد.
■ الحب هو الألفة ورفع الكلفة، الحب هو أن تجد نفسك فى غير حاجة للكذب، أن تصمتا أنتما الاثنان فيحلو الصمت ويتكلم أحدكما فيحلو الإصغاء.
■ بمنتهى البساطة هذا هو الحب الذى أتمناه.

مصطفى محمود

هل أخبرتكم أن أقوى وأعظم حب فى حياتى كان لملكة جمال مصر؟ وهل أخبرتكم أننى عندما وقعت فى حبها، لم أكن أعرف أنها جميلة بالمرة، نعم، فأنا عرفت الحب، سمعت صوتها وأحببتها أول ما أحببتها عندما كنت أسمع صوتها فى التليفون، كان صوتها دليلى إلى قلبها، فأنتم تلاحظون أن الحيرة هى أكبر وصف ممكن أن يطلق على، دائما أحتار فى البحث عن شىء، عمرى كله كنت أبحث عن نفسى وفى أحيان كثيرة، وبعد كل مرحلة من حياتى أسأل نفسى: هل وجدت ما أبحث عنه؟

هكذا كان الحب ومرحلته.. الزوجة بالنسبة لى لم تكن فقط أم الأولاد، كنت أريد نصفى الآخر الذى ينقصنى، كنت أرغب فى الاستقرار النفسى، قبل الجسدى، وأريده على مقاسى بالضبط، أنا أول من أطلق أبواب الفضفضة فى الصحف والمجلات، باب اعترافات عشاق، والبسطجى فى «روزاليوسف»، وباب اعترفوا لى فى مجلة «صباح الخير»،

ولا أنكر أن الكم الهائل من الاعترافات التى فرغتها المراهقات أمامى، كان بمثابة نقطة تحول فى فكرى وإلمامى بالمرأة، لا أنكر أنه فى أحد الأيام، شدنى صوت إحدى الفتيات، «تلفنت» إلىَّ وأنا فى المجلة، تكلمنا عدة مرات، فى كل مرة تقول لى بعض الجوانب عن مشكلتها، لكنها لا تكملها قط، تتركنى وتنهى المكالمة قبل أن أفهم مشكلتها، كان من الممكن ألا أعيرها اهتمامى، ولكن نداء داخلياً دفعنى لمواصلة الرد عليها بل الاستمتاع بمكالمتها، وجاء اليوم الذى طلبت فيه مقابلتى لتعرض مشكلتها وجها لوجه، ولاقى طلبها عندى راحة والتقينا، أول ما قابلتنى صافحتنى وأخذت يدها بين يدى، ولم أتركها أبداً حتى اليوم.

 عشاق مصر«سامية» زوجتى الأولى وأم أولادى ونصفى الثانى، الذى لازمنى الجزء الأكبر من عمرى، معها بدأت علاقة الارتباط الحقيقية الأولى فى حياتى، وتكونت على أثرها الأسرة التى خططت لها منذ زمن، واعترفت لى بأنها تحبنى منذ أعوام طويلة، كانت مبهورة بكل عالم يظهر اسمه على الساحة.. فقد كانت متأثرة بصديقة طفولتها سامية مصطفى مشرفة ابنة العالم الكبير الراحل مصطفى مشرفة.. لا أنسى هذه الأيام قط ما حييت..

فبعد أن قابلتها فى المجلة لمساعدتها فى حل مشكلتها عرفت أن مشكلتها العاطفية كانت أنا، ولم أشعر إلا بعد أن انتقلت لى عدوى الحب بسرعة رهيبة، وأحببتها، فكانت جميلة جدا، وذلك رشحها، فى ذلك التوقيت، للحصول على لقب ملكة جمال مصر، بل لقد حصلت حينها على ملكة جمال قلبى، تزوجتها بعد رحلة طويلة من الحياة غير المستقرة، والغريب أنه أثناء فترة الخطوبة حدث الشىء غير المتوقع، وغير المستقر أيضا، فوجئت بأعراض مرض لعين تطاردنى، وعلمت أنى مصاب بمرض غريب لم يعرف له تشخيص وهو نوع من الإسهال غير المعروفة أسبابه، احتار الأطباء فيه، ولم يستطيعوا تحديد نوعه، وتسبب ذلك المرض اللعين فى نقصان وزنى أكثر من خمسة عشر كيلو جراما، وأصبحت مثل الهيكل العظمى.

وغرق فى موجة من الضحك وهو يقول «يعنى جلد على عضم» وكان هذا يعد شيئاً سخيفاً، فأنا مازلت فى فترة الخطوبة، وكان لابد أن تشاهدنى خطيبتى فى منظر لائق جسمانياً وصحياً، ولكن ما حدث لى كان يدعو أى إنسانة أنوى الارتباط بها لأن ترفض، قائلة «لن أتزوج لكى أمارس عمل التمريض»،

وهذا لأن كل طبيب كنت أذهب إليه كان له تشخيص مغاير ومخالف للآخر تماما، فذلك يقول إنها «بلهارسيا قديمة» وآخر يشير إلى أنها مصران غليظ، وثالث يؤكد بعد حيرة وتفكير أنه مرض نادر لم يتعرف عليه إلى الآن، وعشت مرحلة من الإحساس بالخوف والرعب لأن تشخيص معظم الأطباء كان يدور حول مرض غريب، معناه أننى لن أعيش أكثر من شهور معدودة،

وهذا ما كان يؤكده هؤلاء الأطباء، وكان لابد من أن أجنب سامية مثل هذه النتيجة، وهى أن تصبح أرملة وهى فى عنفوان شبابها بعد أيام من الزواج، فقمت فى واحدة من خروجاتنا بإخبارها بالحقيقة وقلت لها إننى أعفيها من أى ارتباط، وسقطت بين ذراعى، وتحملت النتيجة الحتمية، أن أحملها حتى المنزل وظللت بجانبها.

وقهقه الدكتور مصطفى محمود مرة أخرى وهو يتذكر، وقال: «كانت أيام»، ولكن هذه الفترة من العمر بالتحديد كشفت لى عن معدن سامية الأصيل لأنها أصرت على أن يتم الزواج، رغم أننى مهدد بالموت، ورغم إصرارها صممت أنا على الانفصال وفسخ الخطوبة، فلا أستطيع أن أظلمها معى قبل أن أجد حلاً لمرضى، ولكنها إصرت على الوقوف بجانبى، ولم تتركنى، وذهبت إلى الطبيب الكبير، حين ذاك، الدكتور أنور المفتى (أستاذى أيام الجامعة، وطبيب عبدالناصر الخاص، والذى أصبح فيما بعد صديقى، وواحداً من المتابعين لكتاباتى ومن المعجبين بأسلوبى،

ودائما ما كان يناقشنى فيما أتناوله من القضايا والموضوعات المختلفة)، فقال لابد من الكشف عليك، وبعدها قال لى سنجرى لك بعض التحليلات المختلفة للوقوف على نوعية المرض بالتحديد، وبعد خروج نتيجة التحاليل تنفست الصعداء وسجدت شكرا لله، حين عرفت أننى غير مصاب بأى مرض خطير أو غريب، ووجدت أن المرض اللعين رحل «بعد أن ترك لى بعض أحماله، وهى عادة الإسهال، التى لم تتركنى حتى الآن» والذى توقعت أن يتسبب فى موتى،

ولكن، لكى أزداد اطمئناناً وأشفى تماما، طلبت منه ما أثار حفيظته وما جعله ينظر لى باستغراب وتعجب، حين طلبت منه أن يدخلنى جناح العمليات ويشق بطنى ويعرف بالضبط تفاصيل ما بداخلى من آلام وتقلصات أشعر بها فى أحيان كثيرة، ويرى بعينيه المجردة ماذا بها «فلم تكن المناظير ظهرت حتى ذلك الوقت»، واعتبر كلامى مزحة، لكن أمام إصرارى اضطر إلى الاستماع إلى مطلبى وفعلها، والحمد لله تأكدت من عدم إصابتى بأى داء، وأن التقلصات نتيجة أن معدتى حساسة ولا تتحمل نسمة الهواء،

وكان أفضل ما قاله الدكتور المفتى لى عندما ابتسم وهو يقول تأكل كل الممنوعات التى قال لك عنها الأطباء من قبل، وكنت ممنوعاً بأمر الأطباء من أكل كل شىء إلا السمك والموز، وكنت لا أتناول يوميا إلا قطعة من السمك وموزة واحدة، وظللت على ذلك عامين كاملين، والنصيحة الثانية التى أسداها إلى وأسعدتنى عندما قال: لابد أن تغير نظام حياتك فإذا كنت «عازب» تزوج،

والحقيقة أننى اقتنعت بوجهة نظره، فما دام كل شيء فىَّ سليماً، فما هى أسباب هذه الأمراض التى تنتابنى فلابد أن هناك خطأ ما فى حياتى، وأن نفسيتى بها شىء ما خطأ لابد من تغييره، وعلى الفور اتصلت بـ«سامية» لأخبرها بأنه فى أقرب وقت يجب أن نحدد ميعاد الزواج، وتحقق ما طلبت وسط أسرتها وإخوتى، وتزوجتها فى ١٩٦١، وعشت فى السنوات الأولى أسعد أيام حياتى، وكانت هذه الفترة اليسارية، وما صاحبها من حفلات، كانوا ينظمونها داخل السفارات وغيرها، وكانوا يشربون الويسكى والشمبانيا، وفى هذه النقطة أحب أن أرد على سؤال لكم عن الخمر والمحرمات فى حياتى..

فى هذا الموضوع سأرد برد واحد (جربت ولكن لم أستفد منها، فشربت معهم على سبيل التجربة، لأننى فى ذلك الوقت كنت فى مرحلة الشك، وتجربة كل الأشياء، ولكنى أحسست أنها ليس لها طعم بالمرة، وكانت تجعل جسمى ثقيلا جداً، وكانت سامية تنهانى، وتؤكد لى أنها غير مفيدة وتفسد علاقات الناس بالآخرين،

ولهذا فلم أحب الخمور، ولم أعرف لها طعما بعد ذلك)، نعم كنت سأمتنع عنها ولأن بجوارى زوجة حنون كانت مصممة على الحفاظ علىَّ وعلى صحتى فقد انتهت هذه الفترة قبل أن تبدأ واستمر زواجى بـ«سامية» ما يقرب من عشر سنوات، وكان أكثر ما يؤرق حياتنا الزوجية طوال هذه السنوات أنها كانت غيورة جداً رغم أنها كانت تصغرنى بـ ١٥ عاما.. وقد تزايدت غيرتها تدريجيا ووصلت إلى مراحل صعبة جداً، كانت فى البداية تسألنى بعض الأسئلة وتعرف منى كل التفاصيل التى ترضيها..

وبعد مضى الوقت بدأت إجاباتى لا تشبع فضولها بالكامل فبدأت مراحل المراقبة والتليفونات، والبحث داخل الملابس عما لا يرضيها، وعلى فكرة، كل هذه التفاصيل عادية، ولكن غير العادى هو أن يصاحبها ظروف مثل التى ستقرؤها من تسجيل أخى الراحل (عبدالوهاب)، عندما كانت الفتيات تفتح باب السيارة فى إشارات المرور وترتمين علينا، أنت ككاتب وأديب ولك أفكارك التى يتابعها البعض ويتبعها البعض، من المؤكد أنك صعب أن تضرب كل من تقترب منك..

فكانت تحدث مشكلة كبيرة مع كل رقم جديد أضيفه إلى أجندة تليفوناتى، أو أى صورة فى مجلة تظهر فيها سيدة ما بجوارى، فهى معجبة، مجرد معجبة ليس إلا، ولكن طبعا بعد خناقات وبهدلة ومراقبات، تبدأ برقابة على التليفونات، وتفتح خطاباتى وتحولت حياتى إلى جحيم لا يطاق، فأنا كنت متهماً دائماً بأشياء لا أفعلها، وترتب على ذلك حكايات كبيرة ومشاكل أكبر، وكل هذا خلق جواً لا يساعد على الكتابة والإبداع، فكنت لكى أكتب لابد أن أسافر إلى أى مكان،
وأتذكر أن كل كتبى فى هذه الفترة كتبتها فى الفنادق والبلاد التى سافرت إليها، فقد سافرت أيامها إلى السودان واستغرقت فى رحلاتى إلى الصحراء الكبرى والغابات الاستوائية، وأتذكر أننى خلال رحلة إلى المغرب قرأ لى الكف عراف مغربى، وقال لى إنك متزوج من امرأة جميلة، ولكنها عصبية «عصبية حبتين»، فلم أكن أكتب فى مصر أو بالتحديد فى شقتنا فى الدقى، مطلقا، لأن حياتى تحولت إلى مشاكل لا تنتهى لأنها كانت توقظنى فى منتصف الليل، ويحدث بيننا شجار بلا أى سبب أو سابق إنذار، فأقول لها فيه إيه يا سامية،

ولماذا كل هذا الشجار اليومى، ويظهر أن كلام العراف المغربى صحيح، وأقص عليها ما قاله فتزداد ثورة، وتقول لى لقد شاهدت فى الحلم أنك كنت مع واحدة ست، فأقول لها «ما تحلمى ومن حق كل إنسان يحلم، هو لازم حلمك يبقى صحيح هو إنتى السيدة زينب ولا السيدة نفيسة»، ثم ننهمر فى الضحك، وبخفة دم تهدأ الأمور، ولكنى وجدت أننى لا أستطيع أن أعيش باقى العمر بهذه الطريقة، وخلال هذه الفترة كانت الغيرة الزوجية على أشدها، ولكن ما عدا ذلك فهى إنسانة طيبة وست بيت، وهى أم الأولاد (أمل وأدهم) والذى كان ميلادهما فرحة غير عادية بالنسبة لى،

فأتذكر أيام عودة أمل من المدرسة فى سنواتها الأولى، وهى تقول لى هناك الكثير من أصدقائى البنات معجبون بك يا بابا، ويريدون الحضور معى لرؤيتك، وكذلك المدرسون والمدرسات، وكيف أصبحت بعد ذلك عروسة ناضجة تناقشنى فى أفكارى وتقرأ كتبى، وتمدحنى أحيانا وتنقدنى فى أحيان أخرى، وأدهم ابنى الوحيد كان دائما بجوارى، وكنت أصطحبه فى بعض رحلاتى إلى الخارج، أيام إعدادى لبرنامج العلم والإيمان، وكانت أسعد أيام حياتى حين تزوجا وأنجبا لى أحفادى «محمود وأحمد ومصطفى وممدوح»، والأخير كنت أداعبه وأطلق عليه «كلبوشى» وأصبحوا أغلى الأحباب إلى قلبى، ولكن للأسف تحولت حياتنا إلى جحيم فلم أستطع أن أعيش حياتى معها، أكثر من هذا، خاصة وأنا أحتاج وبشكل دائم إلى الهدوء والاستقرار، لكى أنجز كتاباتى وأعمالى فطلقتها ١٩٧٣،

وتركت لها كل شىء وأتذكر أننى فى آخر يوم خرجت بـ«بجامتى» فقط، بعد خناقة كبيرة ولم أعد إلى شقتنا حتى الآن، وبعد ذلك كانت مرحلة صيام عن المرأة، ولكنى لا أنكر أننى كنت أحب أم الأولاد بجنون، وأحبتنى بجنون، ولكن جنون الحب كان السبب الرئيسى والأساسى فى إخفاقه، والقضاء عليه، فقد كنا صغيرين والشباب فى بواكيره، ومن الطبيعى أن تكون العواطف فى هذة الفترة غير مستقرة وحدثت الغيرة وهى أولى مراحل الانهيار الأسرى، فكانت الغيرة القاتلة لهذا الحب الجنونى، والتى كانت دائما تجرنا إلى الخلاف والخناق كل مرة،

ورغم كل هذا لا أنكر أننا قضينا مع بعض سنوات لا تنسى، وهى من أجمل سنوات العمر، كنا نذهب فيها دائمًا، أثناء حصولى على إجازة من العمل، إلى المصايف وإلى الأقصر وأسوان، ولكن كانت النهاية المتوقعة لهذه الغيرة العمياء أن يذهب كل واحد منا فى طريق، رغم أننى كنت أحبها بجنون، ولأنه انقطع فجأة بثورة عنيفة جداً، قبل أن يكتمل، ومازالت لها معزة خاصة فى نفسى وقلبى حتى الآن، فقد عاش هذا الحب فى قلبى فترة طويلة جدا،

وذلك لأن العلاقة التى تربطنى بالمرأة ليست هى الشهوة، فالشهوة وحدها لا تكفى فى نظرى، ولم تكن الشهوة هى الرباط بينى وبين سامية، أو أى إنسانة عرفتها فى حياتى، فالحب شىء أساسى وضرورى، ولذلك كانت علاقاتى العاطفية قليلة، ولذلك أيضا كنت أقول لـ(نزار قبانى شاعر الحب والنساء)، كلما تقابلنا فى حفلة من الحفلات، سواء كانت فى بيت عبدالوهاب أو غيره من أصدقائنا «إنت الوحيد اللى عرفت الستات يا نمس».

وقضيت بعد انفصالنا مدة طويلة، زاهداً فيها الحياة بعدها، ثم تزوجت الثانية وهى الزيجة التى استمرت ٤ سنوات، وانفصلت عنها هى الأخرى، لأعتزل النساء جميعا. الجميل أنه بعد كل هذا تجد سامية وهى تعيش مع ابنتنا أمل، نعيش فى منزل واحد، لكنى أعتزل فى شقتى، هل تعلمون أنى بعد نوبات الغيبوبة التى تنتابنى من عام إلى آخر، أسقط فى غياهب النسيان، وأستيقظ لأجد سامية تتناوب مع أمل السهر على ومداواتى، حتى إطعامى وإعطائى الدواء، تعلمون، رغم كبر عمرى، أننى لو عاد الزمن مره أخرى، سوف أفعل ما فعلته ثانيا سوف أحبها مرة أخرى، وأتزوجها مره أخرى، وأنجب منها أدهم وأمل مره أخرى.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin


عدد المساهمات : 672
النشاط : 1661
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: مذكرات دكتور مصطفى محمود .. الجزء العاشر.. الزوجة الثانية    الخميس ديسمبر 19, 2013 10:47 pm


■ جلست كثيرا أفكر فى الارتباط بها وكانت تحادثنى نفسى أحيانا: هل تريد تكرار المأساة لماذا تريد أن تتعذب فى نار الحب؟
■ استطاعت هى أن تبعد عنى عقدى تجاه النساء ولكنى بعد فشلى معها مثل من سبقتها اتجهت للعلم والدين
■ نعم كنت ومازلت أفضل العلم والدين على النساء حتى على راحتى ونفسى
■ العلم هذا هو الهدف والدين هذا هو الباقى
■ كنت دائما أسعى إليهما مهما كانت العواقب والتضحيات

مصطفى محمود

«لم يخضع قلبى لعملية إجهاض لفشلى فى الزيجة الأولى.. ولم يكن مصيرى الاختباء داخل غرفتى أو منزلى لمرورى بتجربة زوجية كان مقدرا لها النجاح ولكنها فشلت، مثلما يفعل الضعفاء من الرجال فى مثل هذه المواقف.. بل كنت أقوى بكثير مما تتوقعون، واجهت الانفصال الأول فى حياتى بدبلوماسية وهدوء لاننى كنت قد توصلت إلى القرار بعد تفكير عميق.. بعد أن أصبحت الحياة الزوجية مستحيلة لتبنيها للغيرة القاتلة» كانت هذه كلمات المفكر الكبير مصطفى محمود التى.. أطلقها وهو فى حالة من الشرود عندما تحدثنا معه عن تجربة الزواج الثانية فى حياته، فقد كانت أكثر أمانيه أن يتمتع بحياة أسرية وزوجية مستقرة.. فى هذه الفتره من عمره.. بعدما اكتمل عامه الستون..

كان يومه فى هذه الفتره مقسما إلى عدة أجزاء.. مابين علمه وإيمانه وأوراقه ومؤسسته الخيرية وبرنامجه وتطلعاته.. كانت عملية تفسير القرآن تأخذ منه ربع يومه الطويل الذى كان لا ينام فيه سوى ثلاث ساعات، وكان دائما يحاول الوصول منها إلى شىء لا يدركه.. ثم يترك القرآن ليغلق على نفسه سطح الجمعية ليراقب السماء، فمرصد مصطفى محمود دائما ما يحمل الجديد.. لا يستيقظ من تلك الساعات الذى يسبح فيها مع ملكوت الخالق إلا بعد طرق على الباب من أحد العاملين معه فى البرنامج «العلم والإيمان» لأن موعد التصوير حان..

وهكذا كانت تدور الحياة.. وكان يسأل نفسه دائما.. هل أنا سعيد؟؟ ألا ينقصنى شىء؟؟ وتركنا رده كاملا لنسمعه معا كما رواه لنا بالضبط: «لم تتحقق أمنية الاستقرار التى حلمت بها.. حلمت دائما بحياة أشبه بحياة أبى وأمى وطالما بحثت عنها طويلا.. قضية الغيرة مع سامية عرقلت هذا الحلم.. وفوجئت فى أحد الأيام بأننى أعيش وحدى بدونها.. وأخذت وقتا حتى تعودت على النظام الجديد.. كنت فى هذه الأيام بدأت حلما اسمه (الجمعية) كتبت آلاف الأوراق وسجلت عشرات الحلقات التى تتكلم عن العلم والإيمان وعرفت أن هناك خلاصة واحدة لاندماج الاثنين وتتمثل فى شىء اسمه (العمل).

طبعا أنتم عارفين انى مابحبش الاسماء الكبيرة المبهرة.. مثلا العمل يعنى إيه العمل ده.. العمل من غير كلام كتير إنك ما تنامش وتحلم، تقوم تفز وتشتغل والعالم كله يشوف إنتاجك.. وكانت دى بداية مشروع الجمعية والمؤسسة الخيرية.. دماغى مشغولة بميت حاجة.. وبنيت الجمعية واستقريت فى غرفة صغيرة فوق الجمعية مش محتاج حاجة من الدنيا إلا دى.. واطلقت عليها اسم التابوت .. بس هل كان ناقصنى حاجة؟؟»..

ولأن الحب الأول فى حياتى قد ذهب ضحية الغيرة- يقول مصطفى محمود- فقد ظللت اكثر من ثمانى سنوات صائما عن الزواج لدرجة ان اصدقائى المقربين اطلقوا على جملة اصبحت بعد ذلك على لسان القريب والبعيد وهى «درش عنده عقدة الحريمات» ولكننى بعد تفكير عميق وطويل تطلب منى عزلة استمرت لعدة أشهر أفكر فى الأمر وأقرأ كل الكتب السماوية والتفاسير والأحاديث النبوية لأتوصل إلى حقيقة المرأة وكيف يمكن السيطرة عليها.. إلا أننى أوقفت التفكير فى كيفية السيطرة عليها عندما قابلت زينب..

وزينب قابلتها عام ١٩٨١، تعرفت عليها داخل مجلة صباح الخير أثناء نقاش دار بينها وبين مفيد فوزى وإيهاب وبعض الأصدقاء حول لغز الحياة والموت وظللت أستمع لها دون تدخل ثم استأذنت منهم جميعا وناقشتها بعد ذلك بنفسى واقتنعت بها وأعجبت بشخصيتها القوية.. كان لها أفكار غير الأفكار التى أقابلها كل يوم.. وقمت بدعوتها بعد ذلك لزيارة الجمعية والمسجد لترى الانشاءات الجديدة.. وعندما حضرت اعطيتها مجموعة كتب وكتبت لها إهدائى عليها وكانت هى فى ذلك الوقت تعمل مأمورة ضرائب ولكنها كانت مثقفة دينيا وكانت محجبة.. ولديها موهبة الخطابة.. وحساسة وجلست كثيرا أفكر بالارتباط بها وكانت تحادثنى نفسى أحيانا: هل تريد تكرار المأساة فهذه هى المرأة التى أخرجت آدم من الجنة؟

ولكن إعجابى بها كان اعجابا أكثر من إعجابى بأنثى فهو إعجاب بأنثى وفكرة.. واستطاعت هى أن تبعد عنى عقدى تجاه النساء وعلى الفور صارحتها بما يحوى قلبى من مشاعر حب تجاهها ولكنى لم أبلغها بأنى أعد لها مفاجأة وهى أننى قررت التقدم لطلب يديها من أسرتها.. دعوت نفسى على العشاء فى بيتها فى ليلة ما..

وللمصادفة كان اليوم الموافق يوم المولد النبوى وبعد العشاء وبينما أحتسى الشاى مع أخيها أحمد ووالدتها طلبت يدها بمنتهى الرقى والبساطة والهدوء وكانت مفاجأة بالنسبة لها فلم أخبرها كما ذكرت ولكنها قبلت على الفور وكانت سعيدة جدا ورحبت أسرتها بطلبى وكان وقتها فارق السن بيننا كبيرا فقد كانت هى فى الخامسة والثلاثين من عمرها بينما أنا فى الستين من عمرى، ولكنى لم أكن خاضعا للشيخوخة التى تهاجم من هم فى مثل عمرى ولم تكن هذ ه السن حاجزا بيننا..

ومن هنا أيقنت أنها تريد تحقيق الهدف الذى اجتمعنا عليه وهو العطاء بلا حدود وبلا انتظار مقابل، وكان يتمثل هذا الهدف فى «جمعية محمود الخيرية الإسلامية» التى كنت اتخذت قرار انشائها منذ زمن بعيد ولكنه لم يترجم بشكل صحيح إلا حينما ارتبطنا سويا فأصبح هناك اتحاد بيننا، وبالفعل ورغم كل الصعاب الأمنية التى واجهتها من تجسس على التليفونات من الأجهزة الأمنية ومراقبة بشكل دائم إلا أننا انتصرنا على كل هذه الصعاب وقمنا بافتتاح الجمعية فى عام ١٩٨٢.

وكان لشقيقى مختار الذى تولى منصب محافظ الدقهلية دور كبير فى تأسيس الجمعية فى بدايتها.. ومثلما تقدمت إليها يوم المولد النبوى كنت أريد أن أتزوجها فى أقدس بقاع الأرض.. وتحققت رغبتى فتزوجتها فى المدينة داخل المسجد النبوى رغم أننى كنت أريد زواجها فى مكة داخل الكعبة إلا أن هذا كان القدر وقد احتوى نص وثيقة الزواج على الآتى:

«بسم الله الرحمن الرحيم.. المملكة العربية السعودية وزارة العدل.. الصكوك الصادرة من المحاكم الشرعية.. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطاهرين وبعد، فبالجلسة الشرعية التى عقدت لدى أنا عبدالله محمد إبراهيم الرئيس المساعد لمحاكم منطقة المدينة المنورة والتحية لرئيسها فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن آل صباع بناء على الطلب المقدم من زينب بنت حسين حمدى المصرية الجنسية بجواز رقم (١٧٤٦ فى ٢٦/٤/١٩٧٧م والمصرح لها بالإقامة برقم ١٠٤٣/٣ فى ١٨/١/١٤٠٢هـ) وبناء على إقرار الدكتور مصطفى كمال محمود حسين المصرى الجنسية بالجواز رقم (٢٢٣٠١ فى ٩/٧/١٩٨١م والمصرح له بالإقامة برقم ١٠٤١/٣ فى ١٨/١/١٤٠٢هـ) وعلى صك الطلاق الصادر من محكمة الزيتون فى بركة المسبح القاهرة برقم ٤٧٥ فى ٧/٤/١٩٧٩م وعلى شهادة كل من مروان عمر قصاص ومحمد هاشم رشيد المعدلين وفى الأصول الشرعية ثبت لديه أن زينب بنت حسين حمدى لم تتزوج بعد أن طلقها زوجها فتحى حسين حسن...

وأن الخاطب الدكتور مصطفى المذكور كفء لها وأن الصداق مبلغ أربعة آلاف ريال سعودى هى صداق مثلها وأنه لا ولىّ لها بالمملكة العربية السعودية وبناء على طلبها تم إجراء عقد زواجها من الخاطب الدكتور مصطفى كمال وصداقه الراتب المذكور وبناء على توفر الشروط وانتفاء الموانع فقد جرى عقد نكاح الدكتور مصطفى كمال محمود المذكور على زينب بنت حسين حمدى على الصداق المذكور بواسطة المأذون الشرعى أمين مرشد بتاريخ ٤/٢/١٤٠٢هـ بشهادة كل من السيد محمد هاشم رشيد وجمال محمد هاشم رشيد وما هو الواقع حرر من الضبط السادس لسنة ١٤٠١هـ وصحيفة رقم ٩٨ فى اليوم الخامس من شهر صفر الأخير من أيام ألف وأربعمائة واثنين من هجرة من له كمال العز ونهاية الشرف سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم».

ثم واصل الحديث قائلا: كنت أنا ثالث زوج لها وكانت هى ثانى زوجة لى وتذكرت فى هذه اللحظة أن والدى أيضا كان ثالث زوج لأمى وعاش معها فى حياة مستقرة وجميلة، وحدثت نفسى بأنى سأنعم بنفس ما وصل إليه أبى رحمه الله من استقرار أسرى، فقد كنت أعتقد أنى شديد الشبه له فى ملامحى الشكلية وفى حظى، وما شجعنى للارتباط بها سريعا مسألة الدين ورغبتها فى أن تفكر فى نفس الهدف وتريد أن تكون معى شريكة هدف نصل إليه معا فقد كنت فى أشد الاحتياج لمن يقف بجانبى ويشجعنى على ما أقوم به فى وقت كان ينتقدنى الجميع فى تصرفاتى، معتقدين أننى عندما أهب حياتى وأنفق أموالى فى سبيل الله فإننى قد أصبت باضطراب عقلى.

ووجدت أن هذه الإنسانة ستقف بجانبى وعرفت أنه لابد من إنسانة تشاركنى فى رحلة الحياة التى ستكون جافة دون امرأة وهذا الزواج استمر أربع سنوات فقط وكان الطلاق لأنها لم تستطع أن تثبت ما قالته واتفقنا عليه بأن نهب حياتنا لله، واكتشفت أنها إنسانة مثلها مثل باقى بنات حواء، كانت امرأة تريد أن تخرجنى من الجنة.. تريد أن تعيش الحياة بما تحويه من نعم وفسح ورحلات للخارج قد اتفقنا أنها من المحذوفات من قاموسنا، وكانت حياتى قاسية جدا عليها فكيف تعيش معى فى حجرة فوق سطح جامع.

وهنا غرق مصطفى محمود فى موجة من الضحك وهو يقول: لقد كنت أعلق على باب هذه الحجرة لافتة مكتوبا عليها «التابوت» يعنى نعيش فى مقبرة ولهذا لم تتحمل حياتى الميتة.. فالحياة أصبح لا معنى لها فى نظرها، مع أنها كانت تعلم ذلك من الأول بل بالعكس قالت إنها تحب بشدة هذه الحياة الدينية وحياة الزهد ولكنها فى النهاية امرأة عادية تريد أن تعيش زوجة لكاتب كبير.

كانت تعتقد أنها متزوجة من أحد الكتاب المعروفين وتحلم بأن تقضى رحلاتها فى باريس ولندن وأوروبا وتعيش حياة مرفهة وليس فى حجرة على سطح جامع مكتوب عليها «التابوت»، وطبعا كان لها أولادها من زوجيها السابقين ثلاثة أولاد كنت أعاملهم مثل أبنائى تماما وأحسست بعد مرور عام على زواجنا أن كلا منا يدور فى فلك مختلف تماما عن الآخر وأيقنت أن «زينب» نسيت الهدف الذى جمعنا سويا ولم تعد تفكر فيه وتم الانفصال فى عام ١٩٨٤ وجاء قرار انفصالنا بعد فترة من التفكير من الطرفين وعن اتفاق، فقد كان انفصالنا مهذبا ومحترما كما كان زواجنا، وقد حدث الانفصال بعد رحلة استجمام فى سانت كاترين... وقد حملت وثيقة الطلاق النص التالى:

«إشهار طلاق صدر عن يد المأذون... رقم الدفتر ٢٣٥٨٦٨ صفحة ٩... أنه فى يوم السبت الموافق ٦ من محرم سنة ١٤٠٦هـ الموافق ٢١ من سبتمبر ١٩٨٥م الساعة الثامنة مساء بحضورى وعن يدى أنا أحمد أمين السيد خليل مأذون الزمالك التابع لمحكمة عابدين للأحوال الشخصية وبمكتبى ٣٥ ش نوبار بعابدين حضر الرجل الرشيد مصطفى كمال محمود حسين ابن السيدة زينب حسن الحكيم ومهنته صحفى بروزاليوسف مصرى مولود ٢٥/١٢/١٩٢١ شبين الكوم ومقيم ٣ مسجد محمود ميدان جامعة الدول العربية ويحمل بطاقة ١٣٦٦٠ فى ١/٥/١٩٦٣ قسم الدقى ومعه وثيقة زواجه بزوجته مدخولتى السيدة/ زينب حسين حمدى بنت السيدة/ نفيسة محمد سيد أحمد مأمورة ضرائب مصرية مولودة ١٧/١٠/١٩٤٦ القاهرة ومقيمة ٨ شارع النويرى مربع ١٠٥٠/٤ بمصر الجديدة وتحمل بطاقة ٤١١٦٠ فى ١٥/١٠/١٩٧٢ النزهة،

ومحل قيد أسرة الزوج شبين الكوم شياخة الدقى رقم ١٠٢١٩ قسم الدقى والثابت زواجهما بتاريخ ٤/٢/١٤٠٢هـ صفحة ٩٨ عملية الشيخ أمين مرشد التابع لمحكمة المدينة المنورة، وبعد تعريفة المعرفة الشرعية وبشهادة كل من حسن عبد الله مرسى موظف مصرى مولود ١/٥/١٩٣٨ المنيا ومقيم ٣٧ شارع نوبار بعابدين بطاقة ٣٢٩٣٤ فى ١/١٠/١٩٧٤ عابدين ، أيمن أحمد خليل طالب مصرى مولود ٣١/١٢/١٩٥٩ لبيشة ومقيم لبيشة مركز أشمون منوفية بطاقة ٥٤٣٦٨ فى ٤/٢/٧٧ أشمون...

وأمامهما أنشأ الزوج المذكور طلاق زوجته المذكورة بقولة زوجتى مدخولتى السيدة/ زينب حسين حمدى الغائبة عن هذا المجلس طالق منى وعرف أن هذا هو الطلاق الأول بعد الدخول بها فطلقت منه أولى رجعية، له مراجعتها ما دامت فى العدة دون إذنها أو رضاها، وقد تعهد بإخطارها بهذا الطلاق الرجعى الأول للحضور لمكتبنا لاستلام شهادة طلاقها، وقد حررت هذه الشهادة من أصل وثلاث صور سلمت إحداها للمطلق والثانية إلى المطلقة والثالثة إلى السجل المدنى».

ولتأثرى الأشد قسوة بفشل علاقتى الزوجية الثانية والتى انتهت دون إنجاب أطفال قمت بعدها بكتابة‏‏ مقال قلت فيه: «لقد قررت‏ ‏بعد‏ ‏الفشل‏ ‏الثانى‏ ‏أن‏ ‏أعطى‏ ‏نفسى لرسالتى وهدفى كداعية‏ ‏إسلامى ومؤلف‏ ‏وكاتب‏ ‏وأديب‏ ‏ومفكر‏ ‏وقد‏ ‏اقتنعت‏ ‏تماما‏ ‏بأن‏ ‏هذا‏ ‏قدرى ‏ورضيت‏ ‏به‏». ‏ومنذ‏ ‏هذا‏ ‏الحين‏ ‏وأنا‏ ‏أعيش ‏فى جناح‏ ‏صغير‏ ‏بمسجدى بالمركز‏ ‏الإسلامى، ثم انتقلت إلى شقتى بعد ذلك عندما اشتد المرض وكنت دائما أغرق‏ ‏وحدتى فى العمل.

‏وتعودت‏ ‏أن‏ ‏أعطى ظهرى لكل‏ ‏حقد‏ ‏أو حسد‏ ‏ولا‏ ‏أضيع‏ ‏وقتى فى الاشتباك‏ ‏مع‏ ‏هذه‏ ‏الأشياء‏ ‏وأفضل‏ ‏أن‏ ‏أتجنبها‏ ‏وأتجنب‏ ‏أصحابها‏ ‏حتى‏ ‏لا‏ ‏أبدد‏ ‏طاقتى فى ما‏ ‏لا‏ ‏جدوى‏ ‏وراءه‏ .. وكانت انتصاراتى على‏ ‏نفسى هى أهم‏ ‏انتصارات‏ ‏فى حياتى وكانت‏ ‏دائما‏ ‏بفضل‏ ‏الله‏ ‏وبالقوة‏ ‏التى أمدنى بها‏ ‏وبالبصيرة‏ ‏والنور‏ ‏الذى نور‏ ‏به‏ ‏طريقى.

ولذلك كان الحب معرضا فى كل مرة للقتل لأن النساء تصورن أن القرب منى نعيم الدنيا ولم يفكرن بأن غايتى هى نعيم الآخرة، وأيقنت بأن الحب فى طبيعته قصير العمر، فإن لم ينته بيدك أو بيد محبوبك فهو ينتهى بالطعن فى السن والزهد فى الشهوات، واكتشفت أيضاً أن الحب الوحيد الباقى طويل العمر هو علاقتى بالله سبحانه وتعالى خاصة إذا ما ترجمت هذه العلاقة فى أفعال تحس، ولذلك فإن حبى للناس يمكن أن يكون فى الله أيضاً.

وعرفت أنه من الصعب الآن أن أجد الحب النادر مثل الذى كان بين النبى صلى الله عليه وسلم والسيدة خديجة رضى الله عنها التى أعطته نفسها ومالها وصحتها وعمرها بكل سعادة، وهذه نماذج نادرة بل نادرا ما يجد الإنسان شخصا يفنى معه فى الهدف، أيا كان فقد تلقيت دروسا طويلة وعميقة وعرفت حدود هذا الحب. ثم إن مشكلة المرأة أنها تستنزف منك شيئا غاليا جدا هذا الشىء اسمه الاهتمام وهذا أغلى ما يملك الإنسان، لأنه الطاقة النفسية البحتة، وحين تحب وتنشغل وتسهر فإن هذا الانشغال هو ضياع الهمة لأن همتك تصبح حينئذ فى المحبوب ويضيع منا أغلى ما نملك..

وظل مذهبى منذ تلك اللحظة فى الحياة هو أن أقاوم ما أحب وأتحمل ما أكره باعتبار أن الحب الحقيقى الباقى هو حب الله سبحانه وتعالى أما الحب والهوى فهو خداع والذى جرب يعرف ذلك جيدا.. يسهر وينشغل. ولكن الآن طغت المادية بشكل كبير على العالم فعلى الرغم من أن باريس ولندن ونيويورك عواصم النور والحضارة إلا أنها تحولت إلى بلاد العلاقات الجنسية المنحلة والشذوذ والمخدرات والهيروين، فالرجل متزوج وله أكثر من عشيقة وزوجته لها أكثر من عشيق، فقد سيطر الإحساس باللذة والمتعة على حياة الناس وأصبحت حياتهم نوعا من الأخلاق القرودى وتحولت حياتهم من الرقى والسمو إلى الانحلال والفجور.

وأخيرا كنت أنظر إلى نفسى فى المرآة وأدقق فى النظر إلى ملامحى وبنيانى وأقول: لماذا دائما تفشل علاقات الحب والزواج الموجودة فى حياتى؟ لقد فشل الحب الأول «عديلة» فى مهده وأنا صغير بسبب ضعفى أمام مجموعة من الصبية، وهنا أتساءل هل لأنى كنت دائما أفضل الفكر والعلم والدين على الحب، واجد الإجابة.. نعم كنت أفضل العلم والدين حتى على راحتى ونفسى فهذا هو الباقى وهذا هو الهدف الذى كنت دائما أسعى إليه مهما كانت العواقب والتضحيات التى تبذل فى سبيل ذلك الهدف السامى والنبيل.

.. ولقد تزوجت مرتين وفشلت فى الزيجتين وربما هما معذوراتان لأن لدى مشكلتين فبجانب مسألة الطبيب والكاتب والفيلسوف والإعلامى والمفكر والمؤلف هناك أيضا أمر أصبح مشكلة فى تلك الفترة وهو أننى الذى أخطط لكل شىء فى حياتى، لم أخطط أننى سأصبح فى يوم من الأيام صاحب رسالة.. بالفعل أصبحت أحمل رسالة للجميع.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin


عدد المساهمات : 672
النشاط : 1661
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: مذكرات مصطفى محمود .. الجزء الحادى عشر ...رحلاتى..    الخميس ديسمبر 19, 2013 10:51 pm


■ مازلنا نفهم الشرف فى بلادنا الشرقية بمفهوم ضيق جداً فالشرف عندنا هو صيانة الأعضاء التناسلية ونحاول أن نحكم على الشعوب بنفس المستوى فباريس داعرة لأنها تتبادل القبلات فى الشوارع وإنجلترا انهارت لأن الرجال أطالوا شعورهم ولندن هى الشذوذ الجنسى ولكن الحقيقة أن الشرف أكبر من هذا فهو شرف الكلمة.. شرف العمل والمسؤولية

مصطفى محمود

الوصول إلى اليقين أخذ الكثير من العمر.. نصف عمره تائه والنصف الآخر يبحث عن الحقيقه.. هل انعزل داخل حجرة مغلقة وظل يفكر.. وفقط، مثلما فعل أسلافه فى التاريخ البعيد.. الإمام أبوحامد الغزالى مثلا، أو جان جاك روسو؟ بالتأكيد لا؛ فالحقيقة فى هذا العصر الحديث تحتاج إلى ما هو أكثر من التفكير المجرد.. تحتاج إلى التجربة.. والمشاهدة.

مصطفى محمود أكد أكثر من مرة أن المسيخ الدجال ظهر بالفعل متمثلاً فى الوحش المسمى بالعولمة والذى أكل الأخضر واليابس فى طريقه ولم يترك دولة إلا واحتلها اقتصاديا أو ضمها إلى أملاك الشيطان الكبير مخترع العولمة.. وكان يحدث نفسه دائما: فى مثل هذا العصر المخيف هل يصح أن أعرف ما أعرفه من صفحات الكتب فقط؟

تحدث المفكر الكبير مصطفى محمود، وهو ينظر إلى مجموعة من الصور التقطت له فى مشارق الأرض ومغاربها، وقال: لا أستطيع أن أجزم بأننى مازلت أتذكر كل شىء عنها رغم أنها حصلت على نصيب كبير من عمرى فاستغرقت أكثر من ٤٠ عاماً أتنقل بين بلاد الله بحثاً عن الجديد.. بعد أن تعرفت على ما كان متاحاً لى داخل مصر والوطن العربى، وفى هذه الرحلات كانت نقاط التحول فى فكرى وحياتى وهى التى سأرويها هنا.

البداية كانت عندما كانت الرحلة والسفر من أهم الأشياء فى حياتى منذ مولدى وحتى الآن.. أتذكر عندما كان أبى يقول لى ولأخوتى إن الناجح وصاحب الدرجات الأكثر فى المدرسة سيحظى برحلة إلى القناطر الخيرية.. كنت أعيش أيامى أحلم بالرحلة وأتخيل ما يمكن أن أراه فيها وما يمكن أن أحمله معى وأنا عائد منها، ولذلك كنت أصنع المراكب الورق وأتخيل أننى سأفرت على ظهرها للهند وكما تعودت منذ الصغر أنه لابد من تحقيق أحلامى مهما كانت صعبة ومهما طال الزمن..

حتى لو كان السير على الأقدام من جنوب أفريقيا إلى القاهره.. وهو الحلم الذى طالما راودنى منذ الطفولة وقد تحقق حين أصبحت صحفيا فى روزاليوسف، وعلمت أننى ضمن الوفد المسافر لحضور مؤتمر آسيوى أفريقى فى تنجانيقا- تنزانيا حالياً- عام ١٩٦٢ وعندما علمت بخبر اختيارى ضمن الوفد كدت أن أغيب عن الوعى من الفرحة.

لم تكن سعادتى بالسفر لأنى سأصبح نزيل فندق خمس نجوم أو سأتمتع بمجموعة من الفسح والتسوق ولكن كانت سعادتى لأننى أخيرا سأحقق جزءا كبيرا ومهما من رحلة البحث عن الإيمان واليقين من أكثر البقاع التى لم تدنسها بشرية أو حضارة زائفة أو عولمة من الغابات والصحراء والطبيعة..

وعلى الفور توجهت لاستخراج تأشيرات السفر وحدث أطرف موقف فى حياتى أظهر لى مدى سوء الحظ عندما قابلتنى الصعوبات فى استخراج تصاريح السفر وعرقلوا سفرى بطرق كثيرة.. واكتشفت أن السبب أن هناك ضابطاً عسكرياً يحمل نفس اسمى ممنوع من السفر بأمر السلطات وكان مثل هذا الأمر يحتاج أيام عبدالناصر إلى بحث وتحريات حتى يتوصلوا إلى أننى لست هذا الشخص الممنوع من السفر وكم تمنيت كثيرا فى هذه الأيام أن أغير أحد الشيئين.. اسمى أو النظام.
وعندما حلت مشكلة التصاريح فوجئت بشح فى العملة الصعبة.. التى أحتاجها لمواجهة متطلبات الرحلة وإن أسعفتنى ذاكرتى فهو لم يكن مبلغاً من المال يزيد على عشرة جنيهات ورغم كل هذه الصعوبات إلا أننى استطعت أن أتغلب عليها وسافرت وغمرتنى السعادة لدرجة جعلتنى أنسى كل المتاعب التى صادفتها قبل السفر وما إن وضعت قدمى فى أفريقيا حتى انطلقت لأحقق ما أصبو إليه.. التنقيب عن أسرار أفريقيا..

فلم أطق الجلوس ولو دقيقة واحدة داخل الفندق وفى «تنجانيقا» صعدت جبل «كليمنجارو» ذلك الجبل الغريب الذى تتوافر فيه جميع فصول العام فحتى الثلوج تجدها فوق هذا الجبل وكلما صعدت تدريجيا تتغير أنواع النباتات التى تقابلك، فهذا الجبل فى حد ذاته يمثل متحفا من الطبيعة الرائعة، ولم أنس أننى يجب عند عودتى أن أكون محملا بكم من الصخور الطبيعة النادرة والأعشاب وهذا ما حدث بعد ذلك..

وكانت سعادتى كبيرة لأننى لم أصرف مليما من الجنيهات أثناء فترة انعقاد المؤتمر فقد تكفل المؤتمر بكل مصاريف الإقامة والمأكل والمشرب وما إن انتهى المؤتمر واستعد الجميع للعودة إلى مصر حتى فوجئوا بى أقول لهم «ترجعون إلى مصر بالسلامة».. وصرخ يوسف السباعى، الذى كان سكرتير المؤتمر الآسيوى الأفريقى، «ليه أنت مش راجع معانا ولا إيه».. فقلت له «لا راجع لكن مش بالطياره.. أنا هاروح مشى على رجلى»، واعتبرها مزاحاً وضحكاً، وضحك الجميع معه ولكنه تعجب عندما تأكد من أننى لا أمزح فقال «أنت اتجننت» ولكنى قلت له هذه فرصة العمر فلن أضيعها.
اتجهت إلى جنوب السودان وأتذكر أننى قوبلت بحفاوة وتقدير فى كل مكان أذهب إليه وقابلت عددا كبيرا جدا يقولون بأنهم من قرائى والمعجبين بكتاباتى فقد اتضح أن مجلة صباح الخير تصل إليهم وتلقى رواجا كبيرا بينهم ولهذا ظلت الجنيهات التى خرجت بها من مصر كما هى لم تنقص مليما وهذا لكرم القراء فى السودان الذين أقاموا لى ولائم ونحروا الذبائح احتفالا بوصولى.

ووصلت إلى «جوبا» فى جنوب السودان ومنها إلى الأحراش وهناك عشت ثلاثة أشهر من أفضل أيام حياتى بين أبناء قبيلة «نم نم» أو «نيام نيام» التى يعيش أهلها عراة تماما إلا من ورقة توت.. استضافنى زعيم القبيلة وكان يجيد الإنجليزية لتعامله مع الاستعمار الإنجليزى، والغريب بل الكارثة والفاجعة أنه كان متزوجا من خمسين سيدة يسكنون فى خيام متجاورة وعرض على أن أتزوج أربعا من بناته وعلى الفور أصابنى الرعب من هذا المأزق ولم أستطع الخروج منه.. ماذا سأقول لزوجتى سامية فى مصر «دى كانت تتجنن وتقتلنى»..

فضحك زعيم القبيلة عندما سمع منى هذا الكلام وأكد لى أن الرجل عندهم لا يعمل وغير ملزم بالإنفاق على المنزل أو الزوجة ولكن المرأة التى تقوم بالعمل والإنفاق عليه وكانت دهشتى بالغة حين رأيت بعينى الرجل فى هذه القبيلة يقتصر دوره على الجلوس تحت شجرة ليدخن ويأكل ويشرب بينما نساؤه يعملن لتوفير كل متطلباته ولم يكن غريباً ما سمعته وشاهدته بأن المرأة هى التى تطلب من زوجها أن يتزوج عليها لكى تجد من يساعدها فى العمل كما أن الجنس منتشر فى هذه القبيلة بشكل كبير فالمضاجعة دون زواج مباحة ولكن بشرط ألا تحمل الفتاة فإذا حملت تقدم هى وعشيقها أمام محكمة القبيلة وتكون الفضيحة والعار لها ولأبنائها من بعدها.

كما أننى شاهدت الحملات التبشيرية حيث يأتى المبشر المسيحى وهو مؤهل على المستوى الشخصى لجذب اهتمامات هذه الشعوب ففى الغالب يكون طبيبا بشريا وبيطريا وخبيرا فى الزراعة فيستطيع علاج البشر والحيوانات ويساعدهم فى الزراعة وكل ذلك من أجل أن يكسب ثقتهم ويصبح من السهل عليه جذب هؤلاء من القبائل البدائية إلى المسيحية وكانت هذه القبائل ترفض المسيحية وتقبل الإسلام لتعدد الزوجات، وذات مرة قالوا للمبشر كيف يمكن لداود أن يتزوج من مائة سيدة وسليمان ألف سيدة وأنت تريدنا أن نتزوج امرأة واحدة فقط، وحضرت محاضرة دينية بين المبشر وأبناء القبيلة يعرض من خلالها دينه فكان يقول إن الرب أمرنا بأن نبتعد عن السرقة والزنى، ولكن قال أحد رجال القبيلة، الإنجليز هم اللصوص الحقيقيون فقد سرقوا الأبنوس وثرواتنا ومناجمنا وحملوها على المراكب إلى بلادهم اذهب وانصحهم واتركنا فنحن عراة ولا يوجد علينا ما يسترنا غير ورقة توت، كانوا أذكياء رغم بساطة معيشتهم.

كانت رحلتى بالصحراء الكبرى هى أطول الرحلات التى قضيتها فى حياتى فقد استغرقت شهورا عديدة التقيت خلالها بقبيلة «الطوارق» التى قابلت فيها سيدة عمرها فوق الـ٨٥ عاما ورغم أن الإسلام لم يصل إلى جزء كبير من هذه القبائل إلا أنهم جميعا كانوا يحفظون القرآن كاملاً، رغم أنهم وثنيون، ولكن من الغريب أنهم حين يأتيهم الموت يرفعون إصبعا واحدا إمعانا وإشارة إلى الخالق الواحد القهار.

ومن غرائب هذه القبيلة أن الرجال فيها منقبون «ملثمون» والنساء متبرجات وهذا ما استوقفنى كثيرا أفكر فى الأمر محاولا أن أجد تفسيرا منطقيا لما يفعلون، وسمعت الكثير وكان ضمن ما سمعت أن الرجال دائما فى الصحراء يسفون الرمال ولكن المرأة لاتخرج من بيتها. لكن اكتشفت أن ديانات هذه القبائل تعتبر الفم عورة لأنه مصدر خروج الخير والشر والرجال فى الطوارق يفتخرون بأنهم ظلوا مع زوجاتهم طوال أربعين أو خمسين عاما ولم تر فمه أو تقول الزوجة: لقد عشت مع زوجى أربعين أو خمسين عاما ولم أر فمه.

وعندما ذهبت إلى مدينة «غدامس» الليبية فى قلب الصحراء تعرضت لدرجات حرارة شديدة ومختلفة وهذا ما كان يصيبنى بالبرد دائما وكنت أخاف بشدة من العقارب السامة والثعابين والحشرات التى يمكن بلدغة بسيطة منها أن أموت قبل أن يتم إسعافى، ففى الغالب معظم هذه القبائل تعيش بعيدة عن المدن والقرى التى يوجد بها المستشفيات وإن وجدت عندهم فتكون بدون استعداد كاف.
دخلت «غدامس» الإسلام تحت قيادة عقبة بن نافع وتحول جزء كبير منها إلى الإسلام وكان يثيرنى ويدعونى إلى التفكير كيف سافر الفاتحون الأوائل إلى الصحراء حفاة عراة من أجل هدف عظيم وسام وأى طاقة أطلقتها كلمات القرآن فى هؤلاء الناس. أكثر ما أسعدنى فى «غدامس» قبل أن أنتقل إلى قبيلة الطوارق لأعيش فى خيمهم هو ذلك الفندق الوحيد الموجود والعتيق وتلك الغرفة التى نزلت فيها التى قيل لى إن المارشال «بالبو» سكنها من قبل وأن «صوفيا لورين» كانت هذه غرفتها أيام تصوير فيلم «الخيمة السوداء».

أما رحلتى إلى الهند فكانت أكثر رحلاتى متعة بعدما شاهدت عن قرب كل هذا الكم الهائل من الديانات.. الهنود مختلفون فى كل شىء حتى فى صناعة أطعمتهم المليئة بالشطة والتى كان يصعب على تناولها لأنها تصيبنى بالتهابات معوية حادة.
وفى ذات يوم وأنا أتجول فى شوارع دلهى مع فوج من الأصدقاء المصريين والهنود والعرب شد انتباهى وأسرنى ذلك الرجل الذى رأيته أول مرة فى أحد شوارع دلهى عاصمة الهند، والذى كان نقطة تحول فى حياتى بعد ذلك، وهو يجلس فى حالة ثبات ويرتفع فى الهواء بلا مساعدة من أحد وبالفعل بهرتنى قدرته العجيبة على التحكم فى ذاته، وبهرنى أكثر عندما سمعت قصته فهو «براهما واجيوارا» كان يعيش طفولة مرفهة وجميلة داخل قصر كبير وتلقى تعليمه فى إنجلترا بجوار أبناء الملوك والأمراء وهو يتحدث الإنجليزية ويحيط بالفلسفة الغربية وآدابها وعضو فى جمعية مارلبون الروحية بلندن، ولكنه عاد إلى الهند ليخلع البدلة الأنيقة ويهجر بيته وزوجته وأبناءه ويهيم فى الجبال والغابات حافيا عاريا لا تستر جسده إلا خرقة قصيرة وقديمة».

استطعت أن أصل إليه عن طريق صديق هندى قديم ودخلت إليه داخل الكهف الذى يعيش به فى أحد الجبال وعندما قابلته رحب بى وأعطانى بعض الحبوب المملحة لأتناولها وأراد أن يملأ لى جرة من الماء فنزل سلالم بئر داخل الكهف حتى استقر فى قاع بئر الماء وسكنت حركته تماما ولم يخرج منها إلا بعد ٤٥ دقيقة كنت خلالها أصرخ فى صديقى الهندى لنحاول أن ننقذ الرجل ولكنه كان يضحك ويقول هذه أشياء بسيطة بالنسبة له، وجلس براهما يتمتم بقراءة آيات من الإنجيل والتوراة ثم من كتب البوذية بعد أن أعطانى جرة الماء وقال اشرب فإنى أنزل للحصول على الماء الطاهر من قاع البئر، وقبل سفرى إلى القاهرة ذهبت إليه أرتجف خوفاً من الدنيا ومن الآخرة، ولكنه مسح بيده على رأسى وأعطانى منديلاً به صرة ملح وسافرت عائداً إلى مصر وأنا على يقين بأن السماء بالقرب من الله أفضل من الحياة بالقرب من الناس.

وبعد الهند ذهبت إلى ألمانيا التى لا أستطيع أن أنسى ما قضيته من ليال فى كباريهاتها المحترمة، وألمانيا بلاد مهذبة جدا وأهم ما بها هو الورش والمصانع، فكنت أنام على مصنع وأستيقظ على ورشة، حتى شعرت بالملل فقلت لأحد أصدقائى الألمان أليس عندكم «ملاهى» أو كازينوهات واصطحبنى يوم الإجازة لأحد الكباريهات ليست كالموجودة فى مصر ولكن كل من كانوا داخله من العجائز، وجلست أشاهد الاستعراض وأصغى إلى موسيقى فاترة حالمة ففى ألمانيا الكباريهات محترمة وفى أحد الأيام تجولت وحدى لأشاهد ألمانيا بنظرة باحث وعرفت أن هناك شوارع مخصصة للفجور والدعارة والكباريهات المنحطة، وعندما ذهبت إلى هناك عرفت أن هذه الشوارع موجودة من أجل تلبية رغبات السياح وبعد تجولى داخل الشارع عرفت أننى لا أتفرج على ألمانيا بل أتفرج على نفسى وعلى الصورة التى فى ذهن الألمان عنى وعن السياح.

وفى هامبورج كانت هناك لحظات كثيرة طريفة بدأت من اللحظة الأولى حيث الوقت عند الألمان أهم شىء بعكسنا نحن المصريين، وأتذكر جيدا عندما كنت أقف فى صالة الفندق أكتب خطابا إلى «روزاليوسف» وإلى جوارى الملحق الصحفى الألمانى يشد شعره لأن المبعوثين المصريين لا يفهمون أن هناك مواعيد يجب الالتزام بها، وعندما صعدت بعد وصولى للفندق فى هامبورج لغرفتى لأستريح وعندما فتحت باب الغرفة كانت خاوية تماما ولا يوجد بها سرير وغضبت جدا فقد كنت منهكاً من السفر وأريد النوم، وإذا لم تكن هذه غرفتى فسيكون هناك وقت حتى أنتقل إلى الغرفة الجديدة أو سأنتظر حتى يفرشوا هذه الغرفة، وبسرعة بحثت عن الخادم وعندما جاء أبديت له دهشتى من معاملتهم للسواح فى ألمانيا.. أتعطوننى غرفة فارغة هل سأنام على الأرض وأصاب بالتهاب رئوى وبرد..

وابتسم الرجل ونظر إلى شعرى الأكرت ثم اتجه إلى زر فى الحائط وضغط عليه فخرج سرير كامل المعدات من داخل الحائط، واتجه إلى اليمين وضغط على زر آخر فخرجت كنبة، وشد حبلا فى الخلف فخرج مصباح وكتب وكرسى ومائدة عليها راديو وتليفون ونوتة مذكرات وإعلانات وهدايا، وشعرت بالخجل من جهلى بالتكنولوجيا الحديثة- وأنا كاتب وروائى- أمام خادم ألمانى.

لكن الأيام القليلة التى عشتها فى روما شعرت خلالها كأنى أعيش داخل لوحة فنية رائعة ولا أريد مغادرتها، شاهدت المدينة وكأنها قديمة وتبدو كمتحف، ففى كل مكان تماثيل قديمة ونافورة، وروما حافظة أمينة لتاريخ الفن الرومانى وكل آثار الفن الخالدة فيها أقيمت بتبرعات من جميع أرجاء أوروبا بدعوة من البابا من أجل المسيح، وفى متحف الفاتيكان شاهدت قصة المسيحية مرسومة على الجدران بريشة دافنشى ورافائيل، وفى الكنائس والمعابد شاهدت الكهنة، ووجدت للكاهن المصرى غرفة خاصة فى متحف الفاتيكان قابلت فيها فراعنة أعرفهم وملوكاً قدامى من الأسرات الأولى ولا شك أن تماثيلهم سرقت وعبرت البحر إلى إيطاليا ثم بيعت للبابا والكنيسة.
وفى روما عرفت أننى لم أفهم النحت الفرعونى فى مصر وتعلمت الفرق بين النحت المصرى الفرعونى والنحت الرومانى، فعندما نشاهد التمثال الفرعونى من بعيد ومن قريب ومن كل الزوايا نجده جميلاً أما التمثال الرومانى فيبدو من بعيد وكأنه «لعبكة» لكثرة ما فيه من التفاصيل والحركات ولتعدد الشخصيات فى كل تمثال.

وفى كنيسة القديس بطرس وجدت نفسى تحت قبة هائلة من الرخام ودفعت ستين ليرة لكى أشاهد المتحف البابوى ودخلت سرداباً يحتوى على أرواب وقلانس وصلبان وتيجان من الذهب كل تاج منها يزن بضعة أرطال، ومصاحف مدهبة ضخمة فى حجم الدولاب وجواهر نادرة، وعجبت لهذا البذخ الأسطورى وكان هذا البريق الخافت والذهب والماس والمجد والسلطان ممتلكات للبابوات الزاهدين الذين تركوا الدنيا خلف ظهورهم.
كنت أمصمص شفتى وأقول مساكين هؤلاء البابوات.. إن هذه التيجان حمل ثقيل جدا بالفعل، وجلست أتأمل كل هذا فى حالة حيرة، وعلى الفور تذكرت الخديو إسماعيل الذى حاول أن يجعل القاهرة قطعة من روما بعد أن جمع الفن الكلاسيكى وألقى به فى الميادين من خلال التماثيل والعمارات الأنيقة التى مازلنا نراها حتى الآن، ولكن إذا اتبعنا خطى إسماعيل فسنجعل من القاهرة بلدا قديماً ومتحفاً للذكريات.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin


عدد المساهمات : 672
النشاط : 1661
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: مذكرات دكتور مصطفى محمود .. الجزء الثانى عشر.. رحلاتى    الخميس ديسمبر 19, 2013 10:54 pm


فتح العالم الكبير والمفكر الجليل الدكتور مصطفى محمود دفاترة ليطلعنا على أهم رحلاته التى مازال يتحدث عنها والتى طاف خلالها العالم وجمع خلالها فكره ومقتنياته النادرة التى مازال يحتفظ بها حتى الآن داخل متحفة الجيولوجى والمائى الموجود فوق سطح مسجده من أحجار وأسماك نادرة والتى جمعها من رحلاته المختلفة لباريس ولندن ولبنان. لقد صور لنا مصطفى محمود كل مظاهر الحياة داخل هذه الدول التى ربما ذهب البعض إليها ولم يستطع التعبير عما تحمله داخلها من معان حقيقية،

وربما يكون البعض لم يذهب إليها حتى الآن. لم يكن يسرد ما شاهده كزائر عادى إنما كان يصور لنا ما شاهده وعايشه بنظر الفيلسوف فقال: فى باريس كنت أقف طويلا أمام هذه الوفرة من الأجسام العارية الموجودة فى كل مكان.. الموجودة على إعلانات القمصان والعطور والدعاية السياسية والأدوية وطوابع البريد الموجودة على مسارح الاستربتيز فى البيجال،

والفرنسيون يشاهدون هذه العروض العارية فى اهتمام، ولكن ليس منبع هذا الاهتمام الحرمان الجنسى أو الفضول لرؤية الأعضاء التناسلية وإنما منبعه فلسفة الجسد العارى والهدف منها اعتياد العين على رؤية الجسد العارى لنقل التفكير من موضوع الإثارة الغريزية إلى موضوع التأمل الذهنى البحت فى كل ما يمكن أن يرى فى الجسد العارى.

ولم أشاهد فى باريس هذا النوع من الفن فقط بل كان هناك المسرح الجاد وعشرات المتاحف التى تعرض آثارنا الفرعونية بذوق وجمال وقرأت فيها أيضا صحفا جادة. وكما رأيت الباريسى يسكر طيلة الليل فى رأس السنة فهو نفسه الذى يعمل بيده وأسنانه طيلة العام وفيها أيضا أتوبيسات قديمة ولكنها تسير بحالة جيدة نتيجة الإشراف والصيانة الدائمة لها.

ولا يمكن أن أترك رحلتى فى باريس لأنتقل إلى رحلة فى دولة أخرى قبل أن أتكلم عن أهم ما شاهدته من روايات مجسدة على المسرح فى باريس، حيث إن الفترة التى زرت فيها باريس كانت تتكلم عن الله والإنسان، فكتاب المسرح قدموا من خلال أعمالهم أن الله فى إجازة ولا أحد يرعانا فى السماء، فشاهدت مسرحية «مقبرة العربات» للمؤلف الإسبانى «ارابال»،

حيث كان الديكور الذى لم يتغير طوال العرض هو خرابة قذرة تتراكم بها العربات القديمة ثم نفهم أن ما نراه هو لوكاندة وصاحبها يؤجر غرفها ويستغل زوجته بأن تضاجع نزلاء اللوكاندة عند اللزوم وإذا رفضت يضربها ويلقى بها فى الغرفة لتعود له بأجر مضاعف.

ويلاحظ أن ممارسة الجنس فى هذه الخرابة هى وسيلة لقتل الوقت أو استعراض القوة فى إذلال الرجل للمرأة أو العكس، لا أحد يمارس الجنس للحب واللهو حتى يظهر المسيح وهو عصرى جدا فهو يمارس الجنس مع زوجة صاحب اللوكاندة ونعرف أنه يفعل هذا لأنه يحبها وأنه الوحيد الذى يمارس الجنس من أجل الحب ويتآمر عليه الرجال لأنه سيفسد عليهم حياتهم السهلة، ويبلغون البوليس ويصلبونه وبالطبع كان جميع أبطال المسرحية عراة تماما.
كما شاهدت فى السينما فيلما يحمل اسم «نهاية الأسبوع» لجودار وكان محاولة شديدة التطرف.. يبدأ الفيلم بحوار بين زوجين وتعتذر عن الخروج معه لأنها مريضة ونفهم بعد ذلك أنها كذبت لأنها تريد أن تلتقى بعشيقها ونرى أن الزوج استفاد من الفرصة فذهب إلى عشيقته، ثم تذهب الكاميرا إلى بيت العشيق ونرى الزوجة عارية ملط وتحكى للعشيق اعترافات مفصلة،

حينما تم تبادل الزوجات بين زوجها وصديقه وكيف ضاجعها صديق زوجها، ثم تنتقل الكاميرا إلى اليوم الجديد وهو نهاية الأسبوع والزوج والزوجة يستقلان سيارتهما فى الطريق إلى الأم فى الريف، والطريق الريفى مزدحم وفية مئات السيارات بسبب حادث وكل صاحب عربة يلعن ويسب، لا أحد يفكر إلا فى نفسه وفى الوصول إلى هدفه قبل الآخرين وينفتح الطريق لنرى حوادث تصادم بشعة راح ضحيتها شباب وبنات وأطفال قتلى على جانبى الطريق ولا أحد يتوقف ليرى وانما تمر السيارات مسرعة، ولكن المأساة لم تنته، فعلى جانبى الطريق عربات محطمة محترقة وحوادث وقتلى..

ونفهم من هذا أن المؤلف يرمز إلى النيران المشتعلة على الجانبين فى فيتنام والكونغو ونيجيريا والشرق الأوسط، بينما فى أوروبا القبلات على الأرصفة ويقضون إجازة نهاية الأسبوع. ثم يفاجأ الزوجان بقاطع طريق يقطع طريقهما ثم يقفز فى هدوء إلى داخل العربة ويقول للزوجين إنه الله وإنه يريد الذهاب إلى لندن وينظر الزوجان إليه فى سخرية ولكن يرفع الرجل يده إلى السماء ويبسطها فإذا بها أرنب، ويقول إنه مستعد أن يجيب لهما أى طلب،

ويطلب الزوج بعد تفكير عربية مرسيدس موديل العام وتطلب الزوجة فستان سواريه ويصرخ الله فى ازدراء: «ولكنك يا رجل تملك سيارة مرسيدس موديل العام السابق وأنت يا امراة لديك خمسون فستان سواريه» ويستعجب بقوله: هل تلتقيان بالله وتطلبان مثل هذه المطالب البرجوازية، بصراحة يا بشر أنا أستحقركم جدا، ويقفز نازلا من السيارة ويصرخ الزوجان: إننا نشك فى أمرك أحدث لنا معجزة.. فيجيب الله وهو يختفى: «أنتما أحقر من أن أثبت لكما وجودى»، ويريد أن يقول الفيلم إن أوروبا تعيش فى عالم بلا إله وبلا أمل وأنها على حافة الهاوية.
كما شغلنى عالم الأرواح وحاولت أن أتعرف عليه كنوع من الفضول عن طريق حضور جلسات تحضير الأرواح ولأننى أيضا أرفض المسلمات فى هذا الجانب وأريد أن أتعرف على أسراره وكانت حالة من الفكاهة الشديدة عندما علمت أننا فى مصر لسنا الوحيدين المهتمين بهذا النوع الذى ربما يكون علما،

ووجدت أن فى لندن مبنى أنيقا من طابقين، فى الطابق السفلى مكتبة الأرواح التى تحتوى على كل كتب تحضير الأرواح والتعرف عليها وترجمة لكل الكتب السماوية بما فيها القرآن، وعرفت من إحدى السيدات الموجودات بالمبنى أن هناك محاضرات يومية عن المشكلات الروحية، وعروضا خاصة يقدمها الدراويش الإنجليز دون وسطاء،

وكنت مسرورا جدا لأنى سأرى الدراويش الليلة، الذين اعتدت أن أراهم أمام مقام السيد البدوى بطنطا أو السيدة زينب أو مسجد الحسين بالقاهرة، ولكن سيكونون دراويش إنجليز. وحضرت فى موعد المحاضرة ووجدت أن الكثير من الحاضرين سيدات فى أعمار الشيخوخة وبالتالى من السهولة التأثير عليهم،
كما وجدت أن سيدة هى التى ستقوم بدور الدرويش وعلمت أن هذا هو التجديد من الأجانب، فعندنا الرجال وعندهم النساء هو صراع الرجل والمرأة والمنافسة على إثبات نفسها حتى لو فى مجال العمل الروحانى. وبدأت الجلسة بقراءة ابتهالات وصلوات، والغريب أننى عرفت أنها هى التى تختار من يسألونها وأيقنت أنها لابد أن تكون نصابة فبالطبع من ستسأل أتباعها المنتشرين بين الناس داخل القاعة وعلى الفور وقفت لانصرف ولكن سألتنى إحدى السيدات عن سبب انصرافى فقلت لها: عندنا فى مصر مئات الدراويش يستطيعون أن يصنعوا أشياء أعظم من هذا..

فقالت: لماذا لا يحضرون إلينا.. فقلت لها: فعلا لابد أن نصدر لكم دراويش الحسين والسيدة زينب. وأيقنت فى هذا الوقت أننا لا نستطيع أن نصدر غير الدراويش فهم أصبحوا فى مصر أعدادا كبيرة جدا. أما عن أيامى فى لبنان «بيروت» باريس الشرق الأوسط فتعلمت منها الكثير، فلبنان هى دولة لا تمتلك البترول ولكن تمتلك الجمال الفتان الذى يجبر الناس على زيارتها ووجدت أن فى لبنان الكباريهات منتشرة فى كل مكان تكاد تكون فى كل شارع فكباريهات فوق الأرض وتحت الأرض وفوق الأسطح وفى خنادق وعندما زرتها كان الفن والمسرح والسينما غير موجودين بالمرة وذلك لأن الفن يحتاج إلى مجهود عالى ومعرض للنجاح أو الفشل والإذاعة والتليفزيون وسيلة إعلانية فقط ولكن أخطر ما وجدته داخل لبنان هذه البلد التى يتمتع أهلها بالطيبة الفائقة أنها بانتمائها إلى كيان عربى كبير تجد نسبها وكرامتها وعروبتها فلا يمكن أن تعيش لبنان زوجة للكل ولا يمكن أن تعيش لقيطة يكتب كتابها بالفرنسية ويكتب شعرائها بالاتينية أن طلاقها من عروبتها لن يضمها إلى العالم ولن يجعل مواطنها عالميا.

ثم ضحك كثيرا وهو يقول.. ما نشاهده فى بلاد الغرب من غرائب السلوك ومعتقدات متفتحة لا يتقبلها مجتمعنا الشرقى بسهولة ربما يكون أفضل بكثير مما يحدث بين قبائل الغابات الاستوائية وفى أفريقيا وفى صحراء السودان، فقد سافرت للكثير منها، وهنا أتذكر جيدا ما شاهدته داخل قبيلة الشيلوك من عادات ومعتقدات،
ووصف لنا ملامح النساء والرجال والأطفال والمنازل، وهذا ربما يدعونى أو يدعو القراء إلى حمد الله على نعمة المدنية التى نعيشها والتحضر الذى يفوق هذه القبائل التى مازالت موجودة حتى الآن بآلاف السنين.. ولكنه يجعلنا نرى، وبوضوح، الصورة التى يصورها لنا الغرب، فهذه نفس الصورة فهم يضعوننا فى نفس موضع هذه القبائل ولكن بعيدا عن تصورات الغرب والشرق التى لن تتغير إلا بمعجزات إنسانية وليست ربانية فقط،

قال: فى قبيلة «الشيلوك» كانت الباخرة تسير ببطء كأنها سلحفاة تمشى على بطنها وأنا مغمى علىّ من فرط الحرارة فى علبة السردين التى أنام فيها والمروحة تزنّ على رأسى بلا جدوى، ولا أجرؤ على أن أفتح باباً أو شباكاً فأسراب البعوض تحوم فى أفواج كثيفة فى الخارج، ولا أكاد أتخيل أن أخرج أصبعا حتى لا تهجم عليها فى وحشية وكلها من بعوض الأنوفيل حامل الملاريا،

وكانت الملاريا قد بدأت تكتسح المركب، فالريس حرارته ٤٠، واثنان من البحارة يعانيان رجفة الحمى وكنت أفتح عينى بين لحظة وأخرى وأنا فى ضباب النوم فأرى جزائر من النور تسبح طائرة على جانبى السفينة وكنت أتساءل: هل أهذى أنا الآخر؟ وأفرك عينى وأحملق حولى جيدا مازالت هناك تلك الجزائر من النور بالفعل، إنى لا أحلم، إنها جزائر من نباتات الهياسنث سابحة فى التيار تضيئها أنوار الباخرة على الجانبين،

وقد كان قمر خط الاستواء يبدو شاحبا يغلفه الضباب والبخار، وخطر لى أن أصعد على سطح الباخرة لأشاهد الطبيعة فى تلك الساعة من الليل، ودهنت وجهى وأطرافى بطارد البعوض وخرجت ألتمس الهواء، ولم يكن ثمة هواء وإنما رطوبة راكدة تتكثف على الأهداب وعلى الجلد وهواء ثقيل له ضغط، ولم تكن الطبيعة نائمة كما تصورت وإنما كانت صاخبة جياشة بالحركة والحياة، أسراب الفيلة تملأ المراعى وتماسيح النيل الضخمة تمرح حول الباخرة وقطعان سيد قشطة تستحم،

وآلاف الكروانات والبلابل والعصافير والنسور والطيور الملونة تحلق على ارتفاعات قليلة، وجيوش الحباحب المضيئة تلمع كسنون الإبر فى الظلام، وحرب الطبيعة ناشبة على أشدها: الحباحب تأكل البعوض والضفدع يأكل الاثنين، والأسماك تأكل الكل، ثم يذهب الجميع فى جوف التمساح فى صمت، على حين يطل القمر شاحبا يغلفه الضباب والبخار، ومن وقت لآخر يرشق الهدهد منقاره فى الطين ليخرج بدودة كبيرة،

ويغطس طائر اللقلق فى الماء ليخرج وفى فمه سمكة، وترتفع هامات السفانا العالية وأشجار البردى وسيقان الهياسنث على الشطآن لتحجب ما يجرى فى الداخل، لا يندو عنها صوت إلا حينما يتخللها ثعبان فيخشخش بين أوراقها وهو يسعى ليرد الماء أو يتمطأ فيل فتهوى كتل من هذه النباتات المتشابكة،

وتتفتت ويجرفها التيار فى جزائر عائمة صغيرة تنعكس عليها أضواء الباخرة فتلمع فى الظلمة كل صنوف الحياة كان يبدو عليها الانتعاش فى هذا الجو الساخن فهى تتلاقح وتتوالد وتتكاثر وتأكل بعضها وتنقنق وتزقزق وتقشقش وتفح وتنبح وتعوى وتملأ المستنقعات اللزجة وتشرب مياهها الراكدة فى شهية كالحساء وتنمو وتبلغ أحجاما عملاقة، أشجار الأدليب كانت تصطف فى طوابير شاهقة الطول على الجانبين وثمار الأدليب كانت تتساقط فى الماء كل ثمرة فى حجم البطيخة،

وهى من فصيلة الدوم وأشجار البردى كانت تنمو فى وحشية حتى تسد الأفق، التماسيح كانت تشق الماء شهباء اللون كالحة ضخمة كالبوارج الحربية، كانت هذه البيئة الساخنة هى البيئة المختارة لهذه الفصائل من النباتات والحيوانات. شىء واحد لم يكن يظهر إلا نادراً فى هذه المتاهات الاستوائية الشاسعة هو الإنسان، كل بضعة أميال كان يظهر واحد أو اثنان أو ثلاثة من الزنوج عراة، يحملون الحراب، وكلهم من قبيلة «الشيلوك»،والشيلوك والدنكا والنوير هى القبائل التى يلقاها المسافر فى هذه المنطقة من النيل بين كوستى وملكال وبور وجوبا، وزنوج هذه القبائل يسيرون عرايا وأحيانا كنت أجد الواحد منهم «عريانا ملط» كيوم ولدته أمه و«لابس كرافتة» وهم ينظرون إلى المدنية بهذه الطريقة من التريقة، فالثياب فى نظرهم مجرد تقليعة بلا وظائف، مجرد زوائد لا معنى لها، كزر الطربوش،

ومعظمنا كنا قد بدأنا نعتنق هذه الفلسفة فقد كنا نسير على سطح المركب ءنصاف عرايا لا فرق بيننا وبين الشيلوك إلا نصف متر الدبلان الذى يقتضيه الحياء التقليدى، ولكن الشيلوك لم يكونوا رواداً فى مسألة الثياب وحدها ولكنهم كانوا روادا فى كل ما هو بدائى، وكانوا يرفضون بشدة كل ما هو مدنية ويتمسكون بكبريائهم وتقاليدهم، وكانت ديانتهم وحدانية، فهم يؤمنون بإله واحد يسمونه «جوك»،

ولكن فهمهم لهذا الإله الواحد غامض ومضطرب فهو فى نظرهم خفى وموجود فى كل مكان وخالق للسماء، ولكن مشيئته لا تنفذ إلا عن طريق نياكانج وهو ملك الشيلوك القديم الذى أنشأ هذه القبيلة، وهو فى اعتقادهم لم يمت وإنما تحول إلى ريح واختفى ثم حلت فيه روح «جوك» وأصبح ممثلا لمشيئته على الأرض،
ولهذا فهم يصلون له ويقيمون له المعابد ويقدمون له القرابين ونياكانج متصل اتصالا يوميا بحياة الشيلوك، أما جوك أو الله فهو شىء مجرد وبعيد ومتصل أكثر بالكون كله، ومعابد النياكانج هى وحدات سكنية عادية يعتقد الشيلوك أن روح النياكانج تسكنها، وتتألف الوحدة من خمسة أو ستة أكواخ، مثل أكواخ السكن العادية التى يسكنها الشيلوك، مع فارق أنها أكثر اتساعا ونظافة، ويقوم على خدمتها كهنة من عجائز الشيلوك ومعهم زوجاتهم الطاعنات فى السن، ومحرم دخول هذه المعابد لأى فرد من أفراد الشعب فيما عدا هؤلاء الكهنة،
وعلى من يدخلها من النساء أو الرجال أن يكون صائما صياما تاما عن العلاقة الزوجية، والكوخ الأول من هذه الأكواخ يخصص لنزول روح نياكانج وفيه توضع أسلحته وأدواته وقيثارته وطبوله وجلود قرابينه، وعلى بابه تغرس قرون الأضاحى التى قدمت له، والكوخ الثانى يخصص للماشية التى تخص المعبد، والثالث لتخزين الحبوب وتخمير المشروبات، والرابع للكهنة والخدم والعبيد،

والخامس لتقضى فيه روح نياكانج حاجاته وتستحم وتتبول، والسادس لنزول روح نيكايا والدة نياكانج ويرتل الكهنة فى صلواتهم قائلين: «يا إلهنا نجنا، بيدك وحدك نجاتنا، أنت تملك السماء والأرض والنجوم، وبمساعدة نياكانج تقوى أذرعتنا عند الحرب وتحفظ لنا ماشيتنا وتبعد عنا المرض والجوع، كل أبقارنا مبذولة من أجلك، وكل دمائنا فداؤك». وهم يذبحون الثيران التى تقدم قرابين ويأكلون لحومها ويرمون بعظامها فى النهر، أما الأبقار فيحفظونها فى حظيرة المواشى بالمعبد.

وأهم الطقوس الدينية طقوس المطر وطقوس الحصاد، وفى يوم الاحتفال بطقوس المطر تدق الطبول فى ساحة المعبد التى تكنس وتنظف للمناسبة، ويجتمع الشباب للرقص بالحراب والسيوف والغناء لروح نياكانج، ثم يؤتى بثور القربان ويضع الكاهن فى كفه بعضا من ماء النهر ويبصق فيه ثم يرش به الثور ثم يطعنه طعنة نافذة فى أعلى الفخذ ويتركه ليدور فى الساحة حتى يخر ميتا،
وهم يستبشرون إذا اتجه الثور المحتضر إلى النهر أو إلى كوخ نياكانج ويحتفظ الكهنة بالرأس والسيقان والأحشاء ليأكلوها، ويلقون بالعظام فى النهر، ويعتقد الشيلوك أن روح نياكانج يمكن أن تحل فى عديد من الحيوانات مثل الزراف والثعبان وطائر الأكاك،

وحينما يرى الشيلوكى فراشة تقف على باب المعبد يصرخ هاتفا: «هذه روح نياكانج»، وأى شجرة تنبت بالقرب من معبد نياكانج تقدس ولا تمس ويعتقد أنها من أخشاب مقبرة نياكانج. وصيد التماسيح محرم لأن الشائع أن روح نيكايا أم نياكانج تحل فيها، وهم يعتقدون أن روح نيكايا تعيش فى الماء ولذلك يلقون بالشاة التى يقدمونها قربانا لروحها وهى حية ومقيدة من أرجلها فى الماء،

وكل ملوك الشيلوك مقدسون على مثال نياكانج ولذلك فهم يدفنون وتقام لهم معابد، ولكن تكون أصغر حجما، والموتى من الأجداد يعاملون معاملة الملوك ويعتقد أن فيهم روح جوك وأنهم على اتصال بالله، وأرواح الأجداد لا تنفصل فى ديانة الشيلوك عن أرواح الملوك أو روح نياكانج أو روح جو،

ويتشاءم الشيلوك من الملك الذى يطعن فى السن ويقعده المرض، ويعتقدون أن ما يصيب الملك من مرض وشيخوخة لا يلبث أن يحل بالقبيلة كلها وكانوا فى الماضى يقتلونه والقرابين البشرية غير مألوفة عند الشيلوك ولكنها كانت تقدم فى أحوال نادرة عندما تفشل الطقوس العادية فى استدرار المطر.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin


عدد المساهمات : 672
النشاط : 1661
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: مذكرات دكتور مصطفى محمود .. الجزء الثالث عشر..عشت بين سكان «الدنكا»    الخميس ديسمبر 19, 2013 10:57 pm


■ الإنسان فى المناطق القطبية سمين مكتنز بالدهن، تماما مثل الدب والحوت، ليقى نفسه غائلة البرد، وهو فى المناطق الاستوائية الحارة نحيل هزيل أسود كأنما اخترع لجسمه مظلة تقيه الشمس وسحالى الكهوف، التى تعيش فى الظلام لا وظيفة عندها للبصر ولا للألوان ولهذا فهى عمياء وبلا لون، على حين أن سحالى البرارى حادة البصر وملونة

مصطفى محمود

أمران عُرف بهما مصطفى محمود.. الأول أنه حقق كل حلم خطر على باله حتى لو كان حلمه ذات يوم أن يحصل على ما حصل عليه السندباد.. فهذه الشخصية الأسطورية التى جابت العالم وحصلت على تجارب ومعارف أسطورية حلم بها الطفل مصطفى محمود منذ ثمانين عاما وهو يقرأ قصصه المرسومة على ورق أصفر، والتى كان والده يحضرها له وهو عائد من عمله.. وبعد ثلاثين عاما حقق الشاب مصطفى محمود حلمه بعدما جاب مئات الدول والقبائل الأفريقية والمناطق المجهولة فى صحراوات أفريقيا وأدغال أمريكا الجنوبية وجبال آسيا..
حاول الوصول إلى أعماق المناطق التى يحط فيها ولم يشاهدها من الخارج، ويهتم بالتقاط صور له أمام المعالم السياحية كما يفعل أى سائح لدرجة أن يسير من وسط أفريقيا إلى القاهرة على أقدامه على مدار شهور، يحدد منابع النيل، ويخترق أدغالاً لم نسمع بها ويعيش مع أبناء قبائل هذه الأدغال.. ثم يذهب إلى لندن ليزور بيج بن وفقط بل اخترق أحياء لندن غير المعروفة، ودخل إلى أزقة وشوارع مجهولة ووصل إلى منازل وأوكار الروحانيات الشهيرة فيها.. هل شارك مصطفى محمود فى جلسات تحضير الروحانيات؟
نعم، شارك وسجل وحلل ثم ضحك فى النهاية، وقال إن دراويش السيدة أكثر إتقانا من علماء تحضير الأرواح الإنجليز المشهورين الذين تُكتب عنهم موسوعات وكتب.. وكل ما سبق يعتبره البعض كثيرا جدا، لكن مصطفى محمود وحده يعلم السر فى ذلك، وقد قاله بالفعل، إن كل ذلك إشباع لرغبة طالما انتابته وهو صغير بأن يعيش ما عاشه السندباد، وفقط.

الأمر الثانى الذى اشتهر به مصطفى محمود بعد تحقيقه لأى حلم خطر على باله وهو طفل.. أنه لم يأخذ الدين ويتقبله كالآخرين.. وفى رحلته غير المسبوقة بين مذاهب العالم مر على وبكل مذاهب الأرض، ففى آسيا راقب عبدة النار وعبدة الأبقار وعبدة الجبال والشمس والأعضاء الجنسية، وفعل الأمر نفسه فى الأمريكتين شمالا وجنوبا.. ثم مرّ بأوروبا زائرا، محللا ومفسرا لكل ما تراه العين، وحاكيا لما نعرفه عن تلك الدول المتقدمة.
لكن.. ما أكثر التجارب تأثيرا على الدكتور مصطفى محمود؟

إنها رحلته إلى قبائل الدنكا، التى أشبعت عنده الشقين السابقين: غريزة الترحال، وغريزة المعرفة الدينية.
ويقول فيلسوف الشرق عن هذه الرحلة: قبيلة «الدنكا» التى تعيش على ضفاف النيل الأبيض بالسودان أكثر قبائل الغابة تدينا، وهم يعتبرون كل ظاهرة تحدث فى الحياة اليومية حتى الظواهر التافهة إشارة إلهية تستدعى ذبح شاة وتقديم قربان، وأثناء إقامتى بينهم حطت طائرة أوروبية فى تونجى بين قبائل الدنكا أثارت حالة من الرعب كانت نتيجتها أن ذبحت أكثر من خمسين من الثيران وقدمت قرابين، وتقدم رجل عجوز من الدنكا واعترف بجريمة قتل كان يخفى خبرها منذ سنين،

ورأيت رجلاً من الدنكا وهو يقف فى حديقته ورأى ثمرة كبيرة من ثمار المانجو أكبر من الحجم العادى فيهلل ويكبر ويأتى بشاة ويدور بها عدة مرات حول شجرة المانجو وينتظر حتى تبول فيذبحها ويسكب دمها على الثمرة ويقطع أذنيها وأطرافها ويعلقها على سارية ويسلخها ويوزع لحمها على جيرانه، ويقدم جلدها لكهنة «نيالاك»، وهو الرب الذى يعبده الدنكا، وينظرون إليه باعتباره خالق الدنيا ومؤسس نظامها.

و«نيالاك» معناها الحرفى «الذى فى السماء» أو «الأعلى»، والقوة الروحية الثانية التى يؤمنون بها هى «دنجديت» صانع الأمطار ولـ«دنجديت» قصة مثيرة، فقد أنزله الله من السماء حيث بعث بالأم المقدسة من سمواته فهبطت على قبيلة أديرو وبطنها حامل والتف حولها القرويون وذبحوا الذبائح والقرابين فرحين مهللين، وابتنوا لها كوخا جميلا، وبعد شهر كانت تضع مولودا ملائكيا له أسنان كأسنان الكبار ويبكى من عينيه دما،
وقالت الأم المقدسة وهى تشير إلى طفلها: سيكون هذا الطفل راعيكم وحامى دياركم، وطلبت منهم أن يقدموا له الشياه والأبقار قرابين فقدموا لها ما طلبت فانشقت السماء عن أمطار غزيرة لم يشهدوا لها مثيلا، ومن ذلك اليوم أطلقوا على الطفل اسم «دنجديت»، المطر الغزير، وعاشوا تحت حكم «دنجديت» سنين طويلة حتى بلغ «دنجديت» سن الشيخوخة ثم اختفى فى عاصفة فلم يُعثر له على أثر، وفى بعض الحكايات أن «دنجديت» مازال حيا وأنه خالد لا يموت وأنه يتنقل بين قبائل الدنكا متلبسا صورة بشرية،

وفى إحدى الأساطير أن «دنجديت» هذا اختلف مع زوجته «أبوك» وأرسل عليها طائرا قطع حبل النجاة بين السماء والأرض، ومن ذلك اليوم والسماء منفصلة عن الأرض، ولـ«دنجديت» معابد كثيرة فى قرى الدنكا، ومعبد «دنجديت» وحدة سكنية عادية تتألف من ثلاثة أكواخ، أحد هذه الأكواخ هو مسكن «دنجديت»، ويقوم عليه اثنان من الكهنة هما الوحيدان اللذان يدخلانه، وفى المعبد مجموعة من الحراب يقال إن «دنجديت» نزل بها من السماء،

ويقال إن من يسرقها يموت أو تقطع يده، وحينما يتقدم واحد من الدنكا بقربان إلى كاهن الـ«دنجديت» ويشكو من عقم زوجته مثلا فإن الكاهن يمهله حتى يرى «دنجديت» فى الحلم وهو فى العادة لا يقبل منه قربانا حتى يأتيه فى الحلم ويعلنه بقبول القربان، وحينئذ يأذن الكاهن بالمثول بقرابينه، وبعد تقديم القربان يمسح الكاهن على رأس الزائر بمسحه من تراب المعبد ثم يدهن جسمه بالزيت المقدس ثم يأخذ محتويات أمعاء الضحية وينثرها على المذبح وأحيانا يقدم الزائر هدية من التبغ مع القربان.

والدنكا يعتقدون أن كل إنسان له روح أو شبح يخرج منه بالموت، ويتجول فى كل مكان، وهو الذى يسبب الأحلام، وحينما يحلم الواحد منهم بأن روح أبيه الميت جائعة فإنه يبادر حينما يستيقظ إلى وضع إناء فيه بعض الدقيق والزيت إلى جوار الباب ليطعم الروح الهائمة.
وأرواح الأجداد ينظر إليها بتقديس وإجلال باعتبارها أرواحا عادية منقذة، وأنت ترى أحدهم حينما يقذف بسهمه فى الماء ليصطاد يهتف قائلا: إيه يا روح أبى الهادئة، وأحيانا حينما يتعرض لخطر داهم يهتف مناديا على روح الطوطم الحيوانى الذى يقدسه: إيه يا روح مارياك، يا روح الثعبان المقدس، قو ذراعى.

والعظماء المختارون تلبسهم الروح العليا وتكون لهم القدرة على كشف الغيب وعلاج المرضى ويطلق عليهم اسم «تيت»، ويذهب أفراد القبيلة لاستشارتهم والدنكا يؤمنون بأثر اللعنة والبركة والأب يبارك ولده بأن يبصق فى يده ويمسح البصاق على رأس ولده وعلى صدره ثم يأخذ من تراب الأرض ويحثوه عليه، والأخ يلعن أخته ويقول لها فى ساعات الغضب: اذهبى لن يكون لك ولد، ملعونة أنتِ وعاقر ما عشتِ فى هذه الدنيا، وهى لعنة لا علاج لها إلا بأن يذبح شاة ويأخذ محتويات أمعائها ويبصق عليها ويدهن صدر أخته وبطنها وهو يقول: اسمعى يا روح أجدادى لقد قلت ما قلته دون أن أعنيه وأنا الآن أتمنى لأختى ولداً جميلاً، وأن تنجب ما تشتهى من الأطفال. والدنكا يؤمنون بأن الإنسان يستطيع أن يضر غيره بمجرد أن يشتهى هذا الضرر بجماع قلبه، وأن الإرادة يمكن أن تقتل كما يقتل السيف دون أن ينتقل صاحبها من مكانه وهم يؤمنون بالقسم.

ورأيت هناك أساليب متبعة فى القسم مثل أن يلعق الرجل مطرقة الحداد وهو يقسم قائلا: لامت وأتحطم بهذه المطرقة إذا كنت أحنث فى قسمى. وساحر الدنكا يدعى أحيانا أنه يستطيع أن يؤخر غروب الشمس وهو فى سبيله إلى ذلك يجمع روث الفيل ويضعه بين الأعشاب فى اتجاه الغرب كمحاولة لإيقاف الشمس وتأخير دورانها.
وصانع الأمطار شخصية مهمة بين الدنكا وهو فى مقام شخصية الملك ويجب ألا يموت موتا طبيعيا حتى لا تحل لعنة الشيخوخة بالقبيلة، وهو حينما يستشعر دنو أجله يطلب أن تحفر له حفرة عميقة ينام فيها على عنجريب من جلد بقرة وحوله المقربون من ذريته وأصحابه ويظل بلا طعام ٢٤ ساعة حتى يفتر تماما فيهيل عليه أصحابه التراب حتى يختنق فيبادرون إلى دفنه، وفى العادة يدفنون معه ثورا أو بقرة ويصبون اللبن على قبره.

وطقوس المطر تبدأ فى نهاية الجفاف من كل عام، وأحيانا يرفض صانع الأمطار القيام بالطقوس ويعتكف فى كوخه، فيقوم كاهن آخر أقل منه مرتبة بالإشراف على الطقوس ويأخذ كوبا مثقوبا مملوءا بالماء ويعلقه على باب الكوخ ثم يدخل وهو يغمغم: يا إلهى، هأنذا أحتمى من المطر فى داخل كوخى، يا له من مطر غزير.
ويحدث فى حالات كثيرة أن تصدق السماء على كلامه فتمطر وكل طائفة من طوائف الدنكا لها حيوان تقدسه وتحرم صيده «طوطم» وتعتبر نفسها منحدرة من سلالته وأحيانا تقدس نباتا أو ظاهرة طبيعية: «الأسد.. الثعبان.. الفيل.. الضبع.. البوم.. التمساح.. الثعلب.. النار.. السحاب.. النهر.. القوقع.. النخيل.. البلح»، وأشجار البامبو كلها طواطم دنكاوية، والدنكاوى الذى يقدس الثعبان حينما يلتقى بثعبان من الفصيلة التى يقدسها يرش على ظهره التراب ليطيب خاطره ولا يتعرض له بسوء، والدنكاوى الذى يقدس الأسد يذبح خروفا ويبعثر لحمه فى الغابة ليأكل الأسد، والدنكاوى الذى يقدس الضبع يقدم الطعام للضباع كما يقدمه لأولاده، وإذا قطع رجل الشجرة التى يقدسها فإنه يموت، وإذا أحرق خشبها فإن دخانها يعمى عينيه،

وهناك حكايات خرافية تُروى عن هذه الطوطمية، فالدنكاوية الذين يعيشون فى خور إدار يحكون عن «اليك» الجميلة التى خرجت من زبد النهر، وكيف أن القرويين الذين عثروا عليها أخذوها فرحين إلى القرية وهناك تبخرت «اليك» وتحولت إلى ماء عند أول لمسة من يد رجل، وحينما ذبح القرويون الذبائح وقدموا القرابين متوسلين إلى الجميلة «اليك» أن تعود سالت مياه «اليك» العطرية وعادت إلى النهر، ومن يومها والقبيلة الدنكاوية تلقى فى النهر بقرة حية مع عجلها الصغير فى موسم المطر قربانا للجميلة «اليك».

وفى قبيلة فاكور يحكون عن «فاكور» الذى خرج من الصغر وكان يحلب العنزات ويشرب كل ما فى ضرعاتها من لبن حتى قبض عليه البطل «أيويل» وحاول «فاكور» الخلاص من قبضة «أيويل» فلم يستطع فتحول إلى سيد قشطة ثم إلى عصفور ثم إلى غزال، ولكن البطل «أيويل» ظل ممسكا به وانفجرت الصخرة التى خرج منها «فاكور» وكان لها دوى هائل، وقدم القرويون بقرة قربانا للصخرة لإرضائها فابتلعتها الصخرة ونزل المطر مدرارا وابتسمت السماء وقبلت ما قدمه القرويون من قرابين، ومازالت السماء إلى الآن تسقط على الأرض هذه الصخور ولكنها الآن لا تزيد على حصوات صغيرة.

وبعض القبائل يعبدون الشهب والنيازك التى تتساقط على الأرض ويقدسونها كالطواطم، والدنكا يطلقون على أبنائهم أسماء حسب المناسبات فيسمى الواحد منهم ابنه «ألوت» أى رطب وبارد لأن ميلاده كان فى موسم الأمطار، أو «أديو» أى الباكى لأن ميلاده صادف حدوث وفاة فى العائلة، أو «كوينير» الذى لا يعرف خاله لأنه ولد فى أثناء خلاف بين أبيه وخاله، وأسماء أخرى مثل الكل يصلى لأن ميلاده حدث بعد فترة طويلة من العقم وبعد أن اشتركت القرية كلها فى الصلاة من أجل ميلاد ابن، وبعض الأسماء تكون أسماء أجداد أو أقرباء أعزاء أو حيوانات مقدسة، كما أنهم يطلقون الأسماء على مواشيهم ويعرفون كل بقرة باسمها.

وعلاقة الدنكاوى بثوره وبقرته أكثر من علاقة إنسان بحيوان، فهو يغنى لها ويحنو عليها ويناديها باسمها ويناجيها فى خلوته ويبلغ من حبه لها أنه يؤثر موت أولاده فى موسم الجفاف جوعا على أن يذبح لهم بقرة من بقراته، وهو يفضل خلفة البنات لأن العرسان يمهرونهن أبقارا، وعادة شج الجبهة ونزع الأسنان الأربع فى الفك الأسفل متبعة فى الدنكا كما فى الشيلوك، ولا يعتبر الدنكاوى رجلا إلا بعد أن تُشج جبهته وتنزع أسنانه، والنساء يسرن حليقات الرؤوس، والرجال يصففون شعورهم ويدهنونها بالصمغ وبول البقر، والموتى يُدفنون وفقا لطقوس وتقاليد خاصة، فالميت يوضع على جنبه الأيمن ويده اليمنى تحت صدغه، وذراعاه وساقاه مثناة مثل الجنين فى بطن أمه، وتحفر له حفرة على باب الكوخ من الجهة اليمنى يدارى فيها ويغطى بجلد بقرة ثم يهال عليه التراب،

ويبقى أقاربه حول الحفرة أربعة أو خمسة أيام نائمين فى العراء، وتحثو النسوة التراب على وجوههن ويندبن، ويذبح ثور ويقدم لروح الميت لترضيته حتى لا يأخذ معه بقية العائلة، وتبنى بالقرب من الحفرة طابية من الطين يرشق فيها ضرنا الضحية وتوضع فى وسطها عصا يتدلى منها حبل البهيمة، إشارة إلى أن القربان تم تقديمه، ويمتنع أهل الميت خمسة أيام عن شرب اللبن، وتطلق النساء شعورهن ولا يحلقنها طوال هذه المدة.
وبعد أن أنهى مرحلة أردنا أن نسأله السؤال الأهم: هل اكتفيت؟ وتكون الإجابة: بالطبع لا، ولو فعلت مثل ما فعلت مائة مرة.. لو حصلت على عمر آخر وخيرونى بين أشياء عديدة فعلتها لاخترت السفر.. الترحال.. إنها كفيلة بأن تزرع بداخلك أى شىء آخر، فالسفر سيعلمك التاريخ، ويعلمك الفن، ويعلمك التجارة واللغات والتعمق فى الدين.

أما الجديد الذى فاجأنا به فيلسوفنا الأكبر مصطفى محمود فى الكلام عنه، فهو الدخول مرة أخرى فى معترك السياسة وآراؤه فيما مرت به مصر فى العصر الذى مرّ به، وهو الذى مرّ بالملكية، وخاصمته الناصرية، وتزوج العصر الساداتى، وما سر السيارة السوداء التى حملت أرقاماً سوداء برقم ( ١)، التى كانت تحمله كل يوم جمعة من كل أسبوع إلى مكان مجهول؟ وهل كان يحتل منصب المستشار السرى للرئيس السادات؟ ولماذا رفض منصب الوزير الذى عرضه عليه؟

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin


عدد المساهمات : 672
النشاط : 1661
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: مذكرات دكتور مصطفى محمود .. الجزء الخامس عشر..أنا والسادات    الخميس ديسمبر 19, 2013 11:03 pm


 للسادات.. أتمنى - بصفة شخصية - أن أضيع عمرى فيما يعلى من صورة الإسلام الصحيح.
■ الإسلام أكبر من السؤال عن طول الجلباب واللحية والسواك سُنة ولا لأ.
■ ليست القضية أن نعرف من صنع الجماعات الإسلامية.. فنحن نرى فصائل الجماعات تقف وتهزم وتحرج أعتى قوة فى العالم .
■ هل من يساعد فى نهضة الجماعات الإسلامية محب للإسلام.. أم يفعل ذلك لمصالح خاصة؟!
■ إذا قامت الجماعات الإسلامية بإنهاء تلك المصالح ستساعد فى تحضير عفريت كبير.
■ هى الجماعات دى مين بالضبط «إخوان ولا جهاد ولا سلف ولا قطبيين.. ولا إيه».

مصطفى محمود

«كان السادات يغمض عينيه فيرى المستقبل.. ونحن نفتح عيوننا ولكن نرى الماضى» المشكلة الحقيقية التى واجهت فيلسوف الشرق - الدكتور مصطفى محمود - كانت طبيعة علاقته بالسلطة - فكما ذكرنا فى الحلقة السابقة.. كيف انتاب الدكتور مصطفى محمود الارتياب بعد الحفاوة التى وجدها فى استقبال محمد أنور السادات له بعد احتلاله منصب الرجل الثانى فى الدولة كنائب للرئيس جمال عبدالناصر.. وخطر على باله السؤال الأهم فى هذه اللحظة.. كيف ستكون طبيعة العلاقة بينه وبين السلطة التى أذاقته الكثير خلال الخمسة عشر عاماً السابقة.. وهنا يمكن أن نطرح السؤال هل سعى مصطفى محمود إلى السلطة؟

والإجابة بالفعل لم يسع إليها بل سعى السادات للوصول إلى عقلية مصطفى محمود بعد أن اكتشف الاثنان فى بعضهما ألفة، ووجد كل منهما عند الآخر متنفساً، لذا فقد جاهد الدكتور مصطفى محمود لفض أى ارتباط بينه وبين السلطة.. رفض بلباقة أى منصب يقترب منه وصده بشياكة متعللا للسادات - بعد أن أصبح رئيسا للجمهورية - بأنه ليس بقادر على منصب وزير أو أى منصب آخر، وهو الذى فشل فى إدارة أصغر وحدات المجتمع - أسرته - وقال بالحرف (كيف سأقف أمام الله وأتحمل حسابه على المهمة والسلطة الملقاة على)!!
أما عن أهم النقاط التى ركز فيها الدكتور مصطفى محمود وهو يسرد ذكرياته مع السادات فهى الحرية التى تفتحت أمامه.. ككاتب.. وأمام الكثير من الكتاب الآخرين وهنا يقول المفكر الكبير مصطفى محمود.. الحقيقة تقال.. عصر الرئيس السادات كان عصراً مزدهراً للمثقف والكاتب.. فكان للمثقفين والكتاب والمفكرين مساحة غير متوقعة من الحرية فى التعبير عن آرائهم المختلفة وهم الذين عانوا كثيرا من قبل..

ووصل الأمر بالبعض إلى الهجرة وارتضاء حياة الهجرة طوعا أو نفيا.. عادت الحرية للكاتب وعاد هؤلاء المشردون فى الخارج وخرج المعذبون من المعتقلات بعد أن ألقى الرئيس السادات خطابه الشهير بأن يمارس الجميع عمله فى حرية تامة وأن يسارع كل الكتاب المشردين فى شوارع باريس والدول الأوروبية بالعودة إلى الوطن وذلك بعد قيامه بهدم المعتقلات والسجون التى قال عنها إنه أكثر شخص يحتقر هذه الأماكن ويعرف عواقبها وأضرارها لأنه مازال يعانى من أمراض بالمعدة بسبب سوء الأطعمة التى كان يتناولها أيام اعتقاله المتكرر قبل الثورة أثناء اشتغاله بالعمل السياسى واتهامه فى قضية التخابر مع الألمان وقضية اغتيال أمين عثمان وغيرها..

وبينما كان الجميع يتناقش حول العهد الجديد واختلافه عن العهد السابق.. فى مناقشات لا تضيف.. كنت أنا أستمتع بالعهد الجديد على طريقة عهد السادات بالتأكيد.. فقد أخرجت كل ما دونته وكتبته ولم ير النور بسبب ظروف هذا العهد السابق.. وبدأت مرحلة الاستمتاع - ولأول مرة تذوقت طعم الحرية - وأعطيت هذه المسرحيات والكتب لتنشر أولاً - كالعادة - مسلسلة فى مجلة صباح الخير إبان فترة رئاسة الأخ الكبير عبدالرحمن الشرقاوى..

وأتذكر أننى تعرضت لموجة من اعتراضات صلاح حافظ وزملائه على نشر هذه المسرحيات فذهبت فورا إلى صديقى الدكتور عبدالقادر حاتم وزير الإعلام فى هذه الفترة وصارحته بالأمر فقال لى سوف أتصل بالرئيس السادات فقلت له لا نريد أن نزعجه، فقال لى سيغضب جدا إذا لم أبلغه بمشكلة تعوقك أنت بالذات، فهو يكن لك معزة خاصة جدا ودائما يردد هذا أمامنا فى مجلس الوزراء عندما تأتى سيرتك.. وعندما أعرضت أنا عن الاتصال.. قام الدكتور عبدالقادر هو بالاتصال بالرئيس السادات وكان وقتها يستجم فى استراحة القناطر وفور أن أبلغه عبدالقادر أبدى استياءه الشديد وقال بالنص (كل كتب وروايات مصطفى محمود وأعماله الأدبية تنشر فورا بصورة لائقة ومسلسلة فى صباح الخير)..

وبالطبع غمرتنى السعادة لعدالة وإنصاف هذا الرجل لى، واتصل عبدالقادر حاتم بعبدالرحمن الشرقاوى وأبلغه بأوامر الرئيس، ولكن يبدو أن عبدالرحمن الشرقاوى ظن أن هذا الكلام غير حقيقي، فلم يهتم بالمسرحيات فأبلغت عبدالقادر مرة ثانية لأننى كنت حريصاً أن تخرج أعمالى إلى النور فما كان منه إلا أنه -على الفور- حدد موعدا للشرقاوى فى مكتبه بجريدة الأهرام لمقابلته وبمجرد أن شاهدنى الشرقاوى فى مكتب عبدالقادر حاتم بالأهرام، أخذنى بالأحضان وقال لى رواياتك تحفة رائعة، وأنا سوف أنشرها داخل العدد القادم لمجلة صباح الخير..

وبعد يومين وكان اليوم بالتحديد الخميس ليلا.. وجدت اتصالاً من الرئيس السادات يسألنى ماذا لو صلينا غدا الجمعة معا.. ورحبت طبعا وأنا تغمرنى السعادة لبساطة هذا الرجل وفى العاشرة وجدت سائقه على بابى يسألنى هل استعددت.. كانت السيارة الخاصة بالرئيس.. السيارة الأولى فى الدولة.. وقد اندهش ابنى أدهم من هذا الوضع وحاول أن يسألنى عن هذا الوضع الغريب الذى لم يتعود أن يراه، ولكن كان من الصعب على أن أقول له إن هذه سيارة الرئيس السادات الخاصة.. تحملنى إليه لنتشاور فى قضايا تخص الدولة والشعب، فقد كان صغيرا.. وهذه سيارة الرجل الأول!! ولكنه عرف كل شىء بعد ذلك.

وذهبت متوقعا أن أقابل الرئيس فى قصره لكنى فوجئت بالسيارة تشق طريقها إلى بلدة السادات الأصلية بمحافظة المنوفية - ميت أبوالكوم - وصليت معه والحضور وسألنى عن أحوالى، ودخلنا على مائدة الغداء.. وضحك من نظامى الغذائى الحذر من أى طعام ثقيل على المعدة وسألنى بغتة.. إيه رأيك فى الجماعات الإسلامية يا دكتور؟؟ وايه رأيك فى الشغل اللى عاملينه فى الجامعات والمساجد؟؟
الإجابة كانت على لسانى.. أنا دائما لا تقف أمامى أسئلة من هذا النوع.. يكفى أن قضيت أربعين عاما من عمرى أفكر فى القضية التى أسأل عنها اليوم.. ولكن هل تكفى أربعون عاما للإجابة عن سؤال الحاكم الذى يصدر القرارات.. وصمت قليلا.. واحترم هو صمتى.. وأجبت بصوت منخفض ارتفع تدريجيا.. «الموضوع أكبر من السؤال اللى حضرتك بتسأله.. بمعنى.. الجماعات دى بتاعت مين.. يعنى هى صناعة إيه.. وحضرتك خير اللى عارفين إن احنا مابنصنعشى حاجه.. السؤال ده المفروض حضرتك تقسمه لعدة أسئلة.. أولها.. مين صنعها؟؟

مين صنع الجماعات دى.. حضرتك بتشوف فصائل الجماعات بتقف وتهزم وتحرج أعتى قوة فى العالم - يقصد أفغانستان القديمة أمام الاتحاد السوفيتى قبل سقوطه - واللى بيساعد فى قومة الجماعات الإسلامية دى عشان هو بيحب الإسلام.. ولا عشان مصالحه.. وإذا قامت الجماعات الإسلامية بإنهاء مصالحه وتنفيذ أجندته من غير ما يدرى هايكون حضر عفريت كبير..

والسؤال التانى الفصايل اللى عندنا فى مصر من أى الأنواع هل هو مصنوع أم منشق.. يعنى فى الأول والآخر هل هو بينه وبين الغرب أجندة أم لا.. وبعدين الجماعات اللى عندنا فى مصر دى مختلفة قوى ياريس.. يعنى يجبرونا نسأل سؤال تالت مهم قوى.. هى الجماعات دى مين؟؟.. إخوان ولا جهاد ولا سلف ولا قطبيين.. ولا.. ولا.. «وقلت له.. بصفة شخصية «يا ريس أنا أتمنى أى حاجه تخص الإسلام نجمها يعلى يعنى بصورة أوضح هو ده اللى المفروض أضيع عمرى عشانه بس هى المشكلة يا ريس إن احنا نتفق معاهم على معنى للإسلام..
وبعدين الإسلام مش هو اللحية وطولها إيه والسواك قبل الصلاة سُنة ولا طول الجلباب.. والبدل دى كفر ولا لازم الجلباب.. مش هو ده الإسلام اللى نساعد على نشره يا ريس.. الإسلام اللى نشيله فوق اكتافنا.. هو الإسلام الداخلى.. هو كرامة المسلمين.. ماينفعشى ياريس العالم كله قاعد يحتفى بالطيار اللى عطل رحلته ونزل من السماء عشان ينقذ قطة كانت مزنوقة فى المحرك.. واحنا المسلمين الملايين بيموتوا من الجوع والفقر كل يوم.. ويقوموا يطلعوا خنجر فى ضهرنا اسمه الجماعات الإسلامية»!!

اندهشنا.. واستمعنا فى ذهول لهذا الحوار التاريخى.. مصطفى محمود لخص مشكلة الإسلام والمسلمين وعلاقتهم بنا وعلاقة الغرب بالجماعات واختلاف الجماعات فى سبع دقائق.. لخص ما شغل كتاباً وصحفيين وساسة دول العالم الغربى والشرقى فى دقائق.. هل قلت هذا للرئيس السادات؟ نعم.. ولم يقاطعنى أو يشرد أو يضحك مع انفعالى.. فقط استمع.. واستمع بدون أن يقاطعنى.. أنا لم أنقل لكم الحوار بكل تفاصيله.. وكان هذا الموضوع هو الجرح الذى أثارنى.. حيث يتعلق بالإسلام والإسلام الجديد والمسلمين الجدد.. وأين إسلام الأزهر من كل هذه الجماعات.. وحال المسلمين وسط كل هذه الأحداث .
الحقيقة أننى عندما توطدت الصلة بيننا أحببته.. أحببت السادات.. وأحببته أكثر لأننى وجدت فيه مصرية خالصة فكان يحب أن يعيش حياته ويحب أن يعيش غيره حياة أفضل لم يكن متشوقا لهدم الشخصيات الكبيرة أو حاقداً وناقماً على الأغنياء مثل من سبقوه فى حكم مصر سواء من الملوك أو الرؤساء ولكن أخطأ الجميع فى فهم شخصيته سواء فى الداخل أو فى الخارج.. ومن هذا اليوم وهناك قانون شهرى أصدرناه فيما بيننا أن نتقابل صباح أحد الجمع من كل شهر.. السيارة السوداء التى تخص الرجل الأول فى مصر تعبر تأخذنى فى الموعد.. لأصلى معه ونأخذ يومنا معا يسألنى فى شىء وأرد عليه.. لا أحب كثيرا أن أتدخل فى سياسته..

ولكنى ألقى عليه بعض الاستفسارات التى تلح على مثل وضع مصر قبل الحرب وحالها بعد الحرب.. وما هو دور الولايات المتحدة فى الأمور بالضبط.. وكيف سيرد على العرب الذين يتهمونه بالخيانة.. وكيف سيداوى جراحنا مع سوريا.. وهل بالفعل يعتمد على السوفيت فى كل شىء كما فعل عبدالناصر.. وما هى الحلول التى يطرحها للأزمات الداخلية خاصة أن الجميع يحاولون التشكيك فى قدراته.. وأحيانا كنت آخذ بعض العبارات من على لسانه، وأضعها فى مؤلفاتى.. لقد كان السادات يمتلك صدراً رحباً، فيسمع النقد أو الرأى الآخر ويدرسه إلى أن يصل إلى القرار..
وذات مرة سألنى باهتمام شديد عن رأيى فى أحد الحوارات التى كان يصرح بها لمجلة مايو.. بصفة دورية.. وسألنى عن رأيى فى أحد الحوارات التى أدلى بها لجريدة قومية.. وفى الحقيقة كانت قد انتابتنى الدهشة فى هذا الأسبوع بالذات لأن الرئيس السادات كان قد أعطى ثقة عمياء لبعض الزملاء من الصحفيين.. إلا أن هؤلاء الصحفيين يبدو أن لهم رأيا آخر.. فقد شاهدت شيئا مخيفاً..

فى تلك الأيام كان الرئيس ينشر يوميات مصورة له منذ صباحه حتى منامه ويظهر وهو يحلق ذقنه ثم وهو يمدد قدميه على مخدة ريش نعام.. فى بهو منزله - وقت القيلولة - وفى نفس الوقت كانت هذه نفس مرحلة انتشار العشوائيات وظهور مظاهر جديدة على الشعب المصرى مثل سكان القبور وطوابير الجمعية وظهور أثرياء بثروات فاحشة، نتج عنهم بالتالى فقراء معدمون..

أما الشىء المخيف الذى شاهدته فهو أن السادة الذين وثق بهم رئيس الدولة قد قاموا بنشر صور الرئيس فى الصفحة الثالثة بعد أن أقنعوه أنها تأريخ لتفاصيل حياته الإلهية، التى يحتاجها الشعب المصرى. ونشروا فى الصفحة المقابلة سلسلة تحقيقات عن سكان القبور وعن الفقراء والفئة المعدومة التى ظهرت حديثا.. وبعد انتهاء حلقات صور الرئيس.. ملأوا نفس الصفحة بأخبار أبناء الرئيس وبنات الرئيس وحفلاتهم وزواجهم وأعياد ميلادهم ونزهاتهم وتفوقهم .. إلخ.

وهنا يمكن أن أقول إن من هؤلاء الزملاء الذين وضع فيهم السادات ثقته من لم يكونوا محل ثقة، وحاولوا أن يشوهوا صورته أمام شعبه وصارحته برأيى وما كان منه إلا أن أوقف هذه السلسلة من التحقيقات، ولكن بعد أن كانت اكتملت وعملت مفعولها.. وها أنتم ترون النتيجة التى بثها مثل هؤلاء فى ضعاف النفوس من الفقراء.. لتكون النتيجة الهائلة.. حادث المنصة

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin


عدد المساهمات : 672
النشاط : 1661
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: مذكرات دكتور مصطفى محمود .. الجزء السادس عشر...قول أخير فى السادات    الخميس ديسمبر 19, 2013 11:21 pm


ما يتعلق الأمر بما يسمى الأمن القومى يجب أن نعطى العيش لخبازه.
■ استطاع السادات- للأسف- تكوين أمن قومى خارجى، وفى سبيل ذلك أهدر مساحة كبيرة من الأمن الداخلى.
■ كان يتمنى أن يشعر بالأمان بعد أربعين سنة مؤامرات.
■ آمن بأن الجيش وطلبة الجامعة أبناؤه.
■ مارس السياسة طالبا وعسكريا وثورجيا ورئيسا ولاعب الجميع على الحبال.
■ لاعب إسرائيل على الحبال وجابها «أكتاف» واستطاع أن يخدعهم.
■ عرف العالم من خلاله مكانة مصر .

مشكلة قابلتنا معه.. يمتلك ملايين الأفكار.. بحار علم.. طوابير ذكريات.. ومع ذلك خجول إلى أبعد الحدود.. خجول فى التحدث عن نفسه خصوصا فى الفترة التى جمعته فيها صداقة بالرئيس السادات والتى قال عنها الجميع إنها العصر الذهبى لمصطفى محمود.. وهما من أكثر الشخصيات التى أثارت الجدل فى مصر الحديثة.. مصطفى محمود بأفكاره العلمية الدينية وشطحاته المعرفية الأدبية، والرئيس السادات بشطحاته السياسية العسكرية.. الدكتور مصطفى محمود يقول كلمة الحق فى وجه الشخص وفى حضوره لا يتوارى خلف جدار أو ستار.. رغم كل ما سببه ذلك له من معاناة لسنوات.. ولكنه يرى أن التاريخ يكتب دون صدق.. الجميع ينسب لنفسه الفضل.. ويقول عن أهواء.. وأهداف خاصة.. الكل يرى نفسه الصانع الحقيقى..

لذلك لم يرغب كثيرا فى التحدث عن السياسة التى عاصرها وأثر فيها.. تكلم عن السياسة عندما كان مستهدفاً.. لكنه لا يرغب فى التحدث عن السياسة بعد أن تبوأ مكانة مرموقة فى المجتمع وجمع ألقاباً عدة مثل: رجل العلم والإيمان وفيلسوف الشرق.. لم يرد أن يذكر مثلا فى الحديث أن رؤساء الدول العربية ناشدوه أن يقطن عندهم ويعلم أبناءهم وشعوبهم.. بل يعلم علماءهم!! لم يرد أن يذكر الكم الهائل من الإغراءات التى لاحقته بأن تقام له برامج ودور نشر ويحصل على ملايين من العملات المختلفة، وذلك منذ أكثر من ثلاثين عاما.

.. وأراد أن ينهى الكلام عن السادات وعلاقتهما الشهيرة فقال: لا تأخذوا عنى رأيى فيه لأنى أخبرتكم المرة السابقة بأنى أحببته بحق.. ومثلما رفضت الرئيس السابق أيدته وأعلنتها.. رأيى سيكون منحازاً بالكامل.. هل تعلمون أنى فى ثورة التصحيح كتبت أنها خطوة لا تخرج إلا من شخصية مثل السادات؟.. فمن كان سيتعامل مع إضراب مراكز القوى بمثل هذا الدهاء؟!..

دهاء السياسى المحنك.. ثورة التصحيح خطواته فيها مثلها مثل خطواته التى وصل بها للحكم بالضبط.. وأنا أخبرتكم عنها بالتفصيل، وكيف أن السادات، وهو أشهر رجال الثورة قبل حركة يوليو، وجد أن الصراعات الداخلية بين رجالها قد وصلت لذروتها حتى إنها فرقت بين أعظم صديقين بينهم ناصر وعامر.. وكيف أخذ حقه بالابتعاد عن ميدان الصراعات تماما.. فقد رأى أن المباراة مكتفية العدد، والنتيجة الحتمية لكل من شارك فيها هى الخسارة.. الخسارة التى ستلحق أيضا بالحكم والمشاهدين..

وتوصل إلى أن الحل والموقف الأمثل هو عدم الخوض فيها والعمل بجد على تدعيم الثورة وتحقيق أهدافها بقدر استطاعته وهو فى منصبه- والذى لم يسع لأعلى منه- وفى جريدة «الجمهورية» على طول الخط، فكان غريباً جدا أن يحصل كل أعضاء مجلس قيادة الثورة وغير القياديين من ضباط الثورة على المناصب الرفيعة والقيادية والسياسية فى الدولة ويرتضى السادات منصبه المهمش فى جريدة الجمهورية، رغم كل ما كان يؤكده عبدالناصر من أنه منصب مهم وخطير، فـ«الجمهورية» هى لسان حال الثورة والمعبرة عنها، ومن يديرها يحتل منصباً خطيراً،
ولكن كان السادات يملك ذكاء يؤهله للخضوع للأوامر التى كان يريدها عبدالناصر يعرف بالضبط بعد أن تخلص من أعدائه من «الأسرة العلوية والإنجليز» من أعدائه الجدد الذين أغرتهم السلطة وأسرهم حب القيادة.. ففطن السادات إلى قواعد اللعبة الجديدة التى يطرحها ناصر ووافق على أن يخوضها بذكاء وليس بغباء مثلما فعل الآخرون، وكان تعبيره عن الرضا بإدارة جريدة الجمهورية هو ما أثار إعجاب عبدالناصر..

وكان كل يوم يزداد إعجابه بولاء السادات وخضوعه «الذى يفهم اللعبة كما قلت» فأراد أن يكافئه فاختاره ليكون الرجل الثانى فى الدولة فى وقت كان عبدالناصر أطاح بكل من حوله من المعارضين لسياسته الفردية وكانت سياسة السادات هى نفسها ما سعى إليها مع مراكز القوى التى ظنت أنها فى عهد عبدالناصر كانت مراكز قوى.. وستظل فى عصر السادات كذلك، ولكن اتضح لهم أنهم فى عهد السادات مراكز توحش، فمارس معهم نفس سياسته ونجح فعلا فيما أراد وتحقق مراده.. وأنتم تعرفون الباقى..

وعندما كتبت أنها خطوة لا تخرج إلا من رجل كالسادات قرأها وفى أول اتصال بيننا بعد هذا المقال أيدته على هذه الخطوة، وعلى قبوله لهذه الاستقالات الجماعية.. بالمناسبة أنا لم أعتد الكلام معه فى تفاصيل قراراته.. أحيانا كانت هناك تساؤلات تلح علىّ ولا أريد أن أشغله بتفاصيلها.. «يغوص مصطفى محمود فى موجة من الضحك»
ويقول: لأننا أحيانا كان يشغل جزءاً كبيراً من جلساتنا الكلام فى الأمور الصوفية والأضرحة وكيف يعمل على تطوير ضريح السيد البدوى بطنطا وهو مشغول بأمور عسكرية وسياسية على الصعيدين المحلى والدولى، وكان يفاجئنى بثقافته الكبيرة والواسعة فى مجال قراءته لكبار الصوفية مثل ابن عربى والحلاج وعفيف الدين التلمسانى والإمام الغزالى وكيف أن مناجاة الإمام النفرى لربه كانت تؤثر فيه حين يقرؤها.

ولأنه يختلف عمن سبقوه سواء الملوك أو الرؤساء فأحيانا كان يلح على «السادات» خاطر أن يخرج بسيارته دون موكب وهو ما كان يعترضه طاقم حراسته.. فكان يحتال عليهم ويخرج بسيارة صغيرة مصرية الصنع.. وكان يحب أن يجلس على «مقاهى» على الأطراف بحيث لا يعرفه أحد، وأذكر هنا موقفاً حدث لنا فى قريته بميت أبوالكوم،
ولأنه لا يذهب إلى أى مكان إلا بحراسة مشددة فإنه ذات يوم ارتدى الجلباب البلدى وأمسك بعصاه، وخرجنا نتجول بعد صلاة العشاء بأحد الحقول المجاورة للمنزل، فأخذنا الحديث أثناء السير ولم ننتبه إلا ونحن على مسافة حوالى ساعة ونصف الساعة من البيت وما كان منه إلا أنه عاد فى نفس الطريق مشياً على الأقدام،
وما إن اقتربنا من المنزل حتى تنبه أحد «الغفر» بأن هناك خطوات أقدام تقترب من البيت داخل الحقل من الخلف وكان الظلام دامساً، فقام برفع السلاح وهرول إلى مكان الصوت ورفّعه وقال له: قول إنتا مين يا إما هطخك بالنار، فضحك الرئيس السادات فردد «الغفير» ما قاله مرة ثانية فقال له الرئيس السادات «أنا محمد أنور السادات» فارتبك الغفير وارتمى يقبل يده حتى يسامحه، فضحك الرئيس السادات بشدة وهو يمنعه من أن يفعل ذلك وهدّأ من روعه وكافأه على ذلك.

وتنهد مصطفى محمود تنهيدة طويلة وقال: لأن السادات كان يقدر الفكر فأراد أن أنشر كتاب «الله والإنسان» مرة أخرى.. وقال لى بضحك «ماتخافش مش هاكفرك.. وهاوصى المشايخ عليك».. ولكنى كنت فى ذلك الوقت قد غيرت بعض أفكاره.. فرفضت وقمت بنشر كتابى (حوار مع صديقى الملحد).. أحيانا كان يتناقش معى فى كتاباتى- كان يوفر من وقته أى جزء من يومه ليقرأ وأحيانا يكتب- ولكن أعظم حدث فى حياتى ارتبط السادات به هو برنامج «العلم والإيمان»..
كان مولد البرنامج بتشجيع منه، خططت لمشروعى الكبير وأزهقت فى التخطيط له آلاف الساعات وأردت أن أبدأه.. كان السادات يزهو كثيرا بلقب رئيس دولة العلم والإيمان- الذى أطلقته عليه- فأراد أن يكون هناك شاهد حى على دولته وعصره.. وكانت للبرنامج الذى التفت حوله الأسر العربية جميعا طوال أربعين عاما، قصة ملحمية نرويها فى الحلقات التالية.
لم نكن نرضى أن نأخذ شهادة فيلسوف الشرق، الدكتور مصطفى محمود عن عصر السادات- صديقه المقرب- دون أن نسأله عن عدة نقاط لم يفسرها التاريخ وظلت مبهمة.. سألناه عن الشيخ الذهبى.. فقال: فى بداية إنشائى مسجد وجمعية محمود الخيرية الإسلامية كنت أدعو بعض المشايخ ليخطبوا فى المسجد.. كانت شوارع ميدان مصطفى محمود فارغة فى البداية، وكان المسجد يمتلئ ويصلى الناس أمام فى تجمع هائل.. أحيانا كان الخطيب من أمثال الراحل الشيخ كشك، الذى دعوته أيضا لإلقاء خطبة فى المسجد لمرة واحدة فقط.. وهو ما كان يدفع الأمن إلى محاصرة المسجد- كالعادة- وفى أحيان كثيرة كان الخطيب الشيخ الذهبى، وزير الأوقاف، واغتيل الشيخ الذهبى..

وكانت صاعقة لاجتماع كل الجهات عليه، بين يوم وليلة ذهب الذهبى- رحمه الله- وهو ما دفعنى إلى التساؤل كثيرا.. من قتله؟؟ واكتشفت أنى لست وحدى من يبحث عن إجابة.. وانتظرت طويلا حتى حانت الفرصة لأسأل الرئيس: ما حل اللغز؟.. وما صدق الروايات التى قيلت على لسان ابنته أن من اختطفوه كانوا من أمن الدولة؟..
وانتظرت متسائلاً فى نفسى: ألا يرغب رئيس الدولة فى اختراق الموضوع؟ لكنه قال بحزم: يا مصطفى الشيخ الذهبى كان راجل الدولة.. وكان شيخ الناس.. «أنا كنت باحبه يا مصطفى.. أقولك على حاجة.. إنت عارف أنا ليه ما عدتش بحب العيال بتوع الجماعات دول.. عشان هما قتلوا الشيخ الذهبى- الله يرحمه».

وسألناه أيضا عن موقفه من معاهدة السلام مع إسرائيل.. فأطرق برأسه إلى الأرض وصمت.. صمت كثيراً.. واحترمنا صمته.. وأخيرا أجاب بجملة واحدة: موقفى تجاه أهل صهيون واضح.. وما قلته للسادات فى ذلك الأمر بالرغم من أن السلام مع إسرائيل خطوة لا يستطيع أحد أن يقدم عليها غيرك وأعلم أن هؤلاء الإسرائيليين لا يوفون بوعد أو عهد ولكن هذه خطوة تحسد عليها ووفقك الله فى نواياك.

وقال أيضا مصطفى محمود وهو يلوح بكلتا يديه: الرئيس السادات شهد عصره أيضا فترة الفتن الطائفية، وحدثت أيامه أحداث الزاوية الحمراء.. وتلاحظون أننى فى هذه الأيام خرجت من هذه الضوضاء.. فلكى تتفرغ للعلم والإيمان سواء كان البرنامج أو الحياة.. ستجد أن تفاصيل الحياة تسقط منك.. الحقيقة تقال هنا أنا كنت مستشار الرئيس الصديق، بمعنى أنى كاتم أسراره..

والجميع أخذ على «السادات» لماذا أجّل مواجهة أئمة وأمراء الجماعات الإسلامية التى نشطت إبان أزمة الزاوية.. ولكنى تعلمت من الرئيس هنا درساً لا ينسى، تعلمت أنه عندما يتعلق الأمر بما يسمى الأمن القومى يجب أن نعطى العيش لخبازه.. والسادات كان داهية- بحق- مارس السياسة طالبا وعسكريا وثورجيا ورئيسا، لعّب الكل على الحبال.. لاعب إسرائيل على الحبال «وجابها أكتاف».. ضحك عليهم وعرف العالم مكانة جزمة مصر على رقبة مين، والولايات المتحدة اللى كانت متأخرة على النظام السابق وبتترسم عليه.. مش هم اللى فتحوا أحضانهم للسادات وخلوه أعظم رجل فى العالم وتصدرت صوره بزى الجنرالات صفحات «التايمز» الأمريكية، ونيكسون قال إن السادات رجل القرن، وجولدا مائير قالت «السادات ثعلب العرب»..

هذا هو السادات.. بيلعب على جميع الجهات اللى فى العالم، ولعب بأسلوبه.. يعنى ضرب.. وعوّر.. واترمى ع الأرض ورفع إيده على عينه وعيّط.. والعالم صعب عليهم السادات وأعطوا لإسرائيل مهلة لغاية ٢٥ أبريل عشان تنسحب من سيناء كلها.. يقوم العيال بتوع الزاوية دول يولعوها.. السادات قالى لو واجهتهم دلوقتى إسرائيل هاتتأكد إن الأمن القومى من الداخل مش موزون وستتراجع عن الانسحاب.. وهو ده اللى أنا كنت خايف منه.
السادات طلع عبقرى أمن قومى.. لكن للأسف أمن قومى خارجى، يعنى عرف يحمى مصر من الخارج، بس عشان يوصل لكده ضحى بمساحة من الأمن الداخى للبلد، وكان يتمنى أن يشعر بالأمان بعد أربعين سنة مؤامرات.. وكان الجيش وطلبة الجامعة أبناءه.. وكان هو كبير البيت أو العيلة زى ماكان بيقول بجد، وزى ما قلنا قبل كده إن السبب فى انهيار صورة السادات كان مجموعة صحفيين من المقربين له.. لأنه لم يكن مركزاً مع الداخل مثل الخارج.

وعن البابا شنودة- صديق الدكتور مصطفى محمود- وخصم الرئيس السادات.. قال البابا شنودة صديق وأخ، والسادات صديقى الأقرب، لكن المشكلة أنى من داخل الأحداث أؤكد أن الاثنين موغور صدرهما بمعنى أن الرئيس كان فى جلسة غداء يوم الجمعة الشهير الذى يقابل فيه بعد صلاة الجمعة فى ميت أبوالكوم طوب الأرض، ولكن كان يغضب بشدة ويثور حينما يسمع اسم البابا شنودة الذى كان بدوره غاضباً بشدة من أخبار كاذبة تصله من مطرانيات الجنوب حول بعض الضغوط على مسيحيين فى الأقاليم فكان الموضوع «عناد مش أكتر»..
على الرغم من أن معظم القضايا التى تظهر تحت مسمى فتنة طائفية بتكون مواضيع صغيرة وبسيطة وممكن هايفة.. ولكن تسيس.. يعنى مثلا بنت مسيحية وقعت فى حب ولد مسلم وأهلهم اكتشفوا هذا الحب يرفضوا هذه العلاقة ويسخنوا الموضوع عشان يمنعوا الحاجات دى تحصل.. وهكذا.

وأراد الطبيب العالم الأديب الفيلسوف مصطفى محمود أن ينهى حديثه عن السادات.. لكننا لم نكن نرضى إلا بالكشف عن شىء جديد فى أحداث المنصة.. وكانت النتيجة مدهشة فعلا.. تكلم بضحك وسخرية وصوت مخنوق أقرب للبكاء.. ضحك لأنه كشف عن شىء جديد كنا أول مرة نسمع عنه هو أن السادات دائم التعرض لمحاولات الاغتيال من قبل حادث المنصة..

فمن المرات المضحكة التى رواها أن الرئيس تعرض لمحاولة اغتيال تورطت فيها دولة عربية عن طريق قناص محترف بواسطة بندقية تليسكوب مقرب، وقد أحبطت هذه العملية القذرة من دولة عربية شقيقة.. المضحك فى الأمر أن هذه العملية كان اسمها (جون كيندى).. وقد جرت محاولة أخرى لاغتيال الرئيس فى أحد المؤتمرات بالنمسا.. ومحاولة غيرها قام بها رجل مخابرات عراقى عن طريق رشوة سائق السادات الخاص، وكلها أحبطت بنجاح الأجهزه الأمنية، لأن الوضع- كما قيل- أن السادات كان «مركِّز قوى» مع الجبهات الخارجية..
بينما كان مطمئناً، شيئا ما، إلى الجبهة الداخلية التى كان يعتبرها مجرد تمرد أبناء على أب حريص دائما على تقديم المصلحة لأبنائه الذين لا يدركون تلك المصلحة ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin


عدد المساهمات : 672
النشاط : 1661
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: مذكرات دكتور مصطفى محمود .. الجزء السابع عشر..حكايتى مع الأعمال الخيرية    الخميس ديسمبر 19, 2013 11:42 pm


لعطاء فى هذه الأيام أصبح جنوناً
■ أفعال الخير والعطاء لوجه الله أصبحت مصيبة تطارد مرتكبيها.
■ أصبحنا نلعن العطاء بين الشرفاء مقابل نظرة رضا من السياسيين والأثرياء.
■ بالفعل لا أحد يستطيع أن ينكر أننا فى زمن التكنولوجيا الصماء أصبحنا أغبياء.
■ نحن نأكل الجوع ونشرب الظمأ وندخر الحقد ونحصد الندم ونموت جهلاً كما ولدنا. نحن لا نعرف من أين وإلى أين لا نعرف كيف ولماذا كنا وكيف أصبحنا أليس هذا هو الجنون؟

زمة كل الحركات الاجتماعية كجماعات والمثقفين المصريين والعرب كأشخاص، أن نضالهم كله يتركز فى شعارات.. عناوين.. البارز فيهم من يحول هذه الشعارات إلى كلمات وكتابات تولد على صفحات الصحف وتموت عليها.. قليلا أو نادرا من يكثف مجهوده ليحوله لعمل واقعى.. من الممكن أن نجد رجل أعمال كرّس وقته ومجهوده هو ومن حوله لصالح البيزنس الخاص به، أو فنانا استطاع توجيه أدائه هو وفرقته ومن يعملون معه لإخراج تحف فنية يحفر بها اسمه على حائط الفن.. لكننا لم نجد أبدا – فى حياتنا على الأقل – من يوجه جهوده من أجلهم.. من أجل فقراء هذا الوطن.. فقراء هذه الأرض.. من أجل اليتامى.. من أجل الفلاحين.. من أجل الغلابة.. لم نر من يفكر فى محاربة الإرهاب بالتعليم.. ويحارب البلطجة بإطعام الفقير وتربيته.. نعم لم نر.. إلا العالم الكبير مصطفى محمود.. وفى هذا الصدد نجده يقول:

منذ النشأة كانت لى أحلامى بخصوص من حولى، عندما نشأت لم أكن من الأثرياء، ولم أكن من الفقراء، كنت من المستورين (الطبقة المتوسطة التى اختفت حاليا).. ولكننى كنت دائم الانشغال بالفقراء.. اقتنعت بأن الفقر والجهل والظروف السيئة هى سبب تأخر أمتنا، بل هى منبع الإرهاب، فإذا أردنا أن نصعد بمعدل نمو دولتنا مثل الدول المحترمة، وإذا أردنا أن نقطع جذور الإرهاب فعلينا بمحاربة أسبابه.. وهذا لن يكون فقط بالتنظير أو بتأليف الكتب أو بالصراخ على المنابر السياسية.. العلاج يكون بأن يبدأ كل واحد بنفسه.. بيده.. لا أقصد هنا ألا ينتظر النظام «بواقى وفضلات» الدول الأخرى المسماة الإعانات لأنك ستكون «بتنادى فى جدار أصم»، بل أقصد ألا تنتظر شيئا أساسا من النظام.. عايز تعمل خير لبلدك وأهلك وأهلها.. الخير بيتنفذ- بقول يتنفذ- مش بيقف عند مجرد النية.. فالحل يكمن فينا وبداخلنا.

أما عن بداية الخطوات العملية عند الدكتور مصطفى محمود فقال:هل تتذكرون الحلم القديم الذى يسرده الناس الطيبون عن أسطورة الرجل الطيب الذى نشأ فى الريف وكان رجلا قويا صاحب عزيمة وطموح ودائما قلبه يرق لضعفاء قريته، فأقام مشروعا وشغل فيه فقراء القرية وكان يحجز جزءاً من أرباح هذا المشروع لينفق على أولاد عماله الفقراء.. ويوفر لهم علاجا وتعليما وملابس.. إذن بعد أن اهتم بتوفير مصدر للرزق يهتم بالتعليم والرعايه الصحية، وهو ما رفع من مستوى هؤلاء الفقراء وزادت احتياجاتهم فأصبحوا يشترون منتجات مصانع الرجل الطيب فراجت سلعته أكثر فدخل القرية المجاورة وأقام فيها فروعا أخرى معتمدا على فقرائها ورافعا إياهم من محنتهم..

وظل هكذا حتى قضى تقريبا على البطالة والفقر فى بلده.. لأنه لم يكن يفكر بالأساس فى جنى الأرباح فقط، بل كان يفكر فى فقراء بلدته، فيكون نتيجة عمله الصادق أن تتسع تجارته وتتعاظم أرباحه، فيقسم هذا الربح بينه وبين الفقراء فى مكان آخر، وهو ما يضاعف من أرباحه مائة مرة.. هذه الأسطورة المتداولة بين البسطاء كثيرا ما شغلتنى منذ الصغر، وكنت أفكر فيها باستمرار وأنقضها أحيانا، ولكننى وجدت نفسى أؤيدها بكل ما أوتيت من قوة.. حتى جاء منتصف السبعينيات.. وفكرت آلاف المرات فى كيفية تحقيق هذه الأسطورة بالفعل.. لكن الحقيقة أننى فكرت بالعقل.. التفكير بالعقل مش بالعواطف لو أردنا أن نحقق شيئا، وصممنا عليه سيتحقق..

هكذا كان حلمى أن أؤسس شيئا عمليا أستطيع من خلاله أن أمد يد العون.. أن أساهم فى حل مشاكل المحتاجين من المحيطين بى.. فى عام ١٩٧٦ بالفعل بدأت تنفيذ الحلم وحصلت من وزارة الأوقاف على ترخيص ببناء مسجد، وحصلت على دعم العديد من الأشخاص والجهات لإتمام بناء المسجد، وبدأت التفكير فى إنشاء مركز خدمى وعلاجى للبسطاء، فكرت أولا فى إنشائه فى أرياف الجيزة، ولكن بعد إقامة المسجد فكرت فى إنشاء المجمع بجوار المسجد..

فى البداية فكرت فى دور الكنيسة الخدمى الذى تقوم به لرعاية شعبها، وقلت فى نفسى لماذا لا يكون دور المسجد له نفس الخصائص، ويعطى لرواده من الفقراء والمحتاجين نفس المزايا.. بالفعل كان الحلم يراودنى، ومعى أخى الكبير مختار، وكان يساندنى معنويا ثلاثة أصدقاء آخرين استطعت أن أجندهم، واقتنعوا بما اقتنعت به من العمل لخدمة الإنسانية المشردة فى الشوارع والحوارى والأزقة.. وعندما وضعنا كل ما نمتلك معاً أكملوا ٥٠٠ جنيه وهو المبلغ الذى لا يسمن ولا يغنى.. ولكنى كنت أعمل عملا لله..

وعندما أعاننى الله قمت بزيادة رأس المال المؤسس إلى ستة آلاف وكان مبلغا كبيرا فى ذلك الوقت.. وهو ما ساعدنى على إنشاء المستشفى بالفعل.. بدأته بعيادة للباطنة، ثم عيادة للرمد ومعمل تحاليل، وهكذا كانت نواة المستشفى عدة عيادات صغيرة، حجم كل عيادة غرفة واحدة.. هل تعلم كم تبلغ القيمة الاسمية لهذه الأصول الآن.. أكثر من ١٥٠ مليون جنيه كلها لله، لا يوجد منها مليم واحد فى حساب خاص..

وفى منتصف الثمانينيات تقريبا كان الصديق الدكتور أحمد عادل نور الدين، وهو الآن من كبار إخصائيى التجميل فى الشرق الأوسط، أنهى رسالته وأصبح مستعدا للعمل الرسمى معنا، فأقمنا معا عيادة لجراحات التجميل للبسطاء، ولكم أن تتخيلوا مدى النجاح الذى حققه ذلك الفرع، وقد وجد الفقراء ما كانوا يتصورونه حكرا على الأغنياء متاحا لهم.. فكم فقيراً يعوقه تشوه ما بينه وبين الحياة الطبيعية، وهذا كان دورنا.. هنا أريد أن أتكلم عن هذه الفترة.. هل هناك ما يميزها؟

نعم هذه كانت أيام البرنامج.. فكنت أتبع نفس أسلوب الأداء والإدارة فى الاثنين.. وكنت أتبع نفس الأسلوب الذى اتبعته فى عملى سواء فى البرنامج أو أى مجال آخر.. كنت وأنا أدور حول العالم فى سفرياتى المتتالية، أبحث عن أحدث الأجهزة وأشتريها وأحضرها معى إلى المستشفى، فمثلا أحضرنا جهاز الأشعة المقطعية عندنا قبل أن يسمع به أحد، وأجهزة الرنين المغناطيسى، وكذلك أجهزة رسم المخ والعضلات، رغم أن الكشف كان ومازال بأرخص الأسعار، وذلك لأن الربح لم يكن الهدف من وراء هذا المشروع بل كان هناك هدف سام- الكشف ظل إلى فترة كبيرة قيمته جنيه واحد والآن بعد أن زادت قيمته لا يتجاوز أعلى كشف ٥ جنيهات.

كانت المشكله التى كثيرا ما تواجهنى هى الأطباء أنفسهم.. كيف أسهل لهم العقبات وهم يحصلون على ربع قيمة الكشف فقط إضافة إلى طموح الغالبية منهم فى تحقيق أهداف شخصية.. وكان هذا دورى.. المشروع فى نشأته يتلخص فى أنه سعى منا إلى تغيير الأوضاع بأى قدر.. أن نمد يد العون للآخر.. فكنت أصطدم بطموح طبيب من الموجودين.. وكان لابد من عدم تقييده بل دفعه لتنفيذ أجندته الخاصة.. لا أخيره بين طموحه الخاص وأهداف المشروع، بل كنت أحتويه وأدعمه فيسير فى أهدافه الخاصة ويعطينى أنا والمشروع كل ما نحتاجه من طاقته وزيادة..

فإذا طلب منى أحد الأطباء جهازاً ظهر حديثا، أحضره معى من أول رحلة لى فى الخارج، وكنت أساعد من يريد أن يكمل رسالة دكتوراه خاصة به.. فأصبح الأطباء يكبرون، مع اتساع شهرة وأعمال المؤسسة، وكنت أناقش كل طبيب على حدة، بالمرور عليه فى مكان عمله أو أطلبه عندى فى الاستراحة حتى نتكلم، وهو ما ساعد معظمهم على أن يصبحوا من كبار الأساتذة ويترقوا.. وها هم جميعا يشغلون مناصب.. مثل عمداء الكليات المختلفة وفى وزارة الصحة خصوصا بعد أن دعمناهم بحضور المؤتمرات العلمية فى الخارج.. إضافة إلى توفير أحدث الأجهزة فى العالم لهم.

وفى هذا السياق يقول الدكتور مصطفى وهو يبتسم لكوميديا الموقف: كانت هناك فجوة زمنية لصالحنا بيننا وبين مستشفيات الدولة فى تقدم الأجهزة والمعامل والنظام المتبع فيما يقارب الخمسين عاما، وكنا أحدث من المستشفيات الخاصة أيضا.. ومع ذلك كنا نعمل بلا ربح أو أهداف شخصية، وهذا كان يدفع أصحاب تلك المستشفيات، التى كان يطلق عليها لقب المستشفيات الاستثمارية، إلى الاتصال بى ويقولون لى «حرام عليك يا دكتور بيتنا هيتخرب» وكنت أضحك من موقفهم، الذى يعد بجاحة لاستغلال الناس ومحاولة لإقناعى بأن أجعل العلاج بأجر يساوى أجورهم الاستثمارية.. لقد أصبح المجمع يستقبل الآن أكثر من ٤٥٠٠ مريض كل يوم، 

ونجرى أكثر من ستين عملية يوميا- ولا قصر العينى- خصوصا بعد أن توسعنا وأقمنا فروعا فى أماكن أخرى.
لكن.. هل مؤسسة مصطفى محمود، التى أطلق عليها الدكتور جمعية ومسجد محمود الخيرية، يتوقف جهودها عند الخدمات الطبية.. الحقيقة أن هذه هى معلوماتنا عن الجمعية، لكننا فوجئنا بعالمنا الأكبر يشير لأدوار أخرى لمؤسسته، التى اتسع نشاطها ويتسع باستمرار فى مجالات مختلفة.. فمن توفير الملابس لعشرات الآلاف من الأسر المصرية، إلى توفير مصدر رزق دائم وثابت لمعدومى الدخل.. بل وتوفير طعام للمنكوبين..

وعندما أبدينا ذهولنا قال: الجمعية الآن لها دور اجتماعى كبير.. لكن ذهولكم هذا لأننا لا نروج لهذا الخير الذى سببه الله لنا ولكل من ينتفع من المؤسسة بأسلوب دعائى.. ربنا مبارك لأهل الخير والعملية ماشيه.. لكن ليس معنى ذلك أن نشاط الجمعية مجهولة لأن نتائج «جمعية محمود» موجودة فى كل الأقاليم، خصوصا المناطق التى لا تصل إليها يد الحكومة، مثل الصعيد وسينا والواحات.. ولجنة النشاط والخدمات الاجتماعية بدأت دورها فى بداية التسعينيات.. وأول وأبرز هذه الأنشطة قبل التسعينيات بعشرين عاما كان «مائدة الرحمن» المشهورة والتى تقيمها الجمعية فى رمضان.. فى هذه الأيام كانت مائدة الرحمن الشهيرة الأخرى فى السيدة زينب، فكان مشهد مائدة الرحمن فى المهندسين مشهداً رهيباً- مشهد عجبة- ولكن فى أول التسعينيات بدأت ما يسمى رحلتى الشتاء والصيف، وهما أمران مهمان جدا فى حياتى.

ولكن قبل الحديث عن رحلات الشتاء والصيف، قال الدكتور مصطفى محمود: عقلية النظام المصرى لا تؤمن أبدا بأن هناك من يمكنه أن يتصدى للفقر والإرهاب دون مقابل، فشكوا أن الجمعية والمسجد وما يلحق بهما من فروع تم تأسيسها بغرض تنشئة أجيال بأفكار أمنية أو أفكار دينية شاذة بتمويل ما.. وبالفعل وضعت المؤسسة بالكامل تحت المراقبة لأعوام.. وعشت ومن حولى تحت الرقابة الأمنية، حتى تأكد النظام من أن هدفى هو المعلن، وهو المساهمة فى رفع المعاناة عن أبناء وطنى.. والحمد لله رفعتها بالفعل، لأنى أؤمن بأن العمل والابتكار ليس بالصياح والشعارات والتوقف عند حد الكتابات..

وفى الاتحاد السوفيتى حاولت بعض الجهات هناك فى السبعينيات تمويل برنامج لتنشئة جيل من المقاتلين.. من طراز خاص.. على المستوى الأمنى أو الفكرى، لكن التجربة زرعت فى هذه المجموعة أفكارا شاذة لدرجة أن الجيل انهار أو تطرف.. ولأن النظام عندنا عبقرى فى كل شىء إلا الصواب، فقد خرجت تقارير تفيد بأننى أربى اليتامى عندى فى الجمعية.. وسألت التقارير: بربيهم ليه؟ هايكسب ايه من وراهم..

أكيد الموضوع فيه «إنّه».. العقلية الأمنية المستهترة فى كل صواب، ركزت بس معايا وركبت أجهزة تنصت على تليفونات الجمعية، وزرعوا عيونا وعشنا شهورا وسنوات طويلة فى ارتباك.. ولكننا لم نتذمّر إحنا مابنعملشى حاجه عشانهم ولا منتظرين أجر عليها يبقى ربنا هايحمى حاجته دى.. وزاد الطين بلة أنه فى بعض الأحيان كان يخطب فى المسجد بعض الشيوخ المغضوب عليهم، مثل الشيخ كشك.. مما دفع الجهات إياها لأن تظن فينا الظن إياه.. لكننى كنت مصرَّاً على تقديم حياتى للبسطاء والفقراء.

هل اكتفيت؟ سؤال ألقى بنفسه داخلى.. مشغول أنا فى برنامج «العلم والإيمان».. النجاح الهائل الذى وصلت إليه ألقى بداخلى مسؤولية مهمة حول إعداده والخروج به إلى الشعب العربى بصورة ملائمة كما ينتظرونه.. لكن هذا السؤال الملح حول ما إذا كان ما أقمناه بعون الخالق يكفى.. وصل عدد من تستقبلهم الجمعية إلى ٥ آلاف مريض يوميا، لكن هل اكتفيت.. أشعر أحيانا بأن هناك أصوات تنادى علىَّ من أماكن لا أعرفها: لا يوجد أفقر من فقراء الأماكن المقفرة فى مصر.. لا يوجد أكثر احتياجا منهم.. سيناء.. والواحات.. والصعيد.. وريف مصر.. فى الأصل كدت أنشئ الجمعية فى أرياف الجيزة حتى تتوجه بخدماتها إلى المحتاج الحقيقى، لكن الظروف جعلت من منزلى مقراً للجمعية فى ميدان مصطفى محمود.. لذلك كان هو الوقت اللازم للخروج برحلات الشتاء والصيف.
خرجت أنا وأطباء المجمع بهدف الوصول بخدماتنا إلى القاهرة ومعظم المحافظات المحيطة بها، ولفت انتباهى أن المحافظات البعيدة، مثل الصعيد ومطروح وسيناء، لا تصلها خدماتنا، على الرغم من تفاقم الأوضاع بكثير فى هذه المحافظات بالذات، فقررنا أن نخرج بقوافل إلى هذه المناطق، وبالفعل كنا نذهب بقافلة فى الصيف وأخرى فى الشتاء، كل قافلة منهما تتوجه إلى مكان ما، وعلى رأس هذه الأماكن «السلوم وسوهاج وقنا ومطروح والخارجة وأسوان».. وكنا نستغل فترة هذه القافلة ونهتم بأهل هذه المناطق فى أكثر من مجال وأكثر من نشاط، فكرى أو دينى، ووصل عدد هذه القوافل إلى ١٣ قافلة.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin


عدد المساهمات : 672
النشاط : 1661
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: مذكرات دكتور مصطفى محمود .. الجزء الثامن عشر. الجمعية الخيرية تجسيداً لأحلامى المصدر   الخميس ديسمبر 19, 2013 11:45 pm


«قيمة الإنسان هى ما يضيفه للإنسانية من ميلاده وحتى وفاته».. كان هذا هو المبدأ الذى يؤمن به فيلسوف الشرق الدكتور مصطفى محمود، وهذا يدعونا إلى طرح مجموعة من الأسئلة لم تكتمل الإجابة عنها فى الحلقة السابقة وهو هل بالفعل تحدثنا عن رحلتى الشتاء والصيف فى حياة فيلسوف الشرق الدكتور مصطفى محمود الحديث الكافى الذى تستحقه تلك الرحلة العظيمة والفريدة والتى لم يقم بتطبيق مبادئها أحد غيره منذ قرون عديدة..

وهل عرفنا كيف أن الدكتور مصطفى محمود رفض أن يكون فاعل خير- من مكاتبهم- ينظِّر ويطلع ويعيش فى قراءات.. لم يحدث هذا على الإطلاق.. لقد توصل إلى حقيقة ثابتة واحدة.. وهى أن فعل الخير لا يلزمه انتظار الدولة.. ولا يلزمه من الدولة أن تنتظر -كما قال- بواقى وفضلات الدول الأخرى مسماة فى شكل معونات..
ولذلك أقام جمعيته التى سماها «مسجد وجمعية محمود الخيرية» وهنا قال الدكتور مصطفى محمود.. أقمت مستشفى لعلاج المرضى بالمجان باستخدام أحدث الأجهزة فى العالم- بالفعل قام بتحديثها لدرجة استقدام خبراء لاستخدامها وتدريب أطباء الجمعية الشبان عليها- ولم يزد الكشف أبدا عن قيمته المعروفة (جنيه واحد)..

ولكن كل هذا لم يرض نفسى.. لم أشبع من تقديم الخير للفقراء فى مصر.. وكنت دائما احس أن الفقير الحقيقى فى بلدنا موجود على الهامش فى سيناء والصعيد.. وأرياف مصر.. فى الواحات.. حيث لا يوجد دعم ولا توجد حكومة وهو ما دفعنى إلى التحرك صوبهم.. أخذت قوافلى الطبية والإغاثية والثقافية.. أخذت تلاميذى من الأطباء والمعلمين والممرضات.. للنزول إلى قلب الحدث داخل القرى والأقاليم كنت أريد أن أقدم دائما العون ليكون مثل الغوث والنجدة وكنت دائما أنجح بأن أعطى الإعانات المادية والمعنوية.

«وهنا نستطيع أن نقول إن أفكار الدكتور مصطفى أفكار اقتصادية بارزه أثرت على مصر كلها وهذا ليس مجرد كلام فعندما يفاجئنا الدكتور مصطفى بمغامرات اقتصادية قام بها من أجل إرساء أفكاره على شاطئ الاستقرار واليقين بأنه يؤدى ما خلق من أجله فيجب أن نستمع له» وهو يقول «أنا اول من أقر نظام القرض الحسن الدوار..

ففى وسط وحشية الرأسمالية وانتكاسة الاشتراكية وهنا قد يظن البعض أننى أتراجع عن أفكارى الحادة ضد الاشتراكية أمام الرأسمالية المتوحشة ولكننى أؤكد أننى من ألد أعداء الاثنين سواء الرأسمالية المتوحشة أو الاشتراكية الهدامة..

المهم فى وسط هذا التوحش الرأسمالى كان الفقراء مظلومين مطحونين بلا سند أو داعم غير رحمة الله ولقد أرسيت فى الجمعية نظاماً لإقراض الفقراء بلا فوائد وفى الوقت نفسه لا أعطى للفقراء القروض فى صورة أموال.. لأنى كنت أنظر للأموال على أنها مجرد مجموعة من النقود ستنتهى منفعتها بإنفاقها لكن عندما تطلب أسرة من الأسر المصرية البسيطة قرضاً من الجمعية وتعطيهم الجمعية بدلا من تلك الأموال أدوات إنتاج مثل آلات أو ماشية أو.. أو.. فإن هذه الأسرة ستعمل وذلك يدير عجلة الإنتاج الوطنى وسيترتب على ذلك تقليل البطالة بتشغيل أيد عاملة وأخرى مساعدة وسيترتب على ذلك الربح، وهنا تستطيع تلك الأسرة وبمنتهى السهولة واليسر أن ترد القرض الذى حصلت عليه وهى مازالت تمتلك وحدات الإنتاج التى لديها أيا كان نوعها- مع ملاحظة أن القرض قرض حسن بلا فوائد- لاحظ هنا أن القرض المردود لا يرد للجمعية بل تحصل عليه عائلة أخرى فى حاجة للقرض..

وبهذا نساعد المحتاج عملا بالمثل الصينى الشهير «بألا نعطيه السمكة بل نعطيه السنارة ليتعلم الصيد» ويعيش ويأكل هو وأسرته من إنتاجه وصنع يديه وطبقنا هذا المثل أيضا فى مراحل أخرى مختلفة قمنا بها فى الجمعية عندما أقمنا مركز التدريب الحرفى فى الزمالك واستعنا بالحرفيين لتعليم أبناء اليتامى بعد استكمال تعليمهم الأساسى ودعونا القادرين الذين يريدون التخلص من ملابس أو أثاث أو أجهزة عندهم أن يتركوها ونحن نأخذها ونعلم الأولاد عليها، إضافة إلى الشباب فقد أخذنا بنات الأسر الفقيرة وعلمناهن كيف يدرن المنزل وعلمناهن فعلا قواعد ومهارات إدارة المنازل وعلمناهن قواعد الطهارة والنظافة والأمانة.. والمفاجأة أن الشباب والبنات فى شهور التعلم هذه كنا نخصص لهم رواتب شهرية لتعينهم على مواجهة الحياة القاسية ولتكون بمثابة تشجيع لهم على العمل والاستمرار فى التعلم!!

إذن نحن أعطينا الأسر السنارة وعلمناهم كيف يصيدون وهى أفكار بدأنا تطبيقها منذ عقود ووصلت تغطيتنا الآن لأكثر من ٦٠٠٠ أسرة فى ٧ محافظات بما يزيد على ١٥ مليون جنيه شهريا!!
وهنا يشرد الدكتور مصطفى محمود بعض الدقائق ثم يقول.. أنتم تذكرونى بأيام جميلة ولكن هل تعلمون ما هى المشكلة الحقيقية عندنا فى مصر للأسف هى «مشكلة علم» فى المقام الأول دعوكم من الكلام المشهور بأن مصر نصفها أمى ولا يجيد القراءة والكتابة وأن معظمها لا يستطيع مسايرة تكنولوجيا المعلومات ففى زمننا الذى ذهب ولم يتبق منه غير الذكريات الجميلة كان مجتمعنا بالكامل أميا ولم يكن متأخراً بل بالعكس من يقرأ التاريخ الصحيح وليس المغلوط جيدا يعرف أننا فى هذه الفترة رغم الاحتلال بأنواعه وأشكاله المختلفة الذى كان واقعاً موجوداً بالفعل.. كنا أصحاب نهضة وحضارة والتى تدرس لطلبة المدارس الآن تحت مسمى النهضة المصرية الحديثة..

وهنا نخرج بأن محور التقدم الذى حاولت أن أنتقيه وأقدمه من خلال الجمعية هو العقلية المصرية ورغم كل وسائل التعجيز التى واجهتها عندما بدأت مشروعى إلا أننى مازلت أؤكد أن هناك فى كل شارع فى مصر عقليات رائعة.. فقط المناخ الفاسد هو من يخبئ هذه الزهور الجميلة من التفتح.. أنا أؤكد لكم أن لجنة براءات الاختراع فى مصر تحتوى فى أدراجها على كم هائل من الاختراعات التى لو طبق ربعها لأحدثت ثورة صناعية هائلة فى مصر.. لكن تقول لمين ومين يقرأ ومين يسمع، هذه العقول الشابة تبنيت الكثير منهم داخل الجمعية وحاولت بقدر المستطاع توصيل أصواتهم واختراعاتهم وابتكاراتهم ولكنى كنت أقابل دائما بالرفض وعدم الرضا لأن الكبار فى مصر يخشون منافسة هؤلاء الشباب!!

عندما شاهد علامات التعجب على ملامحنا أحب أن يضرب لنا مثلا.. فقال إن أحد أساتذة الجامعة الشباب فى مصر توصل فى بحثه العلمى إلى (مشروع السيلاج) وهو استخدام المخلفات الزراعية- زعازيع القصب- لإعادة تصنيعها كعلف حيوانى وكالعادة وجد عند الحكومة داء الصمت والتجاهل ولكنه عندما قابلنى وعرض على الفكرة انبهرت بالفكرة ولكنى أخفيت عليه ذلك الانبهار حتى أقوم بدراستها بشكل بحثى وعلمى حتى تكون إجابتى عليه وتشجيعى له على أساس صحيح وبعد أن تأكدت أنها دراسة هائلة ستجنى للدولة الثروات وستحول مخلفات إلى مواد صالحة الاستخدام تأكدت أيضا «لمصادماتى السابقة مع السادة المسؤولين عن البحوث العلمية» أن أى مسؤول ذهب إليه هذا العالم الشاب لم يستمع إليه من الأساس وبالفعل لم أعرض نفسى مرة أخرى لمرار التجربة مع تلك العقول المكتبية المتحجرة وبدأت فى تنفيذ المشروع على الفور وكانت النتائج مفاجأة للجميع..

فقد أحدث هذا المشروع ثورة عند عقول الفلاحين الذين اكتشفوا أن المخلفات التى كانوا يدفعون من أجل التخلص منها الأموال أصبحت ثروة تحقق أرباحاً أكثر من المحصول الذى يحتاج إلى سماد وخلافه من التحصينات الزراعية التى تجهدهم ماديا وأصبحوا لا يقومون بحرق تلك المخلفات التى تتكون من الزعازيع وأصبحوا يربحون من ورائها ولم يكن عائد هذا المشروع البحثى العلمى للفلاحين فقط بل كان للبشرية حيث ساعدت على ابتكار أسلوب القضاء على السحابة السوداء التى يتكون معظمها من حرق هذه المخلفات كما وفر هذا المشروع وجود مصانع جديدة لم تكن موجودة من قبل تتخصص فى إعادة تدوير هذه المخلفات وبناء عليه تم اختراع الآلات المتطورة شيئاً فشيئا والقضاء على نسبة من البطالة.. فانظروا كيف يمكن لبحث علمى أن يحل مشكلات عديدة تعانى منها البشرية فى هذه الأيام.. ونتيجة لنجاح المشروع تسابقت الحكومة كعادتها لتقليدنا وجربت أن تؤسس ذلك المشروع لكنها فوجئت بابتعاد المزارعين عنها لعدم ثقتهم فيها..

وذكر الدكتور مصطفى مثلاً آخر فقال.. أيضا أحد العلماء المصريين الشباب المتخصصين فى تربية الأسماك والذى تلقى هذا العلم فى الدولة التى تقدر العلم «الصين» وكالمعتاد لم يجد الشاب المسكين أى باب يلجأ إليه إلا ويجده مغلقا فقابلته واستمعت إليه بتركيز وأتحت له الفرصة ليعرض الفكرة على باقى أعضاء الجمعية وكما توقعت لها لاقت القبول والترحيب من الجميع فاتفق مع المنتمين لمشاريع الجمعية من أبنائها المنتفعين من القرض الحسن لحفر آبار فى مناطق الواحات للزراعه وأن يقوموا بزراعة الأسماك فى البحيرات الصغيرة المتسربة من الآبار وهو مشروع يشعر الملايين من البشر فى العالم أن الخير باق فى أمة محمد.. وكانوا أصحاب تلك الأراضى كلما يأتى يوم تجميع السمك يقومون ببيعه بأسعار رمزية..

وأحيانا بلا مقابل للأسر الفقيرة.. وهنا نجد أن تلك الأبحاث العلمية البسيطة استطاعت أن تجنى ثروات طائلة بذلك المجهود البسيط وتلك التكاليف الرمزية فما بالكم إذا تبنتها الدولة وعاملتها معاملة المشروعات القومية لأن ازدهار الثروة السمكية والقضاء على السحابة السوداء.. مشاريع أمن قومى من الدرجة الأولى.
يقول عالمنا الأثير الدكتور مصطفى محمود مهما تكلمت عن الجمعية الخيرية وفريق العمل الذى رافقنى فى بنائها فلن أكتفى أبدا ولكن فى عام ٢٠٠٠ تعرفت على مجموعة أشخاص أصحاب مطاعم ينفقون من أرباحها على تربية وتنشئة فتيات أيتام.. هؤلاء الناس وجدتهم مثلنا يهدفون إلى هدف سام.. رائع.. فقط تقابلهم مشكلة التمويل.. والتمويل كما تعلمنا من أسطورة الرجل الطيب- الذى ذكرت فى الحلقة السابقة- يكون بالعمل وليس بالدعم المادى فقط فاتفقت على شراء الوجبات الساخنة منهم كل يوم.. فى ذلك الوقت كان على مكتبى مشروع إطعام المساكين وهو عبارة عن إطعام الأسر الأكثر فقرا، مثلا (أسر اليتامى، أسر المنكوبين).. وهكذا دمجت المشروعين معا وضربت عصفورين بحجر واحد فنساعد على استمرار تربية الفتيات الأيتام إضافة إلى المساعدة على إطعام المحتاجين..

تخيل أنك إذا كنت من الفئة المعدومة المقهوره والتى تكون أرضا خصبه لآفات وأمراض هذا الزمن.. سواء كانت الإرهاب أو البلطجة أو الدعارة.. ووجدت تعليماً وتنشئة دينية وعلمية ومهنية ووجدت طعاماً ووجدت من يعلمك حرفة أو يساعدك فالمؤكد أنك ستبتعد عن أسباب الانحراف أو التطرف وهكذا..

ومنذ تلك اللحظة نمت إلى ذهنى وتفكيرى عملية كيف أستطيع مساعدة ومعاونة المساجين فهم بالفعل مذنبون ولكنهم إذا وجدوا الأيادى تمتد لهم فسيتصالحون مع أنفسهم ويتحولون إلى صالحين نافعين لمجتمعاتهم فأنا أؤمن أن الغالبية العظمى منهم مرضى نفسيون ومن العدل أن بعض حصص الطعام التى كانت توزع على الفقراء يتم إرسال جزء منها إلى قطاع السجون للمساجين وبالفعل بدأت فى اتخاذ الخطوات اللازمة لتطبيق تلك الفكرة ولكنى تأكدت من أن السجون لها ميزانية كبيرة والمساجين يحصلون على غذاء كامل..

ففكرت فى الموضوع بجدية أكثر بعد أن اتصل بى أكثر من قسم شرطة يريدون جزءاً من حصص الطعام خصوصا أننى وصلت إلىّ معلومات تفيد بأن المحتجزين فى التخشيبة أو الأقسام بعد تعرضهم للتشريفة المناسبة والتى تكون فى الغالب من السجانين القدامى أو أثناء معارضتهم لأوامر أمناء الشرطة والعساكر يفقدون دماء كثيرة ولا يحصلون على وجبات طعام وأن معظم أسرهم تكون فقيرة ومعدمة وتكتفى بأنها فقدت من يتكفل بمصاريفهم داخل التخشيبة ولا يستطيعون إطعامه وهم يحتاجون إلى من يطعمهم وهنا أخيرا وجدت طريقة أساعد بها هؤلاء فوجهت أغلب هذه الحصص إلى بعض أقسام الشرطة وأمن الدولة حيث المعتقلون السياسيون بعد أن وافق المسؤولون على هذا المشروع الخيرى الذى صاحب بعد ذلك تدعيم فقراء المساجين بالبطاطين ودعم أسرهم ماديا ومعنويا..وفى النهاية موضوع الجمعية ليس ملحمة أسطورية.. هى فقط قصة تقديم يد العون إلى المحتاجين بطريقة عملية..

وبعيدا.. عن الدعائية.. الأرقام عندنا ظاهرة. الميدان- ميدان مصطفى محمود- يعج بمن يلجأون إلى الصرح الذى إذا استطعنا بناءه فهو بحمد الله وتوفيقه.. كانت جمعية محمود الخيرية تصل- وما زالت رغم أنها ليست تحت إدارتنا الآن- إلى كل فقير وحققت الشعبية داخل أرجاء مصر وخارجها لأنها استهدفت الإنسانية ولم تفرق بين ديانات الفقراء ولكن الجميع كانوا بشراً.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin


عدد المساهمات : 672
النشاط : 1661
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: مذكرات دكتور مصطفى محمود .. الجزء التاسع عشر. «إلحادى» كان صحيا    الخميس ديسمبر 19, 2013 11:49 pm


■ (أنا عمرى ما شككت فى وجود الله سبحانه وتعالى.. وأنه الواحد الأحد القهار.. ولم ينتبنى الشك مطلقاً فى القدرة الإلهية وأنها تدير هذا الكون الكبير من حولنا وأن هذا الكون باتساعه الكبير هو خير برهان ودليل على وجود الخالق الأعظم فهو يفصح ويثبت ويبرهن بل يهتف (لا إله إلا الله محمد رسول الله).

■ الشك كان فى مسألة القضاء والقدر والجبر والاختيار والجنة والنار ونوع الخلود وشكله ومظهره. وكان رجال الدين يعتبرون أن مجرد التفكير فى مثل هذه المسائل يعتبر الكفر بعينه.. وأنا لم أكن كافراً!.. وهذا هو السبب فى أن كامل الشناوى قال لى فيما بعد: «قديما كانوا يفكرون ويتعمقون فى مثل هذه الشكوك دون أن يعرضوا للشنق وهى قضايا الجبر والاختيار.. والقضاء والقدر.. والجنة والنار.. والبعث والخلود»

الإلحاد كلمة كثيراً ما هاجمها أبناء الدكتور مصطفى محمود وحاربوها بشدة وكرهوا كل من أطلقها عليه أثناء حياته.. أمل مصطفى محمود ابنته الكبرى وأمه الروحية فى نصف عمره الأخير.. وهبت عمرها منذ زمن لا بأس به لأبيها، تهتم بكل تفصيلة فى حياته.. تقرأ له وتقرأ عنه.. تغار عليه بشدة، ذات مرة احتقن صوتها وهى تتكلم عن كلام نشرته الكاتبة لوتس عبدالكريم.. رغم رقة أمل وهدوئها وأدبها الجم تحمل بداخلها قنبلة قد تنفجر فى وجه كل من يفكر فى أن يهمس بشىء عن أبيها.. أو يتكلم بحديث خاطئ عنه، خصوصاً من يطلق عليه هذه الصفة.. «ملحد».

أما نجله آدهم بملامحه الطيبة الرجولية وهدوئه الخالص وثباته عند الانفعال وخجله عند الإطراء.. يحتقن وجهه كثيراً إذا ذُكر أبوه بأى سوء وهو المتشبع بنبض أبيه.. ربما أخذ أشياء منه لكنه يختلف عنه فى كثير من الأشياء الملحوظة مثل الجسم الرياضى والعقلية التجارية.. مع ذلك نجد أنه يرفض وبعنف أى وصف لأبيه بتلك الصفة الشنيعة.. «ملحد».
نذكرها هنا صريحة.. لا تحتمل الجدل أو الهزل (الدكتور مصطفى كان فى أحد الأيام ملحداً!!) نعم كان فى شبابه ملحداً.. حتى ولو رفض أدهم وقال: كان شكاً.. أو ترتاع أمل وتقول كيف يلحد أحد الأشراف.

وهنا الأمر يحتاج منا وقفة.. ولندع الدكتور مصطفى يحكم بنفسه فى تلك القصة.. وسنجده يؤكد فى تسجيله الصوتى: «أنا مررت بكل المراحل الفكرية من الشك إلى اليقين، من الإلحاد إلى أن أصبحت خادم كلمة التوحيد».. هل فى هذا الكلام ما يزعج؟

طبعاً هناك ما يزعج.. فمن وجهة نظر كل الناس الملحد هو شخص ضد الله، وضد الدين، ويكرهه الناس حتى لو كان هؤلاء الناس أنفسهم غير مهتمين بالدين ولا يعرفون عن الالتزام به شيئاً، ولكن الحقيقة أن عالمنا الكبير مصطفى محمود إبان عمله كطبيب فى أول حياته كانت الفكرة قد بدأت تختمر فى أرجاء عقله فيقول: «لم تكن هذه البداية.. فالبداية منذ الطفولة منذ كتاب سيدى عز والشيخ الدجال الذى سبب وعظه الخاطئ لى نفوراً شخصياً منه وإلى أن يتجه عقلى إلى طريق آخر فى التفكير.. وببساطة أسرد لك بداية مرحلة الشك فى صورة أفكارى وأنا طفل وهو: لماذا نستقبل منذ مولدنا كل الأفكار كمسلمات يجب أن نرضى بها؟! لماذا نقنع بكل ما يدرس ويعلم لنا من الكبار؟! هل هم علماء وكلامهم يقين؟! هذه هى بداية الشك التى تحدث عادة لأى أحد فى نفس مرحلتى وظرفى».

الحقيقة أن فى كلام الدكتور مصطفى محمود خير شرح للحالة التى ثار حولها الجدل، وظلت تلاحقه فى كل أزمة يمر بها فيما بعد من بداية للتفسير العصرى للقرآن ثم الشفاعة.. الإلحاد الذى يقصده الدكتور هنا ليس المقصود به الشرك، حاشا لله، وليس المقصود الكفر بالله أو أنه الإلحاد الذى يتعلق به الماديون والجدليون أو الهيجليون.
ولكن ما يقصده هو كما أخبرنا (أنا عمرى ما شككت فى وجود الله سبحانه وتعالى.. وأنه الواحد الأحد القهار.. ولم ينتبنى الشك مطلقاً فى القدرة الإلهية وأنها تدير هذا الكون الكبير من حولنا وأن هذا الكون باتساعه الكبير هو خير برهان ودليل على وجود الخالق الأعظم فهو يفصح ويثبت ويبرهن بل يهتف (لا إله إلا الله محمد رسول الله).

الشك كان فى مسألة القضاء والقدر والجبر والاختيار والجنة والنار ونوع الخلود وشكله ومظهره. وكان رجال الدين يعتبرون أن مجرد التفكير فى مثل هذه المسائل يعتبر الكفر بعينه.. وأنا لم أكن كافراً!.. وهذا هو السبب فى أن كامل الشناوى قال لى فيما بعد: «قديما كانوا يفكرون ويتعمقون فى مثل هذه الشكوك دون أن يعرضوا للشنق وهى قضايا الجبر والاختيار.. والقضاء والقدر.. والجنة والنار.. والبعث والخلود».. ولكن كل هذه المسائل والقضايا تغير فيها تفكيرى تماماً بعد بحث وتفكير كبيرين، مع إطالة التفكير والتدبر والتعمق فى آيات القرآن. وأحسست أن القرآن كتاب عجيب.. لا تستطيع أن تحذف أو تضيف حرفاً إليه.. القرآن جامع مانع.. نسيج وحده.. دستور للبشر أجمعين فى كل زمان ومكان.

إذاً الإلحاد المقصود هنا هو إلحاد صحى.. ليس إلحاد الجماعات الشمولية الذى يريد عدد من أفرادها الكسالى أن يتخلصوا من عبء الفروض الدينية أو ما يلحق بها أو يبعدوا عن أذهانهم سبب آلام ضمائرهم.. فخلاصة أى كلام عن إلحاد الدكتور مصطفى محمود تكون أنه إلحاد من أجل الوصول إلى الإيمان الكامل.. اليقين التام.. وهكذا.

فى كل عصر يظهر فيلسوف معين فى زمن صعب وأوقات المحنة فى عصره.. يرفض الفيلسوف أن يسير على خطى السابقين.. يسأل نفسه إذا كان الكلام الذى يعلمونه لنا هذا كاملاً ويقينيا، فلماذا ساء الوضع وتدهور هكذا.. الأمر يحتاج إعادة التأكد من صحة المسلمات التى تلقن فى أماكن العلم.. مر بهذه المرحلة الكثير بداية من أفلاطون فى الدولة الإغريقية.. إلى ديكارت صاحب المبدأ الشهير (أنا أفكر إذاً أنا موجود)..

كل هؤلاء الفلاسفة باختلاف مراحل علمهم ودرجاته مروا بمراحل الشك واليقين حتى يصلوا إلى درجة معينة من اليقين.. ولكننا هنا سنتوقف عند أحد الفلاسفة المسلمين الذى مر بالمرحلة نفسها التى مر بها فيلسوفنا مصطفى محمود.. وهو أبوحامد الغزالى.. وقد اقترب مصطفى محمود فى ذلك من الإمام الغزالى ـ رحمه الله ـ وما ذهب إليه فى كتابه «المنقذ من الضلال»، إذ يقول فيه: «كان التعطش إلى إدراك حقائق الأمور دأبى وديدنى، من أول أمرى وريعان عمرى، غريزة وفطرة من الله وضعتا فى جبلتى، لا باختيارى وحيلتى، حتى انحلت عنى رابطة التقليد، وانكسرت علىّ العقائد الموروثة على قرب عهد الصبا».

وإذا استمعنا إلى كلام الدكتور مصطفى محمود: «فى عنفوان شبابى كان تيار المادية هو السائد، وكان المثقفون يرفضون الغيبيات، فكان من الطبيعى أن أتأثر بمن حولى»، ولذلك كما يقول فى أحد كتبه: «احتاج الأمر إلى ثلاثين سنة من الغرق فى الكتب، وآلاف الليالى من الخلوة والتأمل مع النفس، وتقليب الفكر على كل وجه لأقطع الطرق الشائكة، من الله والإنسان إلى لغز الحياة والموت، إلى ما أكتب اليوم على درب اليقين».

وبالرغم من اعتقاد الكثيرين أن مصطفى محمود، أنكر وجود الله عز وجل، فإن الكلام السابق والتالى يوضح أن المشكلة كانت فلسفية فى الحقيقة، فقد كان يبحث عن مشكلة الدين والحضارة، أو العلم والإيمان، وما بينهما من صراع متبادل أو تجاذب، وقد ترجم لحياته الروحية قائلاً: «إن زهوى بعقلى الذى بدأ يتفتح، وإعجابى بموهبة الكلام ومقارنة الحجج التى تفردت بها، كانا هما الحافز وليس البحث عن الحقيقة ولا كشف الصواب.
ومع هذا العقل العلمى المادى البحت بدأت رحلة مصطفى محمود فى عالم العقيدة.

وعلى الرغم من هذه الأرضية المادية التى انطلق منها فإنه لم يستطع أن ينفى وجود القوة الإلهية، فيقول: «تصورت أن الله هو الطاقة الباطنة فى الكون، التى تنظمه فى منظومات جميلة، من أحياء وجمادات وأراض وسماوات، هو الحركة التى كشفها العلم فى الذرة وفى الـ«بروتوبلازم» وفى الأفلاك، هو الحيوية الخالقة الباطنة فى كل شىء».

وكما حدثنا الغزالى عن الأشهر الستة التى قضاها مريضاً يعانى آلام الشك، حتى هتف به هاتف باطنى أعاده إلى يقين الحقيقة العقلية، وكشف له بهاء الحرية الروحية، ومكنه من معرفة الله، نجد مصطفى محمود يتحدث عن صوت الفطرة الذى حرره من سطوة العلم، وأعفاه من عناء الجدل، وقاده إلى معرفة الله، وكان ذلك بعد أن تعلم، فى كتب الطب أن النظرة العلمية هى الأساس الذى لا أساس سواه، وأن الغيب لا حساب له فى الحكم العلمى، وأن العلم ذاته هو عملية جمع شواهد واستخراج قوانين.
وهكذا كانت رحلته من الشك إلى اليقين تمهيداً لفض الاشتباك بين العلم والإيمان، وذلك عن طريق علو الإنسان فوق المادة إلى ما هو أبعد أفقاً وأرحب مدى.

هل استوعبنا الموضوع؟ الأمر ليس بسيطاً بالمرة.. الموضوع الذى مر به فيلسوف مصر الحديثة.. إنه ليس حدثاً عادياً يمكن أن نتناوله ككلام متداول.. بل يجب أن نضع الصورة فى إطارها الصحيح.. إن هذه المرحلة التى مر بها الدكتور تاريخية لا تحدث إلا للفلاسفة المتأذين من الغث الثقافى المحيط بالمجتمع.. ويريدون إصلاح هذا المجتمع.. فكيف يصلحونه والمعارف أصابتها الشوائب..

فيكون الطريق هو عدم التسليم بأى شىء محيط، ويحول ذاكرته إلى صفحة بيضاء ليبدأ فى دراسة الوجود من أول (١-٢-٣) ليبدأ فى دراسة الأشياء والحقائق، كل على حدة وكلما تأكد من صحة شىء وأهميته تحول إلى الإيمان به وهكذا.. وإذا كان الفيلسوف أبوحامد الغزالى قد بدأ مرحلة الشك بنفى وجود الخالق نفسه فإن الفيلسوف مصطفى محمود قد اعترف بأنه لم ينكر وجود الذات الإلهية أبداً وأخيراً.. لخص الدكتور هذه المرحلة فى عدة كلمات بمثابة الروشتة لكل حائر وهائم.

أولاً: لم أبدأ مرحلة الشك هكذا من العدم وأنا غير مسلح بإيمان قوى أو وأنا عندى ضعف ما فى أى فرع من فروع الدين فأنا منذ طفولتى المبكرة شعرت بقلبى وعقلى يتجهان إلى الدين.. وتستطيع أن تقول: إننى فى الفترة ما بين سبع سنوات إلى اثنى عشر عاماً كنت متجهاً للدين بكل حواسى ومشاعرى.. أصلى الفروض جميعها فى المساجد وأستمع بإنصات واهتمام شديدين إلى الأئمة والشيوخ والدعاة فى المساجد وكنت أتردد فى هذه الفترة على مسجد وضريح سيدى عز مع صديق لى يدعى «فرج» نصلى الفروض والسنن ونستمع إلى وعظ شيخ الجامع وندون ما يقول ونحضر المولد وحلقات الذكر..

وهذا معناه أن هذه المرحلة الملحمية فى حياة الفلاسفة غير متاحة لكل الأفراد.
ثانياً: لا يجب أن يتأثر الأفراد فى مرحلة خلوتهم ـ مرحلة التفكير ـ بأى مؤثرات خارجية لأنى قد تعرضت من اليسار وقتها إلى إغراءات كثيرة خصوصاً بعد كتابى الأول «الله والإنسان» فقد كان تنظيماً دقيقاً، إذا صادف فى طريقه كاتباً يميل ولو من بعيد إلى أفكاره فإن مهمته تكون والحالة هذه: هى استقطابه ودفعه فى طريقه لكى يعمل أكثر.

فحين صدر هذا الكتاب فى البداية فوجئت بـ«محمود أمين العالم» يكتب مقالة يمجد فيها ظهور كاتب موهوب مجيد هو شخصى، ولأنى قلت ما يريدون نصبونى زعيماً، أذكر أننى كتبت قصة فى «صباح الخير» عن رجل زبال فأصبحت بأقلامهم أعظم كاتب.. أصبحت تشيكوف عصره.. بل قيل عنى يومها إن تشيكوف ظهر فى التاريخ من جديد، وأنا نفسى كنت مندهشاً لإعجابهم بهذه القصة بالذات رغم أنها كانت لا تعدو أن تكون عادية للغاية، بل لم يقتصر الأمر على ذلك فقد وضعوا القصة فى سلسلة اسمها «الغد» ووصفوها بأنها من عيون الأدب.. وعندما عدلت وعرفت الطريق الصحيح كاد هؤلاء الناس يفتكون بى، اتهمونى بالردة الاجتماعية والنكسة الفكرية، وهذا يدلك على أنهم ليسوا مخلصين بالمرة، وأنهم يكيلون وليس لديهم مكيال واحد للعدل.
ولهذا حذفت هذه القصة من كل مؤلفاتى بعد ذلك ولم أدخلها أى مجموعة قصصية، لقد كانت مدرسة، بل قل مدفعية ظهرت وقتها، عبدالعظيم أنيس ومحمود أمين العالم، كانت مدفعية إرهابية من أجل أن يسير الكتاب كلهم فى طابور واحد.. ومن أجل أن ينادى الكتاب كلهم بالاشتراكية العلمية والشيوعية والماركسية وكتب الحفاة.. وإلا لا يصبح من يكتب على هواهم أديباً!!

أنا بعد هذا الكتاب بدأت أعيد النظر فى كل شىء من حولى، وأولها هذا الكتاب الذى ألفته فوجدته مليئاً بالثغرات ولا يفسرنى، خاصة أن الفكر الاشتراكى يحاول استقطابى وتتويجى زعيماً، وأنا بالطبع لم أنضم لأى تنظيم لهم ولم أتعرف على كوادر يسارية منهم.. والحقيقة أننى بعد أن قرأت بإمعان ماركس لم أقتنع بما يقوله وأحسست أن هناك خطأ ما فى كتاباته، ولهذا حين دخلت فى حوارات ومجادلات مع محمود أمين أفحمته وفندت آراءه خاصة فى الندوة التى عقدت أيامها فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة ويومها سحبت البساط من تحت قدميه، وقال له زملاؤه بعدها: أرأيت ماذا فعل بنا الرجل الذى امتدحته ورفعته إلى عنان السماء السابعة؟!..
لقد اتضح أن مصطفى محمود هذا درويش أهبل.. سوف ينتهى به الحال إلى أن يجلس على الرصيف أو يجلس أمام أحد الجوامع زعيماً للمهابيل!
إنك باحتضانك لهذا الرجل ودتنا فى داهية!!

وبدأت بينى وبين نفسى حواراً طويلاً وقرأت كل ما كتب فى الفلسفة وعلم النفس بدءاً من سقراط إلى أفلاطون وأرسطو وهيجل انتهاء بكارل ماركس ووليم جيمس، وتعمقت فى قراءة الأديان من أول الفيدات الهندية والبوذية والزرادشتية وأخذ ذلك مجالاً طويلاً معى.. رحلة طويلة بينى وبين الأربعة جدران انتهت بشاطئ الإيمان.. أحسست بعدها فى النهاية أن القرآن الكريم جامع مانع.. تناول كل شىء فى هذا الوجود، ويعطى الإجابات النهائية لكل المسائل والقضايا التى كانت تحيرنى وتشغل عقلى، وليس هذا فقط ولكن القرآن يضم فى عباءته كل الأديان والفلسفات وخلاصتها.

ولكن كان لليسار اتجاه بالفعل وقتها، فالذى يسير فى طرقهم يشيدون به ويكتبون عنه مقالات والذى يغير طريقه عنهم يتناسونه أو يهاجمونه، حدث هذا فى الستينيات ولم يقتصر الأمر على الأدب بل امتد إلى السينما والمسرح.. وكل ذلك لم يأت نتيجة الفقر والجوع للبلد بل نتيجة الاقتصاد الشمولى الذى نادوا به فى حين تغير العالم كله، لقد رأوا بأعينهم سقوطهم الذريع.. فى خلال ٢٤ ساعة استيقظوا من نومهم فوجدوا جميع صحف العالم توجه إليهم اللعنات.. يديرون مؤشر الراديو فى كل اتجاه فيجدون أصوات الشعوب تهتف بسقوط الشيوعية حتى داخل روسيا نفسها.. إننى أشفق عليهم.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin


عدد المساهمات : 672
النشاط : 1661
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: مذكرات دكتور مصطفى محمود .. الجزء العشرين ... كفّرونى للمرة الثانية    الخميس ديسمبر 19, 2013 11:53 pm


 تنظر إلى ما يرتسم على الوجوه.. ولا تستمع إلى ما تقوله الألسن.. ولا تلتفت إلى الدموع.. فكل هذا هو جلد الإنسان وهو يغير جلده كل يوم»
■ «ابحث عما تحت الجلد.. وهو بالطبع ليس القلب فهو الآخر يتقلب.. وأيضا ليس العقل فهو يغير وجهة نظره كلما غير الزاوية»
■ «انظر دائما إلى لحظة اختيار حر.. والحقيقة أنهم مجانين هؤلاء الذين يتخذون المال هدفا لحياتهم»
■ «الإنسان ليس له سوى بطن واحد.. ولا يسكن إلا بيتا واحدا.. فإذا زادت ثروته على حاجته سيكون هو خادما للزيادة ولن تكون هى فى خدمته»

بالطبع كانت له رؤية دينية مختلفة.. يتعامل مع الدين مثلما كان يقول دائما على أنه الروح التى لا ترى بالعين البشرية أو المجردة.. بكل بساطة ذلك هو معنى الدين عند فيلسوف الشرق.. الفارس المتمرد.. الدكتور مصطفى محمود الذى حمل منذ الصغر أسئلة الشك التى عبرت بحار وجبال وأوطان الأديان السماوية والدنيوية ليصل إلى اليقين. كلنا يتذكر واقعته التى رواها مع واعظ وخطيب وإمام مسجد سيدى عز الرجال بطنطا الذى استخف بعقله وهو طفل صغير فكان سبباً فى رحلة الشك التى رافقته..

ومنذ تلك اللحظات اكتسب الدكتور مصطفى محمود بداخله الإصرار الذى كان دافعه إلى تحقيق أحلامه بأن يكون مفكراً كبيراً يطرح رؤية جديدة تفيد البشرية وكان من بين هذه الأحلام أن يبحث فى عمق الدين الإسلامى ليخرج للعالم الإسلامى بنظريات دينية فلسفية مباحة وليست فلسفية ملحدة كما يظن البعض والتى كان من بينها تفسيره العصرى للقرآن الذى أثار جدلاً فى مصر والعالم العربى فقد كان هذا الكتاب الذى أراد فيه أن يطرح رؤية جديدة لتفسير الآيات الكونية سبباً فى تحامل الكثير من الأئمة عليه..

وهنا يقول مصطفى محمود:لم أكن فى يوم من الأيام رجل دين بل أنا فنان دخلت إلى رحاب الدين من باب الفضل الإلهى ومن باب الحب والاقتناع وليس من باب الأزهر الذى أقدره وأحترم بعض مشايخه ولكنى أرفض سياسة البعض منهم فى تفسير القرآن ومنهجية دراسة الدين الإسلامى التى فقدت بريقها.. ومن هنا كان حكمى دائما حكم الشاعر وليس الشيخ أو الفقيه..

بل فقط الشاعر الذى أحب الله فكتب فى عشقه قصيدة وبنى له بيتا ولكنه ظل دائما الفنان بحكم الفطرة والطبيعة وذلك الفنان الذى مملكته الخيال والوجدان وكان دائما ضعفى وقوتى فبهذه الروح النقية أحببت أن يقرأنى الناس فما تصورت نفسى أبدا مفسراً لقرآن أو حاكما فى قضية فقه أو شريعة وإنما كانت مجرد محاولات من مفكر تحتم عليه أن يقدم للبشرية كل ما هو مفيد ودائما يكون دوره لا يزيد على إثارة العقل وإخراجه من رقاده وإيقاظ القلب من موته فقد كان كتاب «الله والإنسان» الذى تكلمت بشأنه من قبل أول أعمالى والذى أثار جدلاً واسعاً وبسببه وجه لى أول اتهام بالكفر

ولكنى بعد أن تخطيت مرحلة الشك ووصلت للإيمان واليقين واجهت أخطائى بشجاعة لإيمانى بأن الاعتراف بالخطأ صدق مع النفس، وإيمانا بهذه المبادئ كان إصرارى الشديد على أن يحذف هذا الكتاب بعد ذلك من مجموعة أعمالى الكتابية والأدبية والفكرية والفلسفية ولكن كنت أحدث نفسى كثيرا كيف أمر بكل هذه التجارب الصعبة دون أن أقصها على الناس ليستفيدوا منها وحتى تكون طريق هداية وتجنب الأخطاء لأبنائنا وجاءتنى الفكرة فى إعادة طباعة كتاب الله والإنسان ولكن بعد أن أجريت بداخله التعديلات التى تؤهله للنشر وبالفعل صدر تحت مسمى «حوار مع صديقى الملحد» ولاقى إعجاب الجميع ولكن لأن بعض أصحاب العمائم يستهويهم مشاغبتى فنادوا من فوق منابرهم بأن ذلك الكتاب اعتراف صريح منى بالكفر وأن ذلك الصديق الملحد كان هو أنا أيام الإلحاد ورحلة البحث ولكن كانت أعيرتهم اللفظية هذه المرة فشنك..

ولم يستمع لهم أحد سواء من الشارع المصرى والعربى أو المسؤولين ولم أقدم لمحاكمة كما كانوا يطالبون بحجة دفع المجتمع للإلحاد وهنا يجب أن أوضح نقطة مهمة جدا وهى أنه من الممكن أن يغير الكاتب أو الباحث فى الطبعات المختلفة لكتبه ومؤلفاته عن الطبعات الأولى وذلك لاقتناعه بأفكار جديدة تلائم روح أو ظروف العصر لم يكن يعيها أو يتطلع إليها من قبل ولقد حاكمت نفسى من خلال هذا الكتاب وعرفت ما هى أخطائى وذلك لأنه لابد أن يراجع الكاتب أفكاره وأنا أؤمن بأن من يخطئ على الملأ يجب أن يتوب وينوب على الملأ أيضا..

فالإنسان فى كثير من الأحوال خاطئ والقرآن هو الكتاب الوحيد الكامل كما قال الله ورسوله وهو الذى يؤخذ منه ولا يرد عليه أو يجادل فيه أحد ولهذا فقد فسرت بعض آيات وسور من القرآن وخرج فى كتاب تحت مسمى «القرآن تفسيرا عصريا» ولكن واجه نفس موجة الاعتراضات والتكفير وكانت هذه هى السمة الغالبة والموجودة تجاهى دائما من المشايخ فهم لا يريدون أن ينافسهم أحد وبالطبع لم يفهمه البعض وأخذوا المعنى خطأ وقد كنت أتكلم فيه حول قضية أن القرآن فى كل عصر يفض مكنونا جديدا ومن أجل هذا نقول إن القرآن لا ينتهى فيه كلام فهو ليس مثل أى مقال يكتب ويبرز مضمونه بعصره ولا يقرأ بعد ذلك ولكن القرآن مضمونه ثرى وغنى جدا ففى كل عصر يعطى لك معنى جديداً

وأيقنت أن الطريق إلى الله وفى رحابه هو خير الطرق وأن اللجوء إليه هو أعظم وأجل ودائما كان يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فى دعائه «اللهم بك انتصرت اللهم بك أصول اللهم بك أجول ولا فخر لى» فهو يعتبر فى كل حركة بالله سبحانه وتعالى ثم يأتى الرسول فى دعائه ويقول «اللهم إنى أعوذ بعفوك من عقابك اللهم أعوذ برضاك من سخطك اللهم أعوذ بك منك» وقد نتساءل على عبارة الدعاء الأخيرة وهى اللهم أعوذ بك منك وتقول كيف؟

وفى هذه المقولة كنت أفسر أن الذى خلق الشيطان هو الله سبحانه وتعالى وهو أيضا خالق الميكروبات والسرطانات والموت وهو مفجر البراكين والزلازل وهو الضار النافع فبدلا من أن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يقول أعوذ بك منك لا أحد غيره لأن الشيطان ما هو إلا جند من جنوده ومخلوق من مخلوقاته وبنفخة من الله يطير وهذا فى حد ذاته منتهى التوحيد وما خرج كتابى يحمل هذه المعانى إلا وظهرت موجة جديدة من التكفير تطاردنى بعد أن كانت اختفت لبعض السنوات وطالبت نفس الفرقة بتكفيرى وإعدامى بالرغم من أن هناك فئة اقتنعت بتلك التفاسير وكانوا علماء فى مجال التفسير.

وأيضا حمل كتاب التفسير العصرى للقرآن تفسير بعض الآيات الكونية التى تتحدث عن النجوم والفلك والقمر والليل والنهار والكون والطبيعة وقلت فى تفسيرى لها إنها لم تكن مفهومة فى عصرها لأن السلف الصالح لم تكن لديهم الخلفية العلمية لعلوم الفلك وأيضا لم يكن ظهر فى عصرهم الأجهزة الدقيقة والعلم المتقدم الذى أصبح فى عصرنا يحمل صاروخ الرجل إلى القمر والكواكب الأخرى ولكن الآن أصبحت مفهومة ويمكن تفسيرها بشكل أعمق وأصدق وفسرت هذا بأنه العطاء الجديد للقرآن الكريم ولكن المهاجمين لى حملوا مشاعل الثورة ضدى وقالوا كيف يفسر القرآن وهو ليس بأزهرى ويرتدى بدلة ولا يرتدى الجلباب فكنت أضحك من حجتهم هذه وأقول يا حسرتاه على الدين الذى تتحكم فيه وتدرسه لأبنائنا تلك العقول التى لا أجد كلمة فى قاموس الوصف تصف أحوالهم..

لكنى كنت دائما أرد عليهم «أنا الذى لم أتعود الرد والدفاع عن نفسى أبدا وأترك من يتكلم ينبح لأن الزمن سيثبت صدق نظرياتى» بعد أن يفيض بى الكيل أقول «تقولون إنكم ترفضون تفسيرى للقرآن وتدخلى فى شؤون الدين لأننى لست أزهريا ولا أنتمى إلى هيئة تدريس من علماء العالم الإسلامى فيقولون نعم.. فأقول ما قولكم فى سيدنا أبى بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وعقبة بن نافع إلى آخر الصحابة.. فيقولون لا غبار عليهم.. يعنى لم يتخرجوا من الأزهر الشريف ومع ذلك تأخذون العلم عنهم فكانوا يصمتون!!
ولكن أكثر ما تأثرت كثيرا فى موجة كتاب «تفسير القرآن» عندما هاجمتنى بنت الشاطئ رغم أننى بعد أن اجتهدت وكتبت لم أشرع فى طباعة الكتاب قبل أن أعطيها نسخة منه لتطلع عليها وتقول رأيها فيه وذلك لأنى كنت أقدر وأعتز بآرائها فى قضايا الدين فهى كانت عالمية فى مجالها بمعنى الكلمة وفوجئت فى أحد الأيام باتصال تليفونى تطلب منى زيارتها فى منزلها فذهبت وعلى الفور وبمجرد أن شاهدتنى قالت لى «إيه الأسلوب الرائع ده.. اجتهاد رائع.. وعمل تحسد عليه..

وسيلاقى إعجاب الجميع» وقالت «اخترت للكتاب اسم ولا لسه فقلت لها هيكون شرف ليه لو اقترحتى عليه اسم» فقالت اسمع سمه «التفسير العصرى للقرآن» وبالطبع الاسم أعجبنى كثيرا وعلى الفور أطلقته على الكتاب ولكنى تأثرت كثيرا وكنت أسأل نفسى لماذا فعلت هذا وهى من أطلق على الكتاب اسمه وهو دليل على أنها اقتنعت بمضمونه الذى يحمل رؤية جديدة للتفسير فقد أحزننى كثيرا هجومها على وعلى الكتاب فى جريدة الأهرام التى قالت فية «إننا لا يجب أن نتورط إلى المزلق الخطر الذى يمكن أن يتسلل إلى عقول أبناء هذا الزمان وضمائرهم فيرسخ فيها أن القرآن إذا لم يقدم لهم علوم الطب والتشريح والرياضيات والذرة فليس صالحا لزماننا ولا جديراً بأن تسيغه عقليتنا العلمية ويقبله منطقنا العصرى هكذا باسم العصرية نغريهم بأن يرفضوا فهم القرآن كما فهمه الصحابة فى عصر البعث ومدرسة النبوة ليفهموه فى تفسير عصرى من بدع هذا الزمان»

واتهمتنى بأننى نموذج لمن يتكلمون فى القرآن بغير علم وأنها تخشى على الدين الإسلامى والقرآن الكريم من بدع التأويل بالرأى والهوى وأخرجت كتاباً كاملاً تهاجمنى فيه ولم أعرف حتى اليوم سر هذا العداء الرهيب الذى حملته لى رغم أنها وافقت على الكتاب قبل طباعته وقالت تفسيرك عصرى وجميل ولذلك أطلق اسم التفسير العصرى على كتابك «وهجوم بنت الشاطئ وكتابها سيكون موضوع حلقة قادمة»..
ثم حدث هجوم رهيب ضدى وضد كتابى من الجماعات الإسلامية وتعرضت للتهديد بالقتل منهم أكثر من مرة عن طريق التليفون وعن طريق خطابات البريد وكنت أعيش فى حالة من القلق والحياة غير المستقرة ليس خوفاً على حياتى ولكن على حياة أبنائى..

فأنا تعودت على تلك الحياة المليئة بالمغامرات ولكن انتهى الهجوم كما يحدث دائما بعد أن استقر العلم وأصبح اتجاها مستقرا فى الأذهان برغم أنف الجميع لأننى حين قلت التفسير العلمى فإننى لا أعنى بذلك القرآن ككل وإنما الآيات الكونية وهى آيات محدودة وتتناول الفلك والنجوم والسماوات والجبال فلابد أن يظل باب الاجتهاد مفتوحاً وغير مقصور على فئة معينة من الناس فلا يمكن أن يحصل رجل الدين فى الإسلام على مكانة الحاخام عند اليهود أو البابا فى المسيحية أو الخومينى عند الشيعة حتى يصبح له مكانة أكبر من الإله ويشرع على أهوائه ويكفر من يشاء فرجل الدين له احترامه ومنزلته ورمز للإسلام

ولكنه ليس إلها أو نبياً مرسلاً ومن الطبيعى أن يحمل نظريات خاطئة وليس الدين مقصوراً عليه وحده فمازلت لا أعلم لماذا يغضب هؤلاء رغم أن علم الفلك ليس تخصصهم والآيات الكونية أيضا ليست تخصصهم وهؤلاء يتصورون أن القرآن نزل للسلف ولقريش فقط وهذا غير صحيح فنحن مدعوون لأن نتدبر القرآن والله سبحانه وتعالى يدعونا لأن نتدبر «ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر» وإذا كان هؤلاء يؤمنون بالتخصص فكل ما ورد فى الموضوعات العلمية والفلكية لا يدخل فى تخصصهم.

وبعد كل ما دار من أزمات ومواجهات وإصرارى على مواجهتها بشجاعة لأثبت صحة رؤيتى المختلفة لتفسير القرآن.. كان كتابى التفسير العصرى للقرآن وباعتراف الصديق والعدو هو البوابة التى حطمت احتكار الدين على أصحاب العمائم مرتدى العمة والكاكولة خريجى الأزهر الشريف الذى أقدره وأحترمه.. وكان هذا يعد بمثابة مبادرة ودعوة لدخول الكثير من المجتهدين بعد ذلك وربما نرى بعضهم على الساحة الإعلامية الآن من الدعاة المودرن مرتدى البدل والكرافتات»..

وقمت بعد ذلك بإصدار العديد من الكتب الخاصة بالدين الإسلامى والأديان الأخرى بداية بكتاب الله والسر الأعظم ورأيت الله والتوراة والإنجيل والبهائية قبل أن يعرفها الناس ويظهر أتباعها على الساحة الإعلامية، والكثير من الأعمال الأخرى حتى وصلت مجموعة مؤلفاتى اليوم إلى تسعة وتسعين كتاباً ولكن لم يقف اجتهادى عند هذا الحد الذى مازلت أعتبره بسيطاً.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin


عدد المساهمات : 672
النشاط : 1661
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: مذكرات دكتور مصطفى محمود .. الجزء الواحد والعشرون .. أزمة القرآن وانتقادى لكتاب مصر    الخميس ديسمبر 19, 2013 11:56 pm


إن غض البصر.. وخفض الطرف.. وطلب العلم من الله فى انكسار.. والحياء من غناك إذا كنت غنيا ومن علمك إذا كنت عالما ومن جاهك إذا كنت وجيها ومن سلطانك إذا كنت صاحب سلطان، صفات ذكرها القرآن بكل وضوح■ ماذا بعد الجهل بنفسك من جهل أيها الإنسان وعسى أن يقربك شعورك بعجزك من الرفق بكل عاجز فاعرف نفسك لأن هذه هى أصعب المعارف، وإنها هى المعرفة الكبرى التى إذا بدأت لا تنتهى هذه هى بداية العلم الحقيقى الذى يورث الأدب مع الله..

هاجموه لأنه كان يحاول دائما أن يدخل سراديبهم المظلمة.. لينقيها وينظفها من خفافيش الظلام.. كانت مشكلته التى يعانى منها أنه لا يستطيع أن يشاهد الأخطاء تقع ويقف صامتا، وهذا كان موقفه فى الموضوعات العادية، فما بالكم إذا كان هذا الخطأ يحدث فى شرح وتفسير القرآن الكريم،

لذلك لم يتحمل فيلسوف الشرق الدكتور مصطفى محمود كل هذه المخالفات التى تحدث من كبار العلماء فى تفسير الآيات الكونية، وصمم على أن يخرج كتابه «التفسير العصرى للقرآن»، ذلك الكتاب الذى أشعل حرب الهجوم من جديد، بعد أن كانت هدأت لسنوات، وهى الحرب التى بدأتها بنت الشاطئ، كما ذكرنا فى حلقة سابقة وكما سنتحدث عن هجومها بالتحديد فى حلقة مستقلة، وفتح بوابة كبيرة من الجدل بين المؤمنين والرافضين.. المؤيدين للإعجاز العلمى للقرآن والكافرين به.. بين عقول متلهفة لمعجزات جديدة تكتشف فى المعجزة الأكبر (القرآن الكريم)، وبين قلوب سلفية رفضت قبول أى جديد فى هذه المعجزة الكاملة.. لم يسبقه أحد إلى تفسير القرآن تفسيرا جديداً فى عصر الفضائيات والقمر والموبايل وجاليليو.

عندما فتحنا له الباب ليتكلم فى هذا الموضوع أبدى أولاً دهشته لعدم استطاعتنا حصر العاملين فى مجال الإعجاز العلمى للقرآن تحت راية الدكتور زغلول النجار، لكننا بالفعل لم نستطع حصرهم فقد زادوا واتسعت مجالاتهم حسب تخصصهم العلمى وزادوا أيضا خارج الدول الإسلامية.

وقال فيلسوف الشرق وعالمنا الكبير الدكتور مصطفى محمود: «عندما قلت إن آذاننا أصبحت لا تجد من القرآن السحر والذهول من الحقائق والبلاغة كما كان يحدث ممن سبقونا، طبعا كلنا نشعر بذلك منذ كنا صغارا يعلمون لنا القرآن بالحفظ فقط دون فهم، هذا بالإضافة إلى لغتنا العامية التى أبعدتنا عن أصول لغتنا مما أجهلنا بمعان كثيرة من الممكن أن نفهمها.. كنت أبحث عن لحظة صفاء ينزع الواحد فيها نفسه، ويرتد فيها طفلاً بكراً وترتد له نفسه على شفافيتها كفيلة بأن تعيد إليه ذلك الطعم الفريد.. نعم كنت أقصد ذلك.. كتاب الله محفوظ ليس بأيدينا لكن بأيدى خالقنا وخالقه طبقا للآية الكريمة التى تقول: «إن نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون»،

ولذلك فقد وضع الله فيه أسباب حفظه وبقائه.. وفائدة التفسير الجديد هو التحديث والتطوير ليصل إلى العقول فى عصر الميكروسكوب والخلايا والنيترون والفضاء.. ببساطة هل المفروض أن يقدم للعرب قديما وهم سكان البادية ورعاة الأغنام والإبل ما يقدم الآن لعالم فضاء أو مهندس ذرة.. نفس المادة وهى كتاب الله الحكيم لكن الاختلاف هنا بين العصرين، والوسيلة التى سيقدم عليها وبها بمعنى آخر على أى طبق أو بأى معنى. هل المعنى الذى تحدث به المفسرون القدامى أم أننا بحاجة إلى طريقة ووسيلة حديثة وجديدة ومعاصرة لمواجهة هذا العصر..
هذا هو ملخص مشكلة التفسير العلمى للقرآن الذى أطلقته منذ ٤٠ عاما وكان بداية لانفجار مدرسة الإعجاز العلمى للقرآن لأننى أيقنت أننا سنواجه طفرة علمية قادمة وهى التى وصلنا أو بمعنى أدق وصل إليها العالم الآن ومازالت تتطور، وكنت أخاطب نفسى هل سيستطيع أحفادى أن يتمسكوا بالقرآن فى تلك العصور ووجدت نفسى أجاوب بنعم ولكن.. وفى لكن تكمن كل الأشياء.. أن يتم تحديث الخطاب وهو التفسير ويكون مواكباً للعصر الذى نعيش فيه ووجدت أن من رحمة الله بنا أن القرآن لا يتغير بتغير الأزمنة وأنه التشريع الثابت لعالم ومجتمعات تتغير وأنه قابل للتفسير العصرى للأزمنة المختلفة..

وببساطة عندما تجد مشركاً بالله متأففا داخل نفسه من ديننا الحنيف ويتصور ويقول إن ديننا يصلح للبادية فقط.. ثم تقرأ عليه آية «غلبت الروم فى أدنى الأرض» ثم تأخذه من يده إلى الموقعة والمكان الذى غلبت فيه الروم فعلا فى حربها الشهيرة، ويكتشف فعلا أن الموقعة التى دارت فيها الحرب من الناحية الجغرافية «بالمصطلح المعاصر»، هى أقل المواقع انخفاضا جغرافيا على كوكب الأرض وهى النتيجة المذهلة التى لم تكتشف إلا فى القرن الحادى والعشرين بواسطة أهم علماء الجغرافيا والطبوغرافيا فى العالم وأحدث أجهزتهم، وتتخيل منظر العلمانى المتأفف من دينك الحنيف، وهو يفتح فاه فى ذهول كالأهبل بالضبط، وهو يرى القرآن الحكيم، وقد ذكر تلك النظرية الحديثة منذ ٢٠٠٠ عام ويخر ساجداً موحداً بخالق العالمين!!

هل وصلكم مقصد تلك الرؤية الحديثة بهذا النموذج المبسط، وهل عرفتم فوائدها، إذن المقصد هو إضفاء روح العلمية على الكتاب الحكيم وهو الشىء الذى سيظهر له بالتأكيد غاضبون وسيخرجون من جحورهم رافضين هذا المنهج العلمى المتطور الذى يثبته القرآن، لكن حال الفرق المختلفة والمدارس المتنوعة فى علم التفسير على طوال التاريخ كان هو الاختلاف والتنافس ولكن مع قبول الآخر فهو الأمر الذى سيعلى من شأن الاختلاف ويقويه ويزيد من أهمية الطرفين، ويزيد أيضاً، وهذا هو الأهم، من روح الابتكار والاجتهاد لكى يحاول كل طرف إثبات رأيه ومنهجه، ولكن ما يحدث هنا عجباً فى زمننا هذا الذى يحول التفكير إلى تكفير،

كما أننى لست الوحيد من المعاصرين الذى حاول تفسير القرآن تفسيراً عصرياً بل إن أحد عمالقة جيلى، مثل عباس محمود العقاد، قد حاول تفسير القرآن تفسيراً عصرياً لكنه لم يستطع أن يكمله لأن القدر الإلهى كان قد تدخل ووافته المنية، وقد هاجمته عائشة عبدالرحمن «بنت الشاطئ» بالفعل، وكان ما حدث بينهما كالتالى: فبعد إعلانه أنه بصدد إنهاء تفسيره الحديث للقرآن، ووجد ما دار من جدل بينها وبين العقاد فى هذه القضية، وبعد أن كتب العقاد كتاباً بعنوان «المرأة فى القرآن» أورد فيه فقرات فيها انتقاص للمرأة، فأورد أن النظافة ليست من خصائص الأنوثة، واعتبر أنه من الضلال فى الفهم أن يخطر على بال أحد أن الحياء صفة أنثوية، وكذب مقولة أن النساء أشد حياء من الرجال،

وعلى هذا المنوال أخذ العقاد يكيل الاتهامات للمرأة، وكان هذا العنف ضد المرأة ما دفع بنت الشاطئ للهجوم عليه والرد بمقالات صحفية تحت عنوان: «اللهم إنى صائمة» انتقدت فيها العقاد بعنف شديد، فما كان من العقاد إلا أن وجه سهام نقده اللاذع إليها بشكل أعنف وأقوى، فهو كان عبقرياً فى الهجوم، معتبرا إياها المثال الوحيد الماثل أمامه على تناقض المرأة، وواصفا إياها بأنها «الست» مفسرة القرآن، فأنا أذكر هذه القصة لأقول إن بنت الشاطئ كانت تستهدف أى شخص يحاول الكتابة عن القرآن وكأنها أصبحت تملكه،

وعندما هاجمتنى لم أرد عليها بكل هذا العنف الذى استخدمه العقاد فى الدفاع عن نفسه، وهذا حقه المشروع الذى لا أنكره عليه، لأننى كنت أقدر علمها وأحترمها، واكتفيت بأننى اتخذت منها موقفاً على طول الخط، ثم فوجئت بعد ذلك بأن هناك هجوماً ضدى ليس من داخل مصر فقط ولكن من الخارج أيضا، ووجدت أن هناك مجموعة من الكتيبة السلفية فى السعودية تهاجمنى بشدة وتتهمنى بالكفر والشطحات، وهنا وجدت أننى لا أستطيع تحمل الاتهامات التى تلصق بى أكثر من هذا، وأننى لابد أن أرد عليهم وكان من بين من هاجمونى الكاتبة السعودية سهيلة زين العابدين، وهى التى هاجمتنى على الملأ بالكلام التالى: «إنك خضت فيما ليس لك به علم..

أولا بدأت بتفسير القرآن تفسيرا عصريا، وأخضعته لمفاهيم ونظريات علمية، ولكن القرآن لا يخضع أساسا للقوانين العلمية لأنه كتاب منزل من عند الله ولا نستطيع أن نفسره بموجب الاكتشافات العلمية، لأن هذه الاكتشافات قابلة للتغيير فلو ربطنا القرآن الكريم بهذه الاكتشافات العلمية والقوانين ثم حدث بعد ذلك أى تغيير فى هذه الاكتشافات، فسوف يكون هناك تناقض مع ما جاء فى القرآن حسب التفسير الأول وهذا حقيقة ما يسعى إليه أعداء الإسلام،.

ولقد حاول «مونتجمرى» و«ريتشارد بيل» من خلال دراسة عن القرآن الكريم وقالا إنهما لم يجدا فيه ثغرة يمكنهما من خلالها أن يثبتا عدم مصداقية القرآن رغم محاولاتهما المستمرة ومع هذا يحاولان التشكيك فى القرآن.. وذكرت أن الاستعمار البريطانى طلب من السيد «ميرزا أحمد» المؤسس الرئيسى للقاديانية أن يفسر القرآن التفسير العصرى وأن يربطه بالعلم للنيل منه، وقالت إننى الآن أسير على نفس النهج وإننى أقع فى شطحات كثيرة واتهمتنى أيضا بأننى فسرت خلق الإنسان حسب نظرية «داروين» أى أنه خُلق حيواناً، وقالت إن كتب التفسير جميعها سواء كانت التفسير المأثور أو التفسير بالرأى لا تختلف عن تقرير وجهتين:


الأولى أن الله سبحانه وتعالى أخبر الملائكة بأن ذرية خليفته فى الأرض يفسدون فيها ويسفكون الدماء، وقالت إننى اكتفيت بدلالة ما قد ظهر من الكلام وهذا معروف فى القرآن وفى اللغة، ولكن جهلى فى اللغة أوقعنى فى المحظور وذكرت تفسيرى لآية داخل صفحات كتاب التفسير العصرى للقرآن وهى «ولقد خلقناكم ثم صورناكم» وقال تفسير لها إن آدم مر بمراحل التخليق والتصوير والتسوية واستغرقت ملايين السنين، وهنا قالت: لو تأملت سورة آل عمران التى يقول فيها جل شأنه «إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون» وقالت: فهل خلق عيسى، عليه السلام، فى رحم أمه استغرق ملايين السنين، ومر بأطوار حيوانية مفترسة كما زعمت يا دكتور؟».

هنا وجدنا أنفسنا شغوفين بالاستماع إلى رد الدكتور مصطفى محمود على كل هذه الاتهامات، حيث قال بعد أن صمت لدقائق: «كان ردى على الاتهامات أنها كعادة كل المهاجمين لم تقرأ كتابى وتهاجمنى عن عدم فهم لما أكتب، وهنا يجب أن أذكر جانباً مهماً لم أتحدث عنه من قبل، وهو لماذا أنا بالتحديد اتخذت قرار تفسير القرآن فى هذا الوقت، والإجابة التى ستذهل الجميع هى أننى كواحد من كتاب مصر وجدت أن الكثير من أصدقائى المفكرين والكتاب يدعون إلى هدم الدين وعدم التمسك بالقرآن الذى لم يعد يصلح لهذا الزمان وهذا العصر، وكان نتيجة ذلك أننى اختلفت معهم رغم أن بينهم أصدقائى،

وكان من هؤلاء الكتاب: توفيق الحكيم، وطه حسين، وإحسان عبدالقدوس، ويوسف إدريس، وأدونيس، ونزار، والبياتى، ونوال السعداوى، ونجيب محفوظ، وعبدالله الغذامى، وصلاح عبدالصبور، ومحمد العلى، وأمل دنقل، وبدر شاكر السياب، وفوزية أبوخالد، ونجاة عمر، وعبده خليل، وغيرهم كثيرون فى كل أنحاء الوطن العربى، وهنا سأوضح ردودى ومأخذى على كل واحد منهم بما كتبوا بأنفسهم وليس بما أكتب أنا الآن، حيث وجدت أن توفيق الحكيم أنكر الشهادتين، وذكر أن الإنسان عليه أن يكتفى بالإيمان بهما دون اللفظ،

وقال إن إرادة الله تعادلى إرادة الإنسان فى كتابه «التعادلية» حيث ذكر فى طيات صفحاته أن الإنسان خُلق ليحارب القوى الإلهية وهو متأثر بالفكر الإغريقى فى «أهل الكهف»، وفى مسرحيات «سليمان الحكيم» و«شهر زاد» و«الملك أوديب» يتضح الأثر الوثنى الإغريقى على فكر توفيق الحكيم، فى كتابه «راقصة المعبد» فقد جعل توفيق الحكيم الفن إلها يعبده ويستغفره ويسجد له ويستجير به، وفى كتابه «الشهيد» صوّر الشيطان بالشهيد الذى رفضت توبته، وفى مسرحية «أهل الكهف» خالف النص القرآنى تماما واعتبر أن قصة أهل الكهف والقصص القرآنية هى من إبداع العقلية العربية الإسلامية وأنكر واقعية القصص القرآنى، 

وفى مسرحية «محمد رسول الله» نظر للرسول، عليه الصلاة والسلام، على أنه بشر فقط ولم ينظر إليه على أنه بشر ورسول، وفى الحديث النبوى الشريف «حُبّب إلى الطيب والنساء وقرة عينى هى الصلاة» ذكر الشطر الأول من الحديث وحذف قرة عينى هى الصلاة كما يفعل المستشرقون، وذكر أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، تزوج بعد كل غزوة وأن له جلادا، وفى قصة سليمان الحكيم حوّل هذه القصة إلى حب وغرام وسحر ونظر إلى سيدنا سليمان نظرة اليهود، وقال إن العرب أمة لا ماضى لها ولا تاريخ وإنهم أمة تجرى وراء اللذة والمتعة ودعا إلى الفرعونية والاشتراكية.

كما أننى انتقدت أدب طه حسين ونجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس وغيرهم ممن لهم قراء وجمهور كبير فى الوطن العربى، رغم أنهم أصدقائى، ومع ذلك هاجمتهم بشدة من خلال مجهر التصور الإسلامى.
فقلت وبكل صراحة إن طه حسين متأثر بالمستشرقين، خاصة اليهودى «مارجليوث»، ولقد تعمقت فى أدب طه حسين ودرسته جيداً، خاصة كتبه الإسلامية مثل: «فى الشعر الجاهلى» و«الوعد الحق»، و«مرآة الإسلام»، و«الفتنة الكبرى»، و«الشيخان»، وأمعنت النظر فى «الأيام»، و«حديث الأربعاء»، و«ابن خلدون» وغيرها من الكتب فوجدت أنها جميعا تظهر بوضوح تأثير الفكر الاستشراقى فى فكره، وهذا ليس غريبا وهو أيضا لم ينكره بل يعترف به،

وحين وضعته تحت مجهر التصور الإسلامى كان مأخذى عليه، أنه أخضع القرآن الكريم والتاريخ الإسلامى لمنهج الشك الديكارتى، وأنه قصر القرآن الكريم على الأمة العربية وليس للناس جميعا حيث قال: «إن الدين الإسلامى دين للعرب وحدهم وقد نزل لإصلاحهم فى فترة زمنية معينة وقد انتهى دوره» وأنكر ما جاء عن النبى، صلى الله عليه وسلم، فى التوراة والإنجيل، وشكك فى نسب الرسول، صلى الله عليه وسلم، وفى الحنيفية ملة إبراهيم، وقد ثار عليه الأزهر فى حينها وتراجع عن بعض آرائه، ولكننى وجدت أنه، باختصار، يطبق فكر «مارجليوث» ونظريته فى الشك على ثوابت الإسلام، وأخضع الأسلوب القرآنى للنقد، وهذا ما أثارنى وحفزنى على إخراج كتابى، وقد أوجد مادة عندما كان يدرس فى جامعة فؤاد الأول اسمها «نقد القرآن الكريم» ودعا طه حسين إلى الأخذ بالحضارة الغربية بخيرها وشرها وحلوها ومرها.

أما نجيب محفوظ فاسمحوا لى أولا أن أوضح أننى لم أهاجم نجيب محفوظ ولم أوجه له التهم لأننى أقدره ككاتب وأحترمه كصديق، لكنه هو الذى أدان نفسه ولست أنا، وهذه النقطة الأساسية هى التى أود توضيحها بالنسبة لكل من تصديت لهم فأنا لم أدع عليهم ولم أفتر، بل أدبهم وفكرهم ومنهاجهم هى التى تدينهم والنصوص موجودة داخل كتبهم ولم تستطع الهروب والإفلات منها، فنجيب محفوظ عليه الكثير من المآخذ،

فقد جعل الله سبحانه وتعالى أباً، وجعل له زوجة وأبناء وقد أقر به بهذه الصور فى كتب «أولاد حارتنا»، و«الشحاذ»، و«ثرثرة فوق النيل»، و«بداية ونهاية»، وقد ذكر الأستاذ جورج طرابيشى فى كتاب «الله فى رحلة نجيب محفوظ» مبينا أن نجيب رمز إلى الله عز وجل، فى هذه القصص بالأدب، فكتب له نجيب محفوظ رسالة قال له فيها: «أقر أن استدلالاتك خير من عبر عنى فيها»، وقد نشر طرابيشى هذا الخطاب على الغلاف الأخير من الكتاب حتى يبرئ نفسه من أى تهمة وحتى لا ينكر نجيب محفوظ هذا الخطاب الممهور بتوقيعه،
كما أننى كنت أنتقد ترويجه للإباحية والعبثية فى كتبه التى تظهر من خلال كتبه «اللص والكلاب» و«الطريق» و«عبث الأقدار»، كما تأثر بالماركسية والاشتراكية وفصله بين المادة والروح، وغلب على كتاباته الانتماء اليسارى، كما ظهر فى «الثلاثية»، كما تحدث فى «ثرثرة فوق النيل» عن غياب الله.

وكذلك أدب إحسان عبدالقدوس هو الذى يدينه، فلقد استبعد إحسان الدين تماماً من قصصه، وإذا ذكر جانباً دينياً نجده يصور الاتجاه الآخر بالقوة، الفرويدية والوجودية ظاهرة فى قصص عبدالقدوس وبطلات وأبطال قصصه تسيرهم الغريزة الجنسية، وهى المحور الأساسى بكل شخصياته، وقد برر الخيانة الزوجية، وفى قصة «أرجوك أعطنى هذا الدواء» جعل علاج الخيانة الزوجية، من الزوج لزوجته أن تقوم الزوجة بالخيانة أيضا، وأن تكون لها علاقات برجال آخرين،

وبذلك تتساوى شخصيتها مع شخصه، وعندما رفضت الزوجة فكرة الخيانة اتهمها طبيبها بأنها تسير على تقاليد متحفظة، وقد درست أدب إحسان واتضحت لى معالم فكره وأدبه ورأيت أنه فى مجمله يمثل الأدب المكشوف، وأن له نظراته الخاصة لله، عز وجل، وللكون والحياة، وهى نظرة جمعت بين العلمانية والواقعية والاشتراكية والإسماعيلية والفرويدية والوجودية والسارترية، وتبين من خلال دراستى بعده عن المنهج والمنظور الإسلامى، وعن التصور الإسلامى للألوهية والدين والحلال والحرام،

وهذا يتجلى فى أبطاله وبطلات أعماله عن الدين، فهم لا يندمون لارتكاب الفواحش ولا يصومون ولا يصلون، ولا يرون ضررا فى إقامة العلاقات غير الشرعية، وقد جعل الحب فوق الحلال والحرام، وهاجم الحجاب، والفصل بين الجنسين، وقال إن شرف البنت وعذريتها من التقاليد التى يجب التمرد عليها، وهناك المئات من الأمثلة.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin


عدد المساهمات : 672
النشاط : 1661
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: مذكرات دكتور مصطفى محمود .. الجزء الثانى والعشرون . الهجوم على تفسيرى لـ «القرآن» لم يرهبنى    الخميس ديسمبر 19, 2013 11:59 pm


■ ببساطة هل المفروض أن يقدم للعرب قديماً «وهم سكان البادية ورعاة الأغنام والإبل» ما يقدم الآن لعالم فضاء أو مهندس ذرة.. نفس المادة، وهى كتاب الله الحكيم، لكن الاختلاف هنا بين العصرين الوسيلة التى سيقدم عليها وبها.. بمعنى آخر على أى طبق أو بأى معنى؟ هل المعنى الذى تحدث به المفسرون القدامى أم أننا بحاجة إلى طريقة ووسيلة حديثة وجديدة ومعاصرة لمواجهة هذا العصر؟

■ هذا هو ملخص مشكلة التفسير العلمى للقرآن الذى أطلقته منذ أربعين عاما وكان بداية لانفجار مدرسة الإعجاز العلمى للقرآن، لأننى أيقنت أننا سنواجه طفرة علمية قادمة، وهى التى وصلنا أو بمعنى أدق وصل إليها العالم الآن، ومازالت ستتطور وتتحدث وكنت أخاطب نفسى هل سيستطيع أحفادى أن يتمسكوا بالقرآن فى تلك العصور.

لم يتعمد الفارس المتمرد.. فيلسوف الشرق.. الدكتور مصطفى محمود إحداث الضجة الإعلامية حوله من أجل الظهور على الساحة، ليصبح من المشاهير كما قالوا عنه خلال الأزمة التى وقعت بعد صدور كتابه فى تفسير القرآن، ولم يكن مجرد مفكر تأخذه شطحاته إلى الهلاك وتدخل به سراديب تغوص فى ظلام الكفر والعلمانية كما قالوا عنه أيضا خلال تلك الفترة..
بل هو مفكر أراد الخير لأمته الإسلامية وأراد أن تتوقف لتتأمل الخطر الذى تقبل عليه، وعندما تحدثنا مع الدكتور مصطفى محمود حول تلك الأزمة حفزناه على استرجاعها بنفس الحماس الذى واجهها به فى وقتها، إذ قال: كثيرون هاجمونى، وأخرجوا كتبا عديدة لمواجهتى، ولكننى كنت أقول دائما أمام الجميع إن كل هذه الكتب التى خرجت ضدى لم تستطع أن تحرك شعرة فى رأسى، لأنه كما كان هناك معارضون كان هناك مؤيدون من كبار الأئمة والعلماء فى مصر والعالم الإسلامى،

وفى تلك الفترة كنت أواجه أسئلة سخيفة لا تنم إلا عن سلفية سائليها، وكان أول هذه الأسئلة هو: هل تمتلك مؤهلات المفسر العصرى للقرآن وأنت طبيب ومؤلف وكاتب صحفى ولم تدرس فى الأزهر الشريف من قبل؟ وكنت أجيب: رغم أننى لست من أصحاب العمائم ولم أدرس فى الأزهر فإننى أستطيع تفسير القرآن لأن مؤهلات المفسر العصرى للقرآن تقوم على أمرين أمتلكهما، حيث وهبنى الله تلك الملكات والعلوم.. أولهما أن يكون المفسر ملما بحاجة العصر..

وثانيهما أن يكون عالما علما وافيا ودقيقا بحقيقة القرآن.. أما حاجة العصر فالهداية.. فإن البشرية لم تكن يوما فى التيه كما هى اليوم.. وسمة هذا العصر هى القلق والحيرة والاضطراب.. هذا عصر الثورات »الثورة الثقافية والثورة الجنسية وثورة الشباب« وكلها دليل على القلق والحيرة والاضطراب.. فنواجه فى هذا العصر »الهيبز« وهم جماعات من الشباب من الجنسين يزيد عددهم كل يوم ويستطير شرهم كل يوم حتى عمًّ جميع الأقطار.. يقوم مجتمعهم على الرفض فهم قد وجدوا مجتمع الحضارة الغربية الآلية مجتمع إنتاج واستهلاك فقد فيه الإنسان المعاصر روحه وقيمته وحريته واستحال إلى آلة تنتج وتستهلك فرفضوه ورفضوا معه كل عرف ودين..

فنزعوا إلى صور من مجتمعات الغابة فهم يلبسون المرقعات ويسيرون حفاة ويرسلون شعورهم ويبيتون على الأرصفة وفى الطرقات ويستبيحون بينهم من العلائق الجنسية ما ظلت البشرية على صيانته حريصة خلال تاريخها الطويل.. هم يبحثون عن حريتهم وعن إنسانيتهم وعن فرديتهم فلا يجدون غير الضياع وغير القلق والاضطراب.. ثم توقف عن الكلام لأنه شاهد فى عيوننا الدهشة لإلمامه بكل هذه الظواهر وهو فى عزلته،
وبالتالى سألناه: هل تدرك هذه الظواهر وتهتم بها وهل سعيت لإيجاد الهداية لها من القرآن بتفسيره العصرى وما هى حقيقة القرآن؟ فقال بصوت هادئ وهو يطرد الزفير: القرآن هو العلم المطلق.. وعندما يأذن الله أن يسرع الإنسان فى معرفة المطلق نزله من الإطلاق إلى القيد، فكانت فى قمة القيد تلك الإشارة وفى قاعدة القيد وهى.. العبارة.. فأما العبارة فهى الكلمة العربية..

وأما الإشارة فهى حرف الهجاء العربى.. وأما حقيقة القرآن فهى فوق الإشارة وفوق العبارة.. »ثم توقف الدكتور مصطفى محمود عن الكلام وقال: لا تعتقدان أن هذا هو كلامى بل هو كلام الله« فقد قال تعالى فى ذلك »حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون وإنه فى أم الكتاب لدينا لعلى حكيم« فقوله تعالى »حم« إشارة وقوله »والكتاب المبين« عبارة وقوله »إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون« عبارة تعطى العلة وراء تقييد المطلق وقوله »وإنه فى أم الكتاب لدينا لعلى حكيم« عبارة تحكى بقدر طاقة العبارة عن حقيقة القرآن..

وحقيقة القرآن لا تعرف عن طريق القراءة وإنما تعرف عن طريق الممارسة فى تقليد المعصوم عبادة وسلوكا وهو ما سمى فى أخريات الأيام بـ»التصوف«.. ثم قال مصطفى محمود: دائما كانوا يسألوننى.. هل تؤمن بالتصوف؟ وكنت أجيب دائما: أنا متصوف ولست صوفياً وهناك فرق كبير بين الاثنين.. والدليل على تصوفى كتابى »التفسير العصرى للقرآن« وكتب أخرى كثيرة.. ومهما يكن الأمر فإن البشرية اليوم لا تحتاج إلى تفسير القرآن فقط وإنما تحتاج إلى تأويله.. كما كان يوجه لى سؤال: إن هناك تشابها بين تفسيرك للقرآن والتفسير المسيحى للكتب المقدسة؟..

وكنت أجيب بأنه لا يوجد شبه بيننا على الإطلاق حيث كان الكتاب المقدس محتكرا فى القرون الوسطى لا يطلع عليه غير رجال الدين حتى كانت ثورة مارتن لوثر فى القرن السادس عشر فكسرت الاحتكار وأحدثت ثورة فى الكنيسة وأشاعت الكتاب بين عامة المسيحيين ثم جاءت بتفاسير ثورية متطرفة خرجت على التقليد الذى درجت عليه الكنيسة فى روما وأخرجت للناس المذهب البروتستانتى المعروف.. ومن يومئذ بدأت الثورة تستطير والفرق والمذاهب تظهر والرأى التقليدى فى الدين المسيحى يصبح مجالا للمناجزة، وسلطة البابا تتعرض للتحدى إلى يومنا هذا، حتى تعرضت الكنيسة على عهد البابا بولس السادس لأعنف ما تعرضت له فى تاريخها الطويل من الاختلاف..

وبوضع هذه الأحداث فى الاعتبار لا يوجد وجه للتشابه الذى كانوا يتحدثون عنه، ولكن التفسير المسيحى للكتب المقدسة، على حد تعبيرهم، يقارب بعضه باعتبار أن الفهم الدينى عند من يسمون أنفسهم رجال الدين عندما يتجمد ويتخلف وينشر الإرهاب الفكرى.. يحمى به جموده وتخلفه يدفع إلى ثورة طائشة فى الفكر والعمل.. ولذلك كان تفسيرى للقرآن يمثل ثورة على جمود الفكر الدينى وبداية لكسر احتكار من يسمون أنفسهم رجال الدين عندنا للدين، وإذا اعتبر أحد أن هناك تشابها فسيكون هذا هو التشابه..

وهنا وجدنا أننا لابد أن نتوقف معه عند أكثر هجوم تعرض له فى تلك الفترة، وهو هجوم بنت الشاطئ حيث قال: كانت أعنف المعارك حول الإعجاز العلمى للقرآن المعركة التى أعلنتها الدكتورة بنت الشاطئ ضدى، وكانت تنشر مقالاتها بشكل منتظم فى »أهرام الجمعة« وكانت مقالاتها فى منتهى العنف وكأنها كانت تُكنُّ الكراهية للعلم،

وهنا أتذكر عباراتها الحادة حيث كتبت فى البداية عن كيفية التعامل مع القرآن فتقول: »لابد أن يكون فهمنا لكتاب الإسلام متحرراً من كل الشوائب المقحمة والبدع المدسوسة بأن نلتزم فى تفسيره بضوابط منهجية تصون حرمة كلماته فنرفض بها الزيف والباطل ونتقى أخذة السحر وفتنة التمويه وسكرة التخدير«، ثم تنطلق وكأننى أصبحت عدوا للإسلام ولست حريصا عليه فتقول وتحذر من أن.. »الكلام عن التفسير العصرى للقرآن يبدو فى ظاهره منطقياً ومعقولاً يلقى إليه الناس أسماعهم ويبلغ منهم غاية الإقناع دون أن يلتفتوا إلى مزالقه الخطرة التى تمسخ العقيدة والعقل معاً وتختلط فيها المفاهيم وتتشابه السبل فتفضى إلى ضلال بعيد إلا أن نعتصم بإيماننا وعقولنا لنميز هذا الخلط الماسخ لحرمة الدين المهين لمنطق العصر وكرامة العلم..

« وكنت أحيانا أرد بالطبع على بنت الشاطئ متعجباً ومتسائلاً: »هو انتى زعلانة من إيه؟.. هو فيه حد يزعل من إن كتاب القرآن الكريم يحتوى على نبوءات وتفسيرات علمية«.. ولكنها كانت ترد بشكل عنيف وشرس فتقول: »الدعوة إلى فهم القرآن بتفسير عصرى علمى على غير ما بينه نبى الإسلام تسوق إلى الإقناع بالفكرة السامة التى تنأى بأبناء العصر عن معجزة نبى أمى بعث فى قوم أميين فى عصر كان يركب الناقة والجمل لا المرسيدس والرولز رويس والبوينج وأبوللو.. ويستضىء بالحطب لا بالكهرباء والنيون.. ويستقى من نبع زمزم ومياه الآبار والأمطار لا من مصفاة الترشيح ومياه فيشى ومرطبات الكولا..

ونتورط من هذا إلى المزلق الخطر يتسلل إلى عقول أبناء هذا الزمان وضمائرهم فيرسخ فيها أن القرآن إذا لم يقدم لهم علوم الطب والتشريح والرياضيات والفلك والفارماكوبيا وأسرار البيولوجيا والإلكترون والذرة فليس صالحاً لزماننا ولا جديراً بأن تستسيغه عقليتنا العلمية ويقبله منطقنا العصرى«.. هكذا كانت تتكلم بنت الشاطئ فى هجومها ضدى وكانت تقول أيضا: »الذى لا أفهمه وما ينبغى لى أن أفهمه هو أن يجرؤ مفسرون عصريون على أن يخرجوا على الناس بتفاسير قرآنية فيها طب وصيدلة وطبيعة وكيمياء وجغرافيا وهندسة وفلك وزراعة وحيوان وحشرات وجيولوجيا وبيولوجيا وفسيولوجيا.. إلخ،

إما أن أتخلى عن منطق عصرى وكرامة عقلى فآخذ فى المجال العلمى بضاعة ألف صنف معروضة فى الأسواق.. وإما أن أتخلى عن كبرياء علمى وعزة أصالتى فأعيش فى عصر العلم بمنطق قريتى حين يفد عليها الباعة الجوالون بألف صنف يروج لها ضجيج إعلانى بالطبل والزمر عن كل شىء لكل شىء أو بتاع كله فى فكاهتنا الشعبية الساخرة بالادعاء«.. فكان تشبيهها لدعاة الإعجاز العلمى بالحواة تشبيهاً خاطئا وحاداً وأخطأت فى ردها على إعجاز بيت العنكبوت،

وهو عملية اكتشاف تأنيث القرآن للعنكبوت فهذا إعجاز علمى فى قوله تعالى »مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً« وهذا يعد من الإعجاز العلمى لأن العلم كشف مؤخراً أن أنثى العنكبوت هى التى تنسج البيت وليس الذكر وهى حقيقة بيولوجية لم تكن معلومة أيام نزول القرآن ولكن بنت الشاطئ أخطأت حين قالت: »إن مصطفى محمود وقع فى خطأ لا يقع فيه المبتدئون من طلاب اللغة العربية،

فالقرآن فى هذه الآية يجرى على لغة العرب الذين أنثوا لفظ العنكبوت من قديم جاهليتهم الوثنية كما أنثوا مفرد النمل والنحل والدود فلم يقولوا فى الواحد منها إلا نملة ونحلة ودودة وهو تأنيث لغوى لا علاقة له بالتأنيث البيولوجى كما توهم المفسر العصرى، فأى عربى وثنى من أجلاف البادية كان ينطقها هكذا فأين الإعجاز العلمى فى هذا الكلام؟«.. بكل بساطة كانت هذه هى معركة بنت الشاطئ معى »رغم أنها أول من شجعنى على نشر كتابى وهى التى اختارت الاسم له كما قلت من قبل« ولقد لجأت إلى مقالاتها لحل معركة داخلية ومشكلة شخصية فكرية كادت تعصف بى كان محورها ما أؤمن به من إعجاز علمى، ولكن رغم كل ما واجهته من هجوم ونقد فإن ما توقعته وتوصلت إليه من سنوات يتحقق الآن على أرض الواقع.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin


عدد المساهمات : 672
النشاط : 1661
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: مذكرات دكتور مصطفى محمود .. الجزء الثالث والعشرون .أيام التكفير الثالث فى أزمة «الشفاعة»    الجمعة ديسمبر 20, 2013 12:10 am


■ أثارتنى كثيراً قضية السلبية التى يعتنقها الكثير من المسلمين، والاتكالية التى يجاهرون بها معتمدين على قضية شفاعة رسول الله سيدنا محمد للمسلمين أجمعين
لا أستطيع تخيل أن يخرج العصاة من النار ويدخلون الجنة لمجرد الشفاعة.
■ كنت أتساءل: كيف يكون هناك فى النهاية وأمام العدل الإلهى واسطة أو «فيزا كارت» و«كوسة» لدخول الجنة.
■ هل يعقل أن يتوسط الرسول للعصاة والزناة والقتلة من المسلمين ليدخلهم الجنة ويساوى بين الصالحين؟!
■ يجب أن يتخلى المتصوفون عن مقولتهم الاتكالية «افعل ما تريد وصلى على الشفيع»، ففيها منتهى الاتكالية وإباحة ارتكاب المعاصى.

مشكلته الحقيقية التى كانت تثير الآخرين ضده أنه كان طموحا.. مغامرا.. منقبا.. مكتشفا.. رائدا فى كل شىء، بداية بظهور الفكرة إلى تنفيذها.. هذه باختصار صفات اكتسبها عالمنا الكبير الدكتور مصطفى محمود.. لم يقبل مجرد تلقى الدين بالوراثة، أراد أن يبحث ويكتشف ويفكر ويخرج بنتائج جديدة لم يصل إليها أحد من قبل.. نتائح جعلت نفوس الكثيرين تحمل له الضغينة، وهنا يقول مصطفى محمود: «دائما كنت أتمرد على المسلمات خاصة الدينية، فكيف أتلقى الدين بدون تفكير، وقد وهبنا الله عقولا ميزنا بها على جميع مخلوقاته،

وبالفعل أثارتنى كثيرا قضية السلبية التى يعتنقها الكثير من المسلمين، والاتكالية التى يجاهرون بها على قضية شفاعة رسول الله سيدنا محمد للمسلمين أجمعين حتى يخرج العصاة من النار ويدخلهم الجنة وكنت كثيرا أفكر فى هذه القضية وأقول: كيف يكون فى النهاية، وأمام العدل الإلهى، واسطة أو فيزا كارت لدخول الجنة، وهل يعقل أن يتوسط الرسول للعصاة والزناة والقتلة من أمته ليدخلهم الجنة ويساوى بين الصالحين».

ثم صمت بعض الوقت، وقال: «قبل أن أدخل بكم فى عمق القضية يجب أن أحدثكم كيف بدأت الفكرة.. وهى بالفعل راودتنى عندما حضرت أحد الموالد والحضرات الصوفية، ووقع على مسامعى صوت أحد الدراويش يردد (افعل ما تشاء وصلى على اللى هيشفعلك).. أذهلتنى العبارة فخرجت من اندماجى بترديد الأوردة الصوفية وسألت الناس فى الحضرة عن هذا الكلام، وترتب عليه مناقشة طويلة فى هذا السياق، علمت من خلالها أن الاتكالية عند البشر لا حدود لها، وفى نفس الوقت كان يجول بذهنى موضوع الآخرة والحساب والجنة والجحيم وأهوال القيامة وأنا أطالع مشاهد الشتات والتهجير والتجويع والمطاردة لتسعمائة ألف من مطاريد كوسوفا والامهات تبكى والاطفال كالتماثيل المشدوهة تحملق فى الفراغ فى رعب،

وأتساءل‏: أيخطر بذهن هذا الرجل المجنون «ميلوسوفيتش» فكرة الآخرة والحساب ام يظن فى عمى التعصب أنه سوف يكافأ على طرده للمسلمين الكفرة - بحسب اعتقاده - وتطهيره للأرض من أرجاسهم،‏ وأنه سوف يؤجر على عمله بالجنة‏‏.. إن الرجل مسيحى أرثوذكسى‏ وقد فعل الكاثوليك فى إسبانيا عند سقوط الحكم الاسلامى بالمسلمين أسوأ بكثير مما فعل‏‏، فقد أحرقوا المسلمين أحياء وهذه هى أوروبا التى تتشدق بحقوق الانسان والتسامح الدينى والعلم والحرية والفن والثقافة الرفيعة وجال بخاطرى الكثير من الأفكار..


هل من المعقول أن مثل هؤلاء السفاحين سينعمون بالشفاعة ويدخلون الجنة لو أنهم من أمة الاسلام؟ وعكفت على دراسة القضية بشكل علمى منهجى بحثى فى القرآن وفى كل كتب السيرة والسنة والاحاديث الصحيحة، ووجدت أن رواة الأحاديث أجمعوا على أن النبى قد نهى عن تدوين الأحاديث، وجاء هذا النهى فى أكثر من حديث لابى هريرة وعبدالله بن عمر وزيد بن ثابت وأبى سعيد الخدرى وعبدالله بن مسعود وغيرهم».

وأضاف المفكر الكبير: (وفى كلمات أبى هرير‏ة يقول فى قطعية لاتقبل اللبس‏‏ «خرج علينا الرسول ونحن نكتب أحاديثه فقال ما هذا الذى تكتبون‏..‏ قلنا أحاديث نسمعها منك يا رسول الله‏..‏ قال..‏ أكتاب غير كتاب الله..‏ يقول أبوهريرة فجمعنا ما كتبناه وأحرقناه بالنار‏». وأبوهريرة نفسه هو الذى قال فى حديث آخر: بلغ رسول الله أن أناسا قد كتبوا أحاديثه فصعد المنبر وقال‏ «ما هذه الكتب التى بلغنى أنكم قد كتبتم‏..‏ إنما أنا بشر فمن كان عنده شىء منها فليأت بها‏..‏ يقول أبوهريرة‏..‏ فجمعنا ما كتبناه وأحرقناه بالنار‏».‏

كما أن هناك حديثا للرسول متفقا عليه حيث قال «لا تكتبوا عنى غير القرآن ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه» وفى رواية لابى سعيد الخدرى قال‏‏ «استأذنت رسول الله عليه الصلاة والسلام أن أكتب حديثه فأبى أن يأذن لى»،‏ أما عبد الله بن عمر فقال‏‏ «خرج علينا رسول الله عليه الصلاة والسلام يوما كالمودع وقال‏: «إذا ذهب بى فعليكم بعدى بكتاب الله أحلوا حلاله وحرموا حرامه‏». وأبو بكر أول الراشدين روت عنه ابنته عائشة فقالت «جمع أبى الحديث عن رسول الله وكان خمسمائة حديث فبات ليله يتقلب كثيرا فلما أصبح قال‏.‏. أى ابنتى هلمى بالأحاديث التى عندك فجئته بها فدعا بنار وأحرقها»،

أما ثانى الراشدين عمر بن الخطاب‏ فقد صعد المنبر وقال‏‏ «أيها الناس بلغنى أنه قد ظهرت فى أيديكم كتب فأحبها إلىّ أحسنها وأقومها فلا يبق أحد عنده كتابا إلا أتانى به فأرى رأيى فيه، فظن الناس الذين كتبوا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه يريد أن ينظر فيها فأتوه بكتبهم فجمعها وأحرقها‏ وقال‏ أهى أمية كأمية أهل الكتاب‏ ثم كتب إلى الانصار من كان عنده من السنة شىء فليتلفه».

ويواصل د. محمود: (كان خوف عمر أن يحدث ما حدث لأهل الكتاب من تأليه الانبياء وتقديس كلامهم فيتحول مع الوقت إلى وحى له شأن الوحى الإلهى، وكهنوت كما حدث فى الأديان الأخرى،‏ ثم كان الخوف الأكبر من الأحاديث الموضوعة والمدسوسة والاسرائيليات‏. فهناك الحديث الذى ينسب لرسول الله والذى ورد فيه أن موسى فقأ عين ملاك الموت عندما حضر ليقبض روحه فهل هذا كلام معقول..

وهذا يدل على أن هناك أحاديث مدسوسة وإسرائيليات كثيرة ويجب تطهير الحديث منها والتى من بينها أحاديث الشفاعة، والدال على هذا ذلك أن الإمام البخارى لخوفه وتشككه فى كثير من الأحاديث لم يدون من أربعمائة الف حديث جمعها إلا أربعة الاف حديث فقط، وهو نفس الخوف الذى كان فى قلب أبى حنيفة الذى لم يصح عنده سوى سبعة عشر حديثا من مئات الألوف‏‏، وبعد دراستى لتلك المعلومات ودراستها جيدا والتأكد من صحتها قلت فى ذلك الوقت: إذا كان هذا الشك والخوف طارد عقول وقلوب كبار أئمة الحديث‏، فإن من الطبيعى أن يكون عندنا أضعاف هذا الخوف، وأيقنت أنه يجب ألا أقبل من الأحاديث ما يناقض القرآن الكريم، لأن القرآن هو التشريع الأول والسنة هى التشريع الثانى، فإذا ناقض الثانى الأول يصبح حكم الثانى خاطئا والتنفيذ للأول، وهذا بالطبع ليس إنكارا للسُنة ولكن غيرة على السنة وخوفا عليها من الوضاعين والمتقولين الذين قوّلوا الرسول عليه الصلاة والسلام ما لم يقل ).

ويتابع: «بالفعل خرجت من القرآن بمجموعة من الآيات تؤكد صحة أفكارى واجتهاداتى تجاه قضية الشفاعة، والتى ليست مباحة للجميع وهناك شروط لتطبيقها، وكانت هذه الآيات هى «لله الشفاعة جميعا ـ ما من شفيع إلا من بعد إذنه» يونس، «وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولىّ ولا شفيع» الأنعام، «يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولا» طه، «فما تنفعهم شفاعة الشافعين» المدثر... إلى آخره من الآيات التى تثبت أن الشفاعة موجودة ولكن لها شروط وضوابط وأهمها أن الله يعطيها لمن يشاء وينزعها ممن يشاء وأن الرسول سيتشفع، ولكن لن يكون بين المتشفع لهم زانٍ أو قاتل أو سارق، وخرجت بكل هذه الحقائق الموجودة فى القرآن والسنة فى كتاب حمل عنوان «محاولة لفهم الشفاعة» والذى لاقى ما تلاقيه معظم كتاباتى الفكرية من هجوم من فئة المتزمتين أصحاب العقول المتحجرة والرجعية وكالعادة ألصقوا الفتوى من فوق منابرهم السلفية بتكفيرى للمرة الثالثة، وكانت أسبابهم فى هذه المرة أننى طاعن فى السنة ومنكر لها.
ويستطرد: (لكن الشىء الغريب والعجيب أنه فى بداية طرحى للفكرة والكتاب فى الأسواق ساندنى وأيدنى شيخ الأزهر، محمد سيد طنطاوى، من خلال مجموعة مقالات نشرت فى جريدة «الأهرام» أثبت فيها أن كتابى يحمل حقائق دينية نغفل عنها جميعا تستحق البحث والدراسة التى يتكاسل عنها الان معظم علماء المسلمين، ولكنى بعد ذلك فوجئت بعاصفة شديدة وهجوم عنيف من التيارات الدينية ومن بعض علماء الأزهر وأئمته وكأن السنوات تعود بى إلى الوراء،

وأيقنت أنه مازال الازهريون يعتقدون أنهم هم المكلفون بأمور الدين والتفسير والاجتهاد وما إن قامت الدنيا كلها ضدى حتى هرب الشيخ طنطاوى شيخ الأزهر وتركنى فى الساحة وحدى وسحب تأييده لى وكأننى كفرت بالله سبحانه وتعالى ولم يتدبر هؤلاء المتذمرون والمعارضون لى ما هو المقصود بالضبط من هذا الكتاب، وفسر البعض أننى منكر لوجود الشفاعة من أساسها كما قلت.. وانفجرت الردود فى وجهى من جميع الاتجاهات حتى تجاوزت المؤلفات التى ترد على كتابى الاربعة عشر كتابا،

ولكن أشد ما أحزننى أن الكثير من الذين هاجمونى لم يقرأوا الكتاب من الاساس وذلك كان واضحا وظاهرا من ردودهم غير المنصفة وكان من بينهم الدكتور يوسف القرضاوى، فرغم أننى أحبه وأقدر مكانته الدينية إلا أنه هاجمنى دون أن يقرأ الكتاب حيث اكد هو والاخرون أننى انكرت الشفاعة والحقيقة أننى لم أنكر الشفاعة ولكنى أقول إنها مشروطة بضوابط).

ويوضح محمود: (كانت الردود الغاضبة والعائبة تتزايد كل يوم على الاخر وأنا لم أفهم سببا واحد لهذا الغضب فالله بكرمه فتح لنا باب التوبة لنتوب عن ذنوبنا ونتطهر من أوزارنا وجعل هذه التوبة ممدودة إلى النفس الأخير فلا يغلق بابها إلا ساعة الحشرجة، فالله لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، هو وحده صاحب الكلمة فى ذلك اليوم، لم يتخذ له وكلاء ولا مساعدين، وهو مالك يوم الدين كما نقرأ فى فاتحة الكتاب فى كل صلاة فلا يمكن أن يشاركه أحد فى ذلك اليوم،

وأيقنت أنى مهما قلت وحاولت أن أوضح حقيقة ما أعنيه فإن هواة الجدل سيتكلمون إلى آخر الدهر ولكن دون جدوى، ووجدت أن موضوع الشفاعة أصبح الشعرة التى يتمسك بأهدابها المذنبون والمجرمون، وأحلاما يتعلق بها كل من قعدت به همته عن الطاعة وأنا لا أريد عذابا لأحد بالعكس فأنا مثل غيرى من أهل الذنوب ألتمس الخروج من أهوال هذا اليوم ولكنى وجدت أن القرآن لا يفتح بابا إلا ويسده فهو يقول «ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له» وهو كلام عن الملائكة ولكن ماذا يقول القرآن بعد ذلك «حتى إذا فُزّع عن قلوبهم» لهول الموقف، وقول الملائكة: «قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير»،

إذن لا مفر فى هذا اليوم يوم الفزع الاكبر عن الحق ولا إذن إلا بالحق، وفى مكان آخر يقول عن الملائكة «ولا يشفعون إلا لمن ارتضى»، وبذلك عاد فأغلق الباب وجعله مقصورا على أهل الرضا أى المرضىّ عنهم، أى تحصيل حاصل لأن المرضى عنهم ناجون بحكم ما فعلوا فى حياتهم من خير، والحسنات كما يقول القرآن يذهبن السيئات، وحظ الملائكة هو تشريفهم، وحظ كل من يقوم بهذه الشفاعة هو تشريفه، فهو الذى سيقوم بالتهنئة ويضع النيشان على صدر صاحب النصيب ولكن هذا النصيب هو لا شك واصل لصاحبه لأنه حقه، وهذا يوم الحق الذى لا يتم فيه شىء إلا بالحق).

ويواصل: (دائما كنت أتعجب من الرافضين والمستنكرين فأنا مثلهم من أهل الذنوب ومحتاج لقشة أتعلق بها فى هذا اليوم الذى تشيب من هوله الولدان، ولكنى لا أستطيع أن أخدع نفسى ولا أستطيع أن أحرف معانى الآيات القرآنية لأخرج منها بما يرتاح له قلبى ويشفى فزعى، فإن الحق أحق بأن يقال وأولى بأن يتبع وإن كان لا يصادف الهوى ووجدت أنه يجب علينا أن نواجه هذه الحقيقة المؤلمة يوم لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا تنفعها خلة ولا شفاعة،

والله يربط هذا القانون باسمه الإلهى فى سورة السجدة فيقول «الله الذى خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من من دونه من ولىّ ولا شفيع أفلا تتذكرون ما لكم من دونه من ولى ولا شفيع» والنفى هنا قطعى لاى نوع من ولىّ أو شفيع، هذا القطع الذى يرتجف له القلب فزعاً والذى لا تملك له إلا السجود مبتهلين أن يفتح لنا الله بكرمه وفضله باباً للتوبة ماذا نملك أمامه سوى الاستغفار وطلب العفو والصفح والعزم على التطهر من كل إثم، وعلى عدم العود إلى المخالفة أبدا؟

وما حفزنى اكثر على إخراج كتاب الشفاعة حديث رسولنا العظيم الذى قال فيه «من يترك العمل يتكلم على الشفاعة يورد نفسه المهالك ويحرم من رحمة الله».. كان خوفى من هذه الاتكالية هو حافزى الأول والاخير وما كتبت وما خضت هذه المعركة الشرسة إلا ابتغاء مرضاة الله، ويعلم الله أنى أتكلم الآن وأقول الحقيقة، فلم أقصد الاساءة إلى الدين أو الرسول كما صورونى للناس فقد عشت عمرى كله أحمل راية الدفاع عن الدين).

وينهى المفكر الكبير الحديث عن قضية الشفاعة قائلاً: (ابتعدت بعد ذلك عن الساحة الإعلامية والجدلية الفلسفية والفكرية لاسباب صحية بحتة.. ابتعدت بعد هذا الصراع والجدل عن الساحة وهذا جعل المعارضين لفكرى يرددون إشاعات بأننى عندما اكتشفت خطئى اعتزلت الحياة الاجتماعية خشية مواجهة المجتمع، وهذا غير صحيح فلو يعرفوننى جيدا لعرفوا أننى من أوائل المعترفين بأخطائهم إذا وقعت للتطهر منها، وأننى أقول إذا كنت ابتعدت عن الساحة بجسدى فإن أفكارى وكتبى ستظل موجودة دائما، وأننى لم أتراجع عن موقفى الذى اتخذته تجاه قضية الشفاعة حتى الآن).

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin


عدد المساهمات : 672
النشاط : 1661
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: مذكرات دكتور مصطفى محمود .. الجزء الرابع والعشرون ..حكايتى مع التصوف والمتصوفين    الجمعة ديسمبر 20, 2013 12:14 am


■ إن الحانوتى يسلب الموت كل هيبته بأن يجعله وظيفته وكذلك أنا أسلب الحياة كل بكارتها بأن أجعلها شغلتى
■ حاولت أن أناقش مشاكلنا كلها من جديد وأطرح التركة الفكرية التى ورثناها عن الجدود فى غربال واسع الخروم ليسقط منها الفاسد ويبقى الصالح

العشق الإلهى.. والرجوع إليه.. والاعتراف بأنه الواحد الأحد.. كلها أشياء ولد مصطفى محمود يحملها بداخله.. لقد كان متصوفا منذ اللحظات الأول فى عمره لذا نجده، مر بمراحل متنوعة ومختلفة فى حياته بداية من الشك وانتهاءً بالإيمان والتصوف، وكان تصوفه يرافقه طوال مراحل الشك أو الإلحاد كما أطلق عليها البعض، فقد ولد مصطفى محمود متصوفاً مفعماً بحب الله منذ زمن بعيد، وكان وهو فى مطالع المراهقة يتساءل - فى تمرد- تساؤل كبار أقطاب الصوفية كالحلاج وابن عربى والنفرى والغزالى وأبوالعزايم والشعرانى.. وكانت كتبه «الله والإنسان» و«السر الأعظم» و«رأيت الله» و«لغز الحياة ولغز الموت» وغيرها، خير دليل على تصوفه وعشقه للذات الإلهية.

عندما فتحنا معه هذا الباب من الكلام ابتسم وقال كنت دائما أؤمن بأننى خلقت لأتساءل من أجل أن أثبت أنه الواحد الأحد، وكنت أقول «تقولون إن الله خلق الدنيا، لأنه لابد لكل مخلوق من خالق ولابد لكل صنعة من صانع ولابد لكل موجود من موجد.. صدقنا وآمنا.. فلتقولوا لى إذن من خلق الله.. أم أنه جاء بذاته.. فإذا كان قد جاء بذاته وصح فى تصوركم أن يتم هذا الأمر فلماذا لا يصح فى تصوركم أيضا أن الدنيا جاءت بذاتها بلا خالق وينتهى الإشكال»، ولكن كنت أتوقع أن أجد من يجاوب عن أسئلتى ويفهمنى الصواب، ولكن لسوء الإدراك لدينا نحن المصريين..

كنت أجد أن نتائج ما أطرحه من أسئلة هى اتهامى بالكفر والإلحاد، رغم أن كل هذه الأسئلة لا تنم عن ملحد ولا تبشر الأرض بظهور كافر وإنما كانت تنم عن أن مرددها ليس طفلا صغيراً مدللاً، أقصى أحلامه لعبة يستمتع بها بعض الوقت ثم يحطمها، أو شاب فى مرحلة المراهقة يجرى وراء شهواته الجنسية أو المادية.. وإنما كانت هذه الأسئلة تنم عن أننى أجرى وراء شهواتى الفكرية، لأكتشف الحقيقة الوجودية، فقد كنت أقول بكل جرأة وبدون أن أخشى صفعة على وجهى أو عصا على ظهرى «لقد رفضت عبادة الله لأننى استغرقت فى عبادة نفسى،

وأعجبت بومضة النور التى بدأت تومض فى فكرى مع انفتاح الوعى» وأيضا كنت أردد أن هذه الحالة النفسية وراء المشهد الجدلى الذى يتكرر كل يوم وغابت عنى أيضا أصول المنطق، وأنا أعالج المنطق ولم أدرك أننى أتناقض مع نفسى إذ أعترف بالخالق.. ثم أقول ومن خلق الخالق فأجعل منه مخلوقا فى الوقت الذى أسميه فيه خالقاً، وهى السفسطة بعينها.. ثم إن القول بسبب أول للوجود يقتضى أن يكون السبب واجب الوجود فى ذاته وليس معتمدا ولا محتاجا لغيره لكى يوجد أما أن يكون السبب فى حاجة إلى سبب فإن هذا يجعله واحدة من حلقات السببية ولا يجعل منه سبباً أول».

ويستطرد: «كنت أتعجب من كل الجدل الذى أواجهه بمجرد أن أتساءل وأستطيع الآن أن أقول إن هذه هى أبعاد القضية الفلسفية التى انتهت بأرسطو إلى القول بالسبب الأول والمحرك الأول للوجود وهى هذه الأفكار التى دفعته إلى الأمام.. وتستطيعون أن تقولوا إنها فعلت معى نفس الحكاية فكانت بداية التفكير والوصول إلى ذروة الإيمان والتصوف بداخلى، ولكن بمجرد أن اشتد عودى وخرجت إلى مرحلة الشباب وبدأت هذه الأفكار تخرج إلى المجتمع فى كتبى وبالأخص كتابى الأول «الله والإنسان» وجدت أن مشايخ الأزهر يصدرون فى الستينيات فتوى بتكفيرى «كما حدثتكم من قبل» وخرج بعض الشباب المتهور تحت لواء الجماعات الإسلامية التى تدعى الحفاظ على الإسلام والمسلمين ليحاولوا اغتيالى لمجرد أنى أتساءل..

وبالفعل نظموا هذا وكانوا حوالى إثنى عشر طفلاً، لأن أعمارهم حين ذاك لم تكن تتجاوز أربع عشرة سنة، ولكنى نفدت من هذا الاغتيال بأعجوبة وجلست معهم وطمأنتهم على أننى لن أبلغ عنهم ووجدت أنهم بحاجة إلى الشفقة وليس للسجن، حيث إنهم مازالوا أطفالاً لا يدركون ما يفعلون ولا يحفظون من القرآن والسنة ما يؤهلهم للدفاع عنهما.. ولكن تصوروا أن هذا كله يحدث معى وأنا مجرد باحث عن الحقيقة الوجودية وهذا من حقى ولا يمكن لأحد إجبارى على حجب أفكارى..

والغريب فى الأمر أننى كنت أطرح كل هذه الأسئلة التى لم يتسع لها عقول المتزمتين وكانت هى نفسها التساؤلات التى سألها من قبلى بقرون العديد من أقطاب الصوفية الكبار أمثال الحلاج وابن عربى والنفرى وعفيف الدين التلمسانى وعبدالوهاب الشعرانى وأتباعهم من بعدهم، وللأسف وجدت أن كل هؤلاء الأئمة العظام واجهوا جميعا نفس المصير الذى كنت أواجهه، وكأننا جئنا إلى بشر فضلوا الجعجعة الفاضية على العقل والمنطق والتفكير.. ولكن كان عصر هؤلاء الصوفية الكبار أكثر قسوة فصلب ابن عربى حتى الموت وأيضا الإمام الشعرانى وغيرهم كثيرون.

ويتابع مصطفى محمود «رغم كل الصعاب التى كنت أمر بها فإننى ظللت ثابتاً على موقفى وكنت أقول دائما إن الزاهد الموحد لا يقول أنا ولا يقول أنت ولا يقول هم ولا يقول نحن.. بل يقول هو لا يرى إلا هو.. ولا يقصد إلا هو.. لا إله إلا هو.. لا يخشى إلا هو.. ولا يتقى إلا هو.. ولا يرى ظاهرا ولا باطنا إلا هو.. فإذا أكل فهو يأكل من يده هو.. وإذا شرب فهو يشرب من كفه هو.. وإذا تلقى الرزق فمنه هو.. وإذا تلقى الحرمان فبتقديره هو.. وإذا قضى عليه بالشقاء فبقضائه هو.. «قل كل من عند الله»..

فإذا صبر فهو يصبر بالله على الله.. وإذا هرب فإنما يهرب من الله إلى الله.. وإذا استنجد فإنما يستنجد بالله على قضاء الله.. وإذا استعاذ فإنما يستعيذ بالله من قدرالله.. يستعيذ به من بلائه.. وما الشيطان فى النهاية إلا ابتلاء الله لعباده.. وما الكون إلا مظاهر أسماء الله وتجليات صفاته وأفعاله.. فهو لا يرى فى أى شىء إلا الله وفعل الله.. وهذا مطلق التوحيد.. وهذا غاية ما تقوله الأسماء لقلب المسلم.. فهى تقوده إلى مطلق التوحيد».

ويقول «فوجئت بأننى وصلت إلى النتيجة الطبيعية وهى أننى أنظر إلى كل الأشياء.. وكل المخلوقات.. نظرة الصوفى الذى آمن بأن الله ينزل فى كل المخلوقات وما المخلوقات إلا وسيلة للتعبير عن الله فيرى كل شىء بوضوح ويسر.. دون طلاسم أو ألغاز أو صعاب فمن يضل فى طريق الله ومن يسأل الناس والله بجانبه ومن يرى بشر والله أمامه وكان بحثى فى التصوف مختلفاً بعض الشىء عن أتباع الطرق المختلفة والمتنوعة.. فكنت أبحث لأننى أريد أن أكتشف الجديد حتى فى هذا الجانب «التصوف» وبالفعل وجدت أن قدماء المصريين «الفراعنة» عرفوا التصوف والإيمان والتفانى فيه وله ومن أجله، حيث كان يقول «هيرودوت»
إن المصريين القدماء كانوا أول الموحدين فى العالم وإن بقية العالم أخذ الدين عنهم فأخذت الهند شعائرها واليونان عقائدها من مصر.. 

وقد كانت بداية هذا التوحيد فى عصر «أمنحتب» فى تلك الترنيمة المحفورة على لوحة بالمتحف البريطانى وهى صورة ابتهال ومناجاة للإله.. ونصها هو.. «أيها الصانع الذى صورت نفسك بنفسك وصنعت أعضاءك بيديك.. أيها الخالق الذى لم يخلقك أحد.. الوحيد المنقطع القرين فى صفاتك.. والراعى ذو القوة والبأس.. والصانع الخالد فى آثاره التى لا يحيط بها حصر»، ويصل هذا التوحيد إلى ذروة فى النقاء والتجريد على يد إخناتون، حيث وجدت أنهم كانوا ينادونه بقول: «يا أتون الحى يا بدء الحياة.. إنك بعيد متعال..

ولكنك تشرق على وجوه الناس.. إنك تمنح الحياة للجنين فى بطن أمه.. وتعنى به طفلا.. وتسكن روعه فلا يبكى.. وتفتح فمه وتعلمه الكلام.. وتدبر له ما يحتاج إليه فى حياته.. وتعلم الفرخ كيف يثقب بيضته ويخرج.. وما أكثر مخلوقاتك.. يا واحد يا أحد ولا شبيه لك.. لقد خلقت الأرض حسبما تهوى.. خلقتك وحدك ولا شريك لك.. وخلقت ما عليها من إنسان وحيوان.. ودبرت لكل مخلوق حاجاته.. وقدرت له أيامه المعدودة.. وجعلت الناس أمما وقبائل ولغات متعددة.. وجعلت لهم الشتاء ليتعرفوا على بردك.. والصيف ليذوقوا حرارتك.. وصورتهم فى بطون أمهاتهم بالصور التى تشاء.. وأنزلت لهم الماء من السماء.. ليجرى أمواجا تتدافع وتروى حقولهم.. ما أعظم تدبيرك يا سيد الأبدية.. إنك فى قلبى.. وليس هناك من يعرفك.. غير ابنك الذى ولد من صلبك.. ملك مصر العليا والسفلى.. الذى يحيا فى الحق.. سيد الأرضين إخناتون».

ويوضح مصطفى محمود «فى هذه الفترة وجدت أننى يجب أن أخرج ما بداخلى من مشاعر التصوف فبدأت أقوم بإعداد بعض الكتابات الصوفية خاصة أننى متيم بهذه الحياة التى هجرت كل شىء من أجلها فكتبت قصة قصيرة عن هيام وحب وتجلى الصوفى الذى يرى الله فى كل شىء ويرى كل الأشياء الجميلة فى الله وداخل هذه القصة وجهت إلى بعض الصوفية فى مصر وليس المتصوفين نقدا حادا، حيث إننى وجدت أن هناك مسألة لا يمكن الصمت عنها وهى الخلط بين الظاهر والباطن.. وبين الأشياء والله.. حينما يدعون على الله أشياء غير حقيقية، 

وهو ما أغضب الكثير منهم بعد ذلك ووجهوا لى نقدا شديداً وكانت القصة هى الآتية:
«مد الرجل ساقيه فى البحر فى استرخاء لذيذ ونظر إلى البحر المديد الأزرق كأنه يشرب ويشرب لونه وترك روحه ترضع من هذه الشفافية اللؤلؤية والأنوار المتشععة الذائبة فى المياه.. شىء ما فى ذلك البحر كان يبدو لعينيه وكأنه من وراء العقل ومن وراء الحس شىء كالغيب يسطع خلال الظاهر، وتذكر كلمات ذلك الصوفى الذى قال إنه اشتاق إلى ربه وأنه احترق إليه شوقا وكاد عقله يهُلك عجزا عن بلوغه لولا أن نور الله كان يلوح له من وراء استار الغيب ومن خلال الجمال المتجلى فى الوجود فيروى ظمأه بين الحين والحين، وذلك هو الشرب والسكر الذى يحكى عنه الصوفية شرب الجمال المتجلى فى الوجود ذلك الشرب المغيب الذى يترك الروح نشوانة هيمانة تهتف.. الله.. الله.. وقد أدرك صاحبنا فى جلسته أمام البحر لأول مرة ذلك المعنى البعيد الذى يحكى عنه الصوفية، وشعر بذلك الشرب المغيب وهتفت روحه النشوانة، وقد أدركت طرفا من تلك الحضرة الإلهية المتجلية فى الأشياء التى هتفت فيها هيمانة سكرانة.. الله..

لقد اتصلت روحه لأول مرة بنبع الحُسن ومصدر الفتنة وسر الجلال والجمال فى الأشياء، وباشر تلك الرجفة الكهربائية وأحس بتلك الرعشة الروحية وهو يلامس السر السارى فى الوجود وفى نفسه وذلك هو حضور المحبوب المعشوقة التى كان يسأل عنها المحب الهيمان طوال الوقت ويبحث عنها ويرتحل اليها، هى طوال الوقت معه دون أن يدرى فى سواد عينيه وفى حنايا ضلوعه وأقرب اليه من حبل الوريد:
ومن عجب أنى أحن إليهمو
وأسأل عنهم من رأى وهمو معى
وترصدهم عينى وهم فى سوادها
ويشتاقهم قلبى وهم بين أضلعى

فما كان الحسن والجمال والفتنة التى لمح طرفا منها فى الشفاه والخدود والقدود إلا مددا من ذلك الغيب المغيب، ولا كان إلا تجليا لذات الحسن المتفردة «الذات الإلهية» التى هى أقرب إليه من نفسه وأقرب إلى عينيه من سوادهما وأقرب إلى لسانه من نطقه، إن ليلاه فيه وهو يقطع البوادى بحثا عنها «وذات الحسن المتفرد» التى أفاضت من حسنها البديع على كل شىء أقرب إليه من حبل وريده، وأوثق اتصالا به من دمه فى شرايينه، وحينما يدرك الصوفى ذلك يصيبه برد السلام ويهدأ فى جوانحه طائر القلب وتنشر عليه السكينة لواءها ويصبح صاحب الوجه النورانى والنفس المطمئنة الذى لا تزلزله الزلازل ولا تحركه النوازل».

ويستطرد «شعر صاحبنا بتلك الأنوار وهو جالس أمام البحر وأمامه قطف من عنب مثلج ورأى كل حبة عنب وكأنها تختزن داخلها نورا، وحينما ذابت فى فمه بردا وحلاوة شعر كأنما تعطيه سرها وتبوح له بمكنونها، وكان فى تذوقه لحلاوتها شيئا كالعبادة، وكأنما كان ربه هو الذى يطعمه ويسقيه مباشرة وبدون وساطة، ويناوله من كف الرحمانية ليأكل ويشرب.. وتذكر قول عميد العاشقين الإلهيين ابن الفارض حين قال:


شربنا على ذكر الحبيب مدامة
سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم».
ويتابع مصطفى محمود «إن وصف الشاعر بخمر الكرم من قبل أن يخلق الكرم ويقصد بها خمر السر المودعة فى الأشياء من قبل أن تخلق الأشياء، تلك هى خمر الأنوار المودعة كل الأشياء، وكل مؤمن مازال يعاود السجود مثل الملائكة كلما استشعر هذه الأنوار وكلما باشر سرها وذاق حلاوتها سجدت جوارحه وهتفت.. الله.. الله.. ووشوش له البحر بهذه الكلمات وكاشفه بتلك الأسرار وهو يهدهده بأمواجه ويتناثر كحجاب الماس على وجه ساقيه، وبقدر ما كانت صفحة البحر تبدو له هادئة ساكنة مطمئنة كان باطن البحر يقول له: باطنى وسع العالمين وسع الحياة والموت وسع كل شىء علما.. كان البحر أشبه بالرمز المهموس والإشارة الدالة والمثل المضروب على القدرة..

فهو الظاهر سبحانه ولكنه ليس المظاهر وتلك هى الفتنة التى يقع فيها المؤمن والكافر، تقول له المظاهر الجميلة وهى تدعوه إلى نفسها بجمالها فى سورة البقرة: «إنما نحن فتنة فلا تكفر» فإذا افتتن بها ووقع فى أسر جمالها وعبدها وقع فى الشرك الخفى وهلك، وذلك هو حال الأغلبية والكثرة من عشاق المظاهر وعباد المال والجاه والنساء، وإذا أدرك أنها فتنة ليست منها ولكن من الله المتجلى فيها، وأنها كالمصابيح فى زجاجات.. مصابيح لا تضىء بذاتها وإنما بمدد وأسلاك من شجرة مباركة هى التى تأتى منها الإنارة لكل المصابيح،

فإذا أدرك ذلك تجاوز بعبادته كل المظاهر وكل المصابيح المنيرة وتوجه إلى الله الذى ينيرها كلها بنوره وخرج من زحام الكثرة إلى صفاء الوحدة واختص الله وحده دونها بالعبادة ونجا، وهو حال القلة من العارفين وهذا سر الدنيا ولهذا خلقها الله لتمتحن بإغرائها معادن النفوس ويتميز بها العارف من الجاهل وتتميز بها المراتب والمنازل والدرجات ويعرف بها أهل الصدق صدقهم وأهل الكذب كذبهم حينما تنشر الأعمال وتهتك الأسرار فى يوم الحشر ويوم التغابن الذى لا ينفع فيه ادعاء الأدعياء ويوم يشعر كل إنسان أنه غبن نفسه حينما تعجل لذة تافهة وزائلة لا تساوى شيئا وحرم نفسه من ميراث جنة لا تنفد لذائذها.. ووشوش له البحر وهمس له الموج وتناثر كالماس على وجهه وقدميه واتصل السر بالسر ومضى الحوار».

ولكن بعد كل هذه الرحلة الصوفية شديدة التجلى ختم مصطفى محمود حياته متصوفا فى حب الذات الإلهية التى بحث عنها كثيرا ووجدها أخيرا ثابتة كما نزلت على كل الأنبياء والرسل فهى محور كل الأشياء وأصل كل الأشياء ولولاها ما خلقت الأشياء كلها.. وهو هنا يقول .. «لم تكن رحلة البحث التى غُصت فيها بكل أعماقى وجسدى وفؤادى طوال حياته لتشككى فى الذات الإلهية، وإنما لأتحول إلى صوفى وعندما وجدت ما سعيت إليه سررت بما وجدت وعشت فى هيام وحب «الواحد الأحد» هدأت نفسى واطمأن قلبى وشعرت بأننى أديت ما خلقت من أجله وهو الإشارة إلى الثوابت الوجودية التى لابد أن نؤمن بها ولا نحيد عنها

 ولهذا كتبت أقول:
المـعـذرة.. حبيبتى برئت من يدى.. وبرئت من عينى.. وبرئت من فعلى.. وبرئت من جلدى.. إن كانت النوايا أثمة.. وخوفى من علم ربى بالسرائر.. ويلنا ظلمنا أنفسنا.. هلكنا من اليوم لا نجاة.. إن لم نفز بمغفرة.. يا ضيعة العمر إن لم نفز بمغفرة.. بل لا ييأس من روح الله إلا الكفرة.. ظلمت ربى الغفار الذى وسع كل شىء رحمة وعلما والذى خلق الضعف.. كيف لا يحنو عليه أكثر من حنو الأم بالوليد.. كيف لا يشفيه من نفسه ويرحمه»

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
Eid Al Said
Admin


عدد المساهمات : 672
النشاط : 1661
الجنس : ذكر
التقيم : 0
تاريخ التسجيل : 09/08/2013

مُساهمةموضوع: مذكرات دكتور مصطفى محمود .. الجزء الخامس والعشرون والاخير ..الشائعات تطاردنى    الجمعة ديسمبر 20, 2013 12:18 am


فى القاهرة تجد بين كل مقهى ومقهى.. «مقهى»
■ وفى بيروت تجد بين كل كباريه وكباريه.. «كباريه»
■ وفى سويسرا تجد بين كل بنك وبنك.. «بنكاً»
■ وفى طنطا تجد بين كل جامع وجامع.. «جامعاً»
■ من أدلة الرخاء فى بلد ما أن تجد زحاماً شديداً فى المكتبات وطوابير على أبواب المسارح ودور السينما.. هذه أشياء لا يفكر فيها الناس إلا بعد أن يشبعوا.. فالناس تتشدق بالواقع.. وتحتكم إلى الواقع ومع ذلك فلا أحد يريد الواقع.. وإنما الكل يطالب بتغيير الواقع.. ويحلم بالخلاص من الواقع

عندما حاولنا مواصلة ما تبقى من المذكرات الشخصية، وأدق الأسرار والتفاصيل الحياتية للدكتور مصطفى محمود، وجدنا أن الإجهاد قد ظهر عليه، وأمراض الشيخوخة نالت منه، وضعفت الذاكرة حتى عجزت عن سرد الكثير من تجاربه، ولهذا تكلم فى نهاية حديثه عن موقفه من الأحزاب السياسية، والشائعات التى طاردته، وصداقته بموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، وسر الشبه بينه وبين عبدالحليم حافظ، فقال: «كنت ومازلت مقتنعاً بأن هناك الكثير من الناس سمعوا ودرسوا السنة، لكنهم فهموها خطأ،

وللأسف أصبحوا الآن كثيرين جداً، وهؤلاء تمسكوا بظاهرها وقالوا يجب أن نأكل بأصابعنا، وأن نمد اللحى بشكل ما، ونقصر الثوب، ونركب البغلة، ودائماً ما كنت أقول إن هؤلاء نسوا أن السنة ليست الأعراف السائدة فى عصر من العصور، لكن هى أخلاق النبى، عليه الصلاة والسلام، فما فائدة أن يقصر الإنسان لحيته أو يتركها وهو إرهابى، والغريب أن هؤلاء يطبقون السنة فى مواقف، ويتجنبونها فى مواقف أخرى، فخطبة الجمعة فى عهد النبى لم تكن تتعدى دقائق قليلة، أما الآن فتستغرق ساعة، وهذا يدل على سماحة الإسلام، وأن النبى كان يخفف على الناس، ولا يسبب الرعب، أو يثير المشاعر، وكان رحيماً بهم، فحينما دخل مكة منتصرا سأل الكافرين ماذا تظنون أنى فاعل بكم؟

قالوا (أخ كريم وابن أخ كريم)، فقال لهم (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، لكن ماذا حدث حينما دخل الخومينى إيران، كان منظراً تقشعر له الأبدان، حين علق خصومه على المشانق، وكنت أتأمل المشهدين طوال الوقت، وأتساءل دائماً أيهما الإسلام الحقيقى؟ ووصلت إلى ضرورة أن نتفهم جوهر الموضوع، فالإسلام هو إحياء الضمائر، فلا يمكن تطبيق الإسلام بقرار وزارى، أو إجماع من مجلس الشعب، لكن بعض الناس فهموا المسائل خطأ، فلا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا كان الإسلام تقدميا بطبعه واجتهادياً معاصراً، فلماذا إذن العودة إلى السلفية الجامدة التى أصبحت موجودة على الساحة فى هذه الفترة؟!

وأنا متابع جيد لها، حيث أستطيع القول إن كل شخص يتصور أنه «مفتى» فى الإسلام، خاصة بعد ظهور مشايخ وفتاوى الفضائيات التى أصبحت منتشرة، وتمارسها مجموعة من غير المتخصصين، ودائما كان هؤلاء يكفروننى عندما أختلف معهم فى رأى، وهذه أخلاق غير إسلامية على الإطلاق، فالإسلام دين اجتهاد وعقل».

ويواصل المفكر الراحل: «أما بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين، فلا دين فى السياسة، ولا سياسة فى الدين، ولكى أوضح رأيى فى هذه الجماعة وغيرها من الجماعات التى كثيرا ما حاولت معى لكى أنضم إلى صفوفها فى مراحل عمرى المختلفة، فهناك نكتة إنجليزية شهيرة توضح أن الدين والسياسة لا يتفقان فتقول (وجد شخص تابوتاً مكتوباً عليه هنا يرقد السياسى العبقرى والرجل الصادق فلان، فقال الرجل أول مرة أجد اثنين مدفونين فى تابوت واحد)، فالسياسة تحمل داخلها الكذب والانتهازية، والدين يحمل داخله القواعد والتسامح والسلام، وظللت عمرى كله أحمل راية الدفاع عن الإسلام من «الإخوان»، وغيرها،

لكن رغم انتقادى هذه الجماعة ورفضى شعارها (الإسلام هو الحل)، فإن بين أعضائها شخصيات مستنيرة، وأهم ما يميزها أنها تمثل نسيجاً واحداً منذ نشأتها على يد حسن البنا وحتى الآن، لكن هذا لا يبرئها من أن بينها أيضاً شخصيات غير ناضجة، ومندفعة، ومتعصبة، والدليل على ذلك إصرارها على تأسيس حزب سياسى، رغم أن هذه الخطوة أثبتت فشلها منذ قيام الثورة وحتى الآن، إلا أنها مازالت متمسكة بها، رغم استحالة تأسيس الحزب، لما فيه من تهديد للوحدة الوطنية، ولذلك كنت على الدوام ضد دخول الدين فى السياسة نهائياً، ورأيى هذا وصلت إليه بعد أن أمعنت التفكير، لأن السياسة خليط من الكذب، والالتواء، والانتهازية، ولابد من تنزيه الدين عنها،

وأفضّل أن يكون دور الدين فى هذه المرحلة الحزبية التى نعيشها هو إحياء الضمائر، فأخطر شىء يهدد المجتمع هو إدخال الدين فى السياسة، فدور الدين يجب أن يقتصر على توعية وإحياء ضمائر الناس، ثم إن الإسلام فى تاريخه لم يكن سياسة ودينا إلا فى مرحلة النبى، وأبى بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وبالطبع هؤلاء استثناء، وإذا وجدنا مثل سيدنا عمر بن الخطاب - وهذا مستحيل - سنؤسس به أعظم حزب، ولهذا كنت على الدوام أرفض الموافقة على حزب سياسى للإخوان أو الأقباط، كما أرفض الانضمام للجماعة، أو حزب حتى أظل أقوم بدورى، وهو حماية الدين من هؤلاء».

وحول علاقته بالعندليب الأسمر عبدالحليم حافظ، قال: «كلما كنت أنظر إليه كنت أرى عللى، وأمراضى، فصوته كان يحمل الأسى والحزن والبؤس والرقة والعذوبة، ولهذا نجح، لأنه استطاع أن يهز المشاعر والأحاسيس بصوته العذب الرقيق، وأتذكر أننى عندما قابلته لأول مرة فى منزل عبدالوهاب، قال لى (سمعت أنك فنان وعازف موسيقى جيد للعود والناى وصاحب صوت جميل)، فقلت له: (لكننى لم أعزف بوق فى يوم من الأيام لأننى ولدت أتنفس برئة واحدة)، وتبادلنا الحديث طويلاً فى تلك الليلة، وتقابلنا بعد ذلك كثيراً، لكن علاقتى به لم تكن عميقة، أى لا يمكن أن نطلق عليها كلمة صداقة،

بينما علاقتى بعبدالوهاب كانت مختلفة عن علاقاتى بالآخرين، وهو كذلك أيضا، ولعلها كانت متميزة جداً، وكنت أناديه بـ(عبدالورد)، وكان هو ينادينى بـ(درش)، وكانت علاقتنا حميمية إلى أبعد الحدود، فقد كان يتصل بى أكثر من ١٠ مرات يومياً، ويظل معى على التليفون بالساعات ليلاً، ومن خلاله تعرفت على معظم الفنانين، وتعلمت منه بعض العادات الحميمة، فلم أشاهده يشرب الماء إلا وعليه قطرات من ليمون، وعندما كنت أسأله عن السبب كان يقول لى إن المياه تكون صحية ونقية وتشفى من الأمراض، وأحيانا يداعبنى بقوله (إزاى إنت دكتور ومتعرفش الحاجات دى؟)

ومن بعدها ودون تردد لم أشرب الماء إلا بعد تقطيره بالليمون، وعرفت بعدها أن هذه هى الطريقة المثلى للتخلص من الأمراض، وعرفت من يومها أنه كان طبيباً لم يدرس الطب، وهكذا كنت أقول له دائماً، وكان هو يرد بأننى فنان لم أدرس الفن، وكل ما يمكن أن أقوله عن (عبدالورد) الذى لا تسعفنى الذاكرة الآن لذكره، موجود فى مقال كتبته عنه بعد وفاته، ونشر فى مجلة الشموع فى ٢١ يوليو ١٩٩١ وهو بعنوان (نفحات من الله .. لا عبقرية .. ولا إبداع)، وكان يقول: (الإيمان فى حياة محمد عبدالوهاب حقيقة وليس نفاقا، لم يكن يسمى فنه شطارة أو عبقرية أو إبداعا،

بل كان يسميه خواطر ونفحات من الله سبحانه وتعالى، وكان إذا وُفق فى عدة ألحان، يقول ربنا فتح علىّ أو ربنا نفخ فى صورتى، وكانت له أيام الصبا نزوات وهذه روايات حكاها لى بنفسه، وكان حين يخطئ ويتغلب عليه ضعفه، يقسم ألا يعود إلى الخطأ مرة أخرى، وكان يدعو الله أن يساعده فى التغلب على نفسه وكان يتوسل، فالله خالق الجمال ومتذوق الجمال، والفنان عاشق لكل أشكال الجمال، ولابد أن يكون له عند الله هامش من حرية يدخل فى مجال المغفرة، بهذا كان يتوسل إلى الله ويتعذب وإحساسه الداخلى بأنه يخطئ كان مصدر قلق يلازم إيمانه الراسخ بعدل الله وقوته ومغفرته،

وكان يبكى كالأطفال وهو يعترف لى بأن كل الذنوب التى اقترفها فى حياته قد اقترفت فى حقه بعد ذلك، وهذا هو القصاص العادل فى الدنيا، لقد دفع ثمن أخطائه باهظا، فالبيئة الدينية التى نشأ فيها منذ طفولته كان لها أثر كبير فى حياته، ونجد أن التلاوة القرآنية والرجع القرآنى الكامن فى باطنه يبدوان جليين فى أغانيه للقصائد، فنرى (الفقى) واضحا فى أبيات كثيرة من (يا جارة الوادى)، وكان يقف طويلاً أمام مقالى (عظماء الدنيا وعظماء الآخرة)، ويقول لى (عششت فى مخى أننى لست من عظماء الآخرة لأننى من عظماء الدنيا)، فالأخلاق هى التى تقود إلى الصواب وإلى الله، لأن الله قال (وإنك لعلى خلق عظيم)، ولم يقل على علم أو فن عظيم، وذو الخلق يرفع ويحتمل،

ولهذا فقد سميت الآخرة رافعة خافضة، وكان عبدالوهاب رجلاً مدركاً لعيوبه ومميزاته، وبداخله تجد الإنسان المصرى الشرقى المتدين المؤمن، وكان يطلبنى فى الواحدة بعد منتصف الليل ليناقشنى فى الثواب والعقاب، ويبكى بشكل متصل. إن الإيجابيات فى شخصية عبدالوهاب أكثر بكثير من السلبيات فهو إنسان فيه سماحة ووداعة وخصال طيبة، فلم أره مرة يغضب أو يشتم أو يظلم، وكان صبوراً لديه الجلد وطول البال وقوة التحمل، وكان بداخله السياسى والدبلوماسى، وهى أخلاق العظماء، فلو أنه اتجه إلى غير الفن لكان من كبار الساسة فى العالم، وهو من القلائل الذين جمعوا بين الفن والحكمة».

وانتقل المفكر الكبير إلى الشائعات التى ترددت حوله بقوله: «الشائعات تطاردنى منذ طفولتى، منذ أن ظن الجميع أننى سأموت بعد أيام من الولادة لأن توأمى مات، رحلة طويلة مع الشائعات كنت أنا قبطانها الوحيد، وكنت أتعامل معها بأن أستمتع وأضحك أحياناً، وأغضب بشدة وأبكى فى أحيان أخرى، ولكن فى كل الأحوال كانت الشائعات تدفعنى إلى العمل باجتهاد، ولم تهزمنى فى يوم من الأيام، ولم تؤثر على علاقتى بالآخرين، وبعد كل شائعة تنتشر كالنار فى الهشيم كنت أتلقى اتصالات تليفونية من الناس والأصدقاء والأقارب ليطمئنوا علىّ،
وكل هذه الشائعات ظهرت مرة واحدة وكانت مختلفة وغير مفهومة ودون سابق إنذار، والغريب أن الناس يصدقون أى شىء على الإطلاق، وكانت أشهر الشائعات التى رافقتنى سنوات طويلة، هى أننى أصبت بلوث عقلى وانتابتنى حالة هستيرية نقلت على أثرها إلى مستشفى الأمراض العقلية، وكانت هذه الشائعة، بالتحديد، صاحبة الانتشار السريع بين جميع فئات وطبقات المجتمع، حيث أذكر أننى كنت أزور بعض أقاربى فى طنطا، وشاهدنى الناس فأصابتهم الدهشة.. فكيف أكون فى الشارع وفى الوقت نفسه فى مستشفى الأمراض العقلية!

ورغم تكذيبى الشائعة وظهورى المتكرر بعدها على شاشة التليفزيون أقدم حلقات برنامجى، فإن هناك كثيرين مازالوا يعتقدون صحة هذه الشائعة، وهناك شائعة أخرى غضبت جدا منها لأنها كانت تمس أحب البشر إلى قلبى وهى ابنتى أمل، وكانت الشائعة تتعلق بأننى بدلت دينى بسبب إصابتها بمرض خطير، ورأت السيد المسيح فى المنام وقال لها إن لم يتنصر والدك فلن تشفى أبدا من هذا المرض، فلبيت النداء على الفور وذهبت إلى الكنيسة وتم تعميدى وتنصيرى،

ولما تنصرت شفيت ابنتى، وذهبت بعد ذلك إلى الدير أتعبد فيه مع البابا شنودة والأنبا بيشوى، وكلها شائعات لا أساس لها من الصحة مطلقا فكيف أكون مسيحياً أؤدى الصلوات فى الكنائس وأتعبد فى الأديرة، وقد بنيت مسجداً لله وأعيش بداخله وأصلى فيه جماعة مع المسلمين الذين كانوا يفاجأون فى صلاة الجمعة بأننى أصلى معهم فيتأكدون من كذب الشائعة، والحقيقة أننى حاولت كثيراً أن أعرف مروجيها، لكننى لم أجد تفسيراً لها سوى أن الخصوم، الذين عجزوا عن هزيمتى بشتى الطرق، لجأوا إلى الشائعات اعتقاداً منهم بأنها قادرة على هدمى، خاصة أننى أعتقد دائما أن أعدائى إذا عجزوا عن مواجهتى أو افتقدوا الوسائل التى ينالوننى بها فسوف يوجهون لى طعنة فى الظهر،

وأعتقد أن ما كان يطاردنى من شائعات هو هذه الطعنة، واكتشفت بعد ذلك أن الرموز الإسلامية فى مصر مستهدفة دائماً، خاصة إذا كانت تحمل فكراً جديداً ومستنيراً، وأنا أعتبر نفسى أحد هذه الرموز، خاصة بعد إصدارى كتاب (التفسير العصرى للقرآن)، وكتباً ضد الشيوعية وإسرائيل، ولهذه الأسباب أعتقد أن المخابرات الإسرائيلية كانت وراء جزء كبير من الشائعات التى طاردتنى، خاصة بعد حملة الهجوم العنيفة التى قمت بها ضدهم فى أوائل التسعينيات،

ومعلوماتى تؤكد أن الموساد يتمنى دائما أن تتحول مصر إلى ساحة من الاختلافات الدينية، وإلى ساحة حروب أهلية بين المسلمين والمسيحيين، لكن محاولاتهم كانت تفشل لأننى أفهم خططهم جيداً، وكنت أقف لهم بالمرصاد، لكن لا يوجد شك فى أن مصر مستهدفة دائماً، كما أعتقد أن خصومى ممن ينتمون للجماعات الإسلامية كانوا من بين مروجى هذه الشائعات، وتوقعت أكثر من مرة أن يتم اغتيالى، ويبدو أن وزارة الداخلية شعرت بنفس الشىء فعينت حارساً يرافقنى أينما أذهب، ويرابض أمام باب شقتى، لكننى كنت وما زلت مؤمناً بأن لكل أجل كتاباً (وما تدرى نفس ماذا تكسب غداً وما تدرى نفس بأى أرض تموت)،

وعندما تقدم بى العمر وأصابتنى أمراض الشيخوخة واختفيت نهائياً عن الساحة الاجتماعية والإعلامية، توقعت أن تتوقف الشائعات، لكننى فوجئت منذ عدة سنوات بأحد أصدقائى يخبرنى بأن أحد أقاربه كان فى الحج وقال له إنه شاهدنى بجوار الكعبة أعمل خادماً فى حرمها، وأعيش حالة عالية جداً من التصوف والزهد، وأسعدتنى هذه الشائعة للغاية لأننى أثناء سنوات عزلتى الأخيرة كنت أناجى ربى فى صومعتى ووحدتى، وأصلى له، وأعيش حالة عالية من التصوف، فقد أيقنت بأن الله هو الهدف والغاية، ومن الممكن أن تكون المعجزة تحققت بأن تنتقل الروح إلى ما تحب فى حالة روحانية عالية، لكننى كذبتها بالطبع،

ورغم تقدمى فى العمر ووصولى إلى الثامنة والثمانين فمازال هناك من يخرج بالشائعات ويروجها، وآخر ما خرج من شائعات، وأعلن مروجها عن نفسه لأول مرة الدكتورة لوتس عبدالكريم، وهى إحدى صديقاتى، وزوجها أيضا صديق قديم لى، والغريب أنها سجلت الشائعة التى استعجبت لها كثيرا فى كتابها عنى (مصطفى محمود.. سؤال الوجود)، حيث قالت إننى أخبرتها بأننى على علاقة بالجن وأستعين به فى قضاء حاجات أصدقائى من أصحاب المشكلات، وإننى وصفت لها كيف كان يشتعل الممر المفضى إلى غرفتى بالنيران حين أستدعى الجان، وكيف كان يدخل إلىّ ويحتضننى بشدة فيغمى علىّ فترة غير قصيرة، وأن الألم كان هائلاً فى البداية،
ثم اعتدت عليه فلم أعد أعانى من شىء لأن الجان أصبح صديقى ويفضى إلىّ بكل ما يريد ويحقق لى ولأصحابى المعجزات، وكانت هذه الشائعة أكثر الشائعات افتراءً، لكن لوتس اتصلت بى بعد ذلك لتوضح أنها لم تقصد الإساءة، وأن الكلام نشر محرفاً».

وينهى المفكر الكبير الراحل حديثه بقوله: «بالفعل كنت شغوفاً بالتعرف على عالم الأرواح والجان، وحاولت كثيراً، كما ذكرت فى شبابى ومراحل متقدمة من عمرى، التعرف على هذا العالم الخفى والغريب، لكنى لا أستطيع أن أفعل كل هذه الأشياء التى ترددت عن علاقتى بالجان، خاصة بعد أن أصبحت فى أواخر عمرى، وبعد أن هدأت نفسى، ووصلت إلى اليقين، وأحببت التفاف أبنائى وأحفادى حولى، بعد رحلة طويلة من البحث والسفر وعدم الاستقرار».

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://braatalabdaa.moontada.net
 
مذكرات دكتور مصطفى محمود ..الاجزاء الكاملة ( الجزء الاول )..رحلة الشك تبدأ من صرصار
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات براعة الابداع :: براعة وابداع أدب وأدباء :: كتب ادبية ومذكرات شخصية-
انتقل الى: